الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بشرح كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري، مقدمًا نبذة عن الإمام ومؤلفاته، ويتناول شرح مقدمة الكتاب. يُبرز أهمية الاستعانة بالله في العمل بالعلم ويشرع في بيان صفات حملة العلم.
يُبين فضل العلماء وعلو منزلتهم مستدلًا بالآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، ويوضح أهمية العلماء في المجتمع.
يتناول تفسير الآيات القرآنية التي تشير إلى فضل العلماء وأهمية العلم، ويبين أن الإمامة بالدين لا تنال إلا بالصبر واليقين، وأن العلماء هم أئمة المتقين.
هذا ختام مقدمة الرسالة العظيمة النافعة، ويتم الإشارة إلى استكمال الدروس اللاحقة إن شاء الله.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه رسالة من رسائل الإمام أبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، وهو أحد الأئمة الأعلام المشهورين المعروفين، صاحب المصنفات الكثيرة، ومن أشهرها كتابه "الشريعة"، وهكذا عدد من المؤلفات والرسائل النافعة التي انتفع بها الناس ولا يزالون إلى يومنا هذا. وتتميز رسائله وكتاباته ومؤلفاته رحمه الله بكونها كتابات مدعمة بأدلة من الكتاب والسنة، ونقولات عن سلف الأمة، مع ما وفق رحمه الله من التبويبات المسددة والفصول الموفقة التي تدل على فقهه رحمه الله، وكذلك حنكته وحكمته في الكتابة والتأليف، وكذلك النصح والإرشاد والتوجيه. ومن هذه الرسائل النافعة هذه الرسالة التي بين أيدينا، وسماها "أخلاق العلماء"، يتدرج فيها رحمه الله في ذكر ما يتعلق بهذا المبحث، وهذا المعنى، يذكر الشيء مجملًا ثم يبدأ بتفصيله وذكر أدلته ومباحثه بابًا بابًا، بما يمر به على أهم ما يتعلق بهذا المعنى من أبواب، هي كالتنبيهات التربوية والتوجيهات والنصائح المرعية التي يراد بها ما ينبغي أن يكون عليه حملة العلم، وما ينبغي أن يكون عليه كذلك العلماء وطلبة العلم في جوانب كثيرة ستمر بنا إن شاء الله تعالى. افتتح المؤلف رحمه الله رسالته بالبسملة على طريقة أهل العلم، اقتداءً بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ افتتح القرآن بالبسملة، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كتاباته بالبسملة، بل هي من سنة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، كما أخبرنا الله عز وجل عن سليمان حين كتب لملكة سبأ: "إنه من سليمان وإنه باسم الله الرحمن الرحيم". قال رحمه الله تعالى: "أخلاق العلماء، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وسلم، وبالله أستعين، وحسب الله ونعم الوكيل". كذلك أتبع بالحمد له اقتداءً بكتاب الله وبما كان عليه أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بافتتاح كلماته، وكذلك لما فيه من الثناء على الله عز وجل بما هو أهله، مع شكر الله عز وجل الذي يقتضي الإعانة والتوفيق. وهكذا الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام اقتداءً بفعل النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا الصلاة على آله اقتداءً بصفة الصلاة كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم، فكان من ذلك الصلاة على آله عليه الصلاة والسلام. وهل آلُه خاصة أهل بيته أم أتباعه؟ قولان مشهوران لأهل العلم، وأشهرهما وأقربهما للصلاة أنهم أتباعه، ويدخل فيهم ابتداءً خاصة أهل بيته، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في قوله: "اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم". ثم ثنى بالاستعانة اقتداءً بكتاب الله، وهكذا كذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم: "إياك نعبد وإياك نستعين"، وهكذا خطبة الحاجة بمعناها. "حسبي الله ونعم الوكيل" قالها النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الشدة فنجاه الله، بل قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فنجاه الله، كما في البخاري وغيره من حديث ابن عباس: "حسبنا الله ونعم الوكيل". قال إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال الناس: "إن الناس قد جمعوا لكم". وهكذا كذلك العمل بالعلم أمره شديد وثقيل، وليس شيء يعين العبد على العمل بالعلم بمثل الاستعانة بالله عز وجل، وأن يلجأ العبد إلى الله سبحانه وتعالى، خصوصًا إذا كثرت الفتن وشق العمل بالعلم مع كثرة البلاء. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "القابض على دينه في آخر الزمان كالقابض على الجمر"، الذي يقبض على الجمر في شدة يحتاج أن يقول معها: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، يستعين بالله عز وجل على ما يرى من قلة وشدة الأعوان، وشدة الغربة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء". قال رحمه الله: "أما بعد، فإن الله عز وجل وتقدست أسماؤه اختص من خلقه من أحب، فهداهم للإيمان، ثم اختص من سائر المؤمنين من أحب، فتفضل عليهم فعلمهم الكتاب والحكمة، وفقهم بالدين، وعلمهم التأويل، وفضلهم على سائر المؤمنين، وذلك بكل زمان وأوان، رفعهم بالعلم، وزيّنهم بالحلم، بهم يعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح". فهو يشرع في المقصود بذكر بعض صفات حملة العلم. وقول "أما بعد" كلمة يؤتى بها للفصل بين مقدمة الشيء وموضوعه، أي: مهما يكون من شيء بعد، فهو الآتي. ولهذا تتبع بالفاء. فهنا يذكر رحمه الله أهم صفات أهل العلم، وذلك من عظم صفاتهم أن الله اختصهم بالإيمان، أي: اختصهم بأعلى درجات الإيمان. كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فكلما ارتفعت علمًا ارتفعت إيمانًا بإذن الله سبحانه وتعالى. ولذلك فهم خاصة من يحب، فهم أحب الناس إلى الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأنهم ورثة الأنبياء. وهكذا كذلك تفضل على العلماء فعلمهم الكتاب والحكمة، أي: السنة، وفقههم في الدين. لما كان منهم من التوجه للعلم والرقي فيه، وعلمهم التأويل كذلك، كل هذا من صفات العلماء. والعلم إذا كمل زين صاحبه بالحلم، وهي من الصفات الجميلة التي لا يوفق لها كل الناس. وصاروا مرجعًا للناس في معرفة الحلال والحرام، والحق من الباطل، والضار من النافع إلى آخره، وهذه كلها صفات العلماء. قال: "فضلهم عظيم وخطرهم جزيل". لعله يريد: يعني أثرهم جزيل. قال: "ورثة الأنبياء، وقرة عين الأولياء، فالولاية الحقيقية هي بالعلم، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، من؟ الذين آمنوا وكانوا يتقون. كيف يحصلوا الإيمان بدون علم؟ وكيف يحصل التقوى بدون علم؟ إذن لا بد من علم يحصل صاحبه به الإيمان والتقوى". ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. قال: "والحيتان في البحار لهم تستغفر، كما صحت به السنة، وسيأتي إن شاء الله عن النبي عليه الصلاة والسلام". قال: "والملائكة بأجنحتها لهم تخضع"، وكله سيأتي هذا يذكره الآن مجملًا وسيأتي مفصلًا إن شاء الله. قال: "والعلماء في القيامة بعد الأنبياء تشفع". كذلك كل هذا سيأتي إن شاء الله. "مجالسهم تفيد الحكمة، وبأعمالهم يزجر أهل الغفلة، هم أفضل من العباد". يعني: إذا قُرن العلم بالعبادة، فحاملوا العلم أفضل من حامل العبادة، وسيأتي معنا إن شاء الله ما يدل على ذلك. قالوا: "أعلى درجة من الزهاد، حياتهم غنيمة وموتهم مصيبة، وهذه حقيقة، فهي ثلمة لا يسدها شيء كما سيأتي معنا إن شاء الله". قال: "يذكرون الغافل، ويعلمون الجاهل، لا يتوقع لهم بائقة". لما كان من علمهم، فهم على العكس يسد بهم الفتن، وبموتهم تنفتح الفتن. ولهذا كان عمر رضي الله عنه كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: "باب قتله كسره، وكسره، وكسره تنفتح به الفتن". ووقع كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ﴿وَلَا يَخَافُ مِنْهُمْ غَائِلَةٌ﴾، بحسن تأديبهم يتنازع المطيعون، لأنهم صمام أمان للأمة بعلمهم وحكمتهم وحلمهم. قالوا: "بجميل موعظتهم يرجع المقصرون، وما أكثر أثر العلماء الحسن على أهل الطاعة، فيصلحونهم، وأهل التقصير فيعظونهم، وأهل الجهل فيعلمونهم، وأهل الغفلة فيذكرونهم إلى آخره". قال: "جميع الخلق إلى علمهم محتاج، والمتسلط على من خالف بقولهم محجاج". لأنه لو خالف بغير علم ضُحدت حجته بحجة العلم. "الطاعة لهم من جميع الخلق واجبة، والمعصية لهم محرمة". لهذا أمر الله بطاعتهم بعد طاعته وطاعة نبيه ورسوله عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي إن شاء الله. قال: "من أطاعهم رشد، ومن عصاهم عطب". ومعناه: من عصى العلماء حرم طريق الرشد. قال: "ما ورد على إمام المسلمين من أمر اشتبه عليه حتى وقف فيه، فيقول بقول العلماء يعمل". لأن الله أمره بالرجوع إليهم، كما سيأتي معنا في تفسير الآية إن شاء الله. قال: "وعن رأيهم يصدر". "وما ورد على أمراء المسلمين من حكم لا علم لهم به، فبقولهم يعملون، وعن رأيهم يصدرون". "وما أشكل على قضاة المسلمين من حكم، فبقول العلماء يحكمون، وعليه يعولون". وهذا كله واجب، ليس فضلًا. فواجب على الأمراء إذا أشكل عليهم شيء يسأل العلماء، وعلى القضاة إذا أشكل عليهم شيء يسأل العلماء. فالعلماء أعلى منزلة من الأمراء، وأعلى منزلة من القضاة، لأنهم أعلم بما يكون به صلاح الدنيا والدين. فلذلك أمر بالرجوع إليهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، قال: "فهم سراج العباد، ومنار البلاد، وقوام الأمة، وينابع الحكمة، هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ". مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء، كما صحت به الآثار، وسيأتي معنا إن شاء الله. فإن الله عز وجل جعل للسماء نجومًا هي رجوم للشياطين، وجعل في الأرض نجومًا هي رجوم للشياطين. فشياطين السماء ترميهم تلك النجوم، وشياطين الأرض ترميهم وترد شرهم نجوم الأرض هم العلماء. قال: "يهتدى بها بظلمات البر والبحر". إذا انطمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا. هذا هو حال النجوم في الليل، إذا تسير تستعين بالنجوم، إذا لم يكن عندك دليل فتعرف الجهات وتعرف الأوقات. وهكذا كذلك في ظلمات الدنيا المعنوية، العلماء نجوم تميز بهم كما تقدم النافع من الضار، وحسن من القبيح ونحوه إلى آخره. قال: "فإن قال قائل: ما الدليل على ما قلت؟ يعني: ذكرت أشياء عظيمة في وصف العلماء، ما هو دليلك؟ قال رحمه الله: قيل له: الكتاب، ثم السنة". فإن قال: "فاذكر منه". إذا ما سمعه المؤمن سارع في طلب العلم، ورغب فيما رغبه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال: "قيل له: أما دليل القرآن، فإن الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾". فوعد الله عز وجل المؤمنين أنه يرفعهم، ثم خص العلماء منهم بفضل الدرجات، فدل ذلك على مزي عظيم، وخصيصة هي خاصة بالعلماء، وهي الرفعة الحسية والمعنوية. يرفعهم الله عز وجل رفعة معنوية، ورفعة حسية، بما يكون من حرصهم على العلم، فإن الله عز وجل يجعل لهم هذا الفضل وهذا الجزاء. قال رحمه الله تعالى: "وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾، فأعلم خلقه أنه إنما يخشاه العلماء به". وأي شيء أعظم يريده الإنسان في الدنيا ويجده أفره في الآخرة من خشية الله عز وجل؟ فإذا كان كذلك، علمنا أن العلماء هم خاصة عباد الله عز وجل، بل عباده. قال: "وقال عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، والحكمة العلم". فمن أوتي العلم أوتي الحكمة، فهذا من نعمة الله، فمن خص بها فقد خص بخاصة فضل الله ونعمته. قال: "وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾". وقال عز وجل: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. فقال عز وجل: ﴿وَلِنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، "الأحبار عن قولهم والإذعان". قال: "يقال: فقهاؤهم، علماؤهم". أي: جاء في تفسير الربانيين العلماء والفقهاء. والربانيون كما جاء عن ابن عباس: "أنهم الذين يربون الناس على صغار العلم قبل كباره". وجاء كذلك: "الربانيون هم الذين يدلون على الرب بعلمهم وعملهم". فإذا سمعت منهم دلّوك على الله عز وجل أن تسير إليه وتطيعه. وإذا رأيتهم دلّوك على الله عز وجل بما كان من عملهم وصدقهم مع الله سبحانه وتعالى. ومن كان هذا حاله لا شك أنه يتلقح حكمة. ولهذا وصف الله عز وجل العلماء كما وصف الأنبياء بهذا الوصف، فهم ورثة الأنبياء. قال: "وقال عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، فالإمامة بالدين لا تنال إلا بالصبر واليقين". وهذا من فضل ماذا؟ العلم. فهذه الإمامة كانت بعد تعب ونصب وصبر ويقين، وهذا من فضائل وخصائص العلماء. قال: "وقال عز وجل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾". فإذا كان العلماء هم أئمة المتقين، فهذا يدل على عظيم فضلهم ومنزلتهم، لأنهم جمعوا بين العلم والعمل. وبه نعرف أن العالم الحقيقي ليس من حمل العلم ولم يعمل به، ولكن من حمل العلم وأتبعه بالعمل. قال محمد بن الحسين وهو الآجري نفسه رحمه الله: "وهذا النعت ونحوه في القرآن يدل على فضل العلماء، وأن الله عز وجل جعلهم أئمة للخلق يقتدون بهم". أي: هذه الأوصاف التي في القرآن تدل على فضل العلماء، وأنه ينبغي أن يقتدى بهم، فينبغي أن يحرص على هذا الفضل. قال: "أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثنا مروان بن عبد الله الرقي، قال: حدثنا غيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد". وبسند ليث عن مجاهد، أو بهذا السياق، الإسناد منقطع، لكن في التفسير يتسامح كثير من العلماء بالأسانيد، خصوصًا أن بعضها معبودة بأقوال أخرى لبعض أهل العلم. كذلك أن تفسير المنقول، ولو كان ببعض أسانيده ضعف، إذا وافقته نصوص ولغة وآثار أخرى، أفضل من أن يفسر الإنسان بقول نفسه، كما تقدم معنا في رسالة سابقة. وهذا من أسباب إيراد بعض الأسانيد التي فيها ضعف في كتب أهل العلم. كأنه يقول: "نقلي الضعيف الذي معناه صحيح أفضل من أن أنقل عن نفسي". أفضل من أن أنقل عن نفسي، فأقول: "معنى الآية كذا، ومعنى الحديث كذا". فكوني أقول: "نقل عن فلان، مع نقل السند بما فيه، ويكون معناه صحيح، أفضل من أن أنقل عن نفسي". قال رحمه الله: "عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال: العلم والفقه". وهذا من التفسير ببعض المعنى، وإلا فقد جاء في كتب التفسير غيره، فيكون من التفسير ببعض المعنى، وليس فيه تعارض مع غيره مما ورد. قال: "حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا شباب، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، قال: الفقه والعقل والعلم". وهذا كذلك من التفسير ببعض المعنى. قال: "أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا أسيد بن عاصم، قال: حدثنا الحسين يعني ابن حفص الأصبهاني، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، قال: العقل والفقه والإصابة في القول في غير نبوة". والمعنى: إلهام يلهم الله عز وجل للعلماء، فيوفقهم لقول الصواب، يوفقهم لقول الصواب. كان شيخنا ابن عثيمين رحمه الله يقول أحيانًا حين أذكر المسائل من العلم في التفسير والحديث والفقه: "أرى أن الله عز وجل يفتح على لساني شيئًا لم يكن بدهني ولم يخطر". فأراه توفيقًا وإلهامًا من الله سبحانه وتعالى أراد الله أن يخرجه للناس. يعني: أحيانًا يلهم الله عز وجل العالم الاستنباط الدقيق الذي فيه ما يدل على عمق التبصر في الآيات والأحاديث والفقه، ما يكون وهبه من الله سبحانه وتعالى لتعليم الخلق. قال: "أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: أخبرنا أبو ميسر، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، قال: الفقه والعقل وإصابة القول في غير نبوة". قال: "أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الجوري، قال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا علي بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، في قول الله عز وجل: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، قال: أولو الفقه والخير". وهذا كذلك من التفسير ببعض المعنى، فقد جاء العلماء وجاء الأمراء، وجاء كما هنا: "أولو الفقه والخير". وكما قال الإمام من القيم رحمه الله: "الأمراء تبع للعلماء". لماذا؟ لأنهم مأمورون أن يأخذوا بأمر الله ورسوله، وأعلم الناس بأمر الله ورسوله هم من هم العلماء. قال: "أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني، قال: حدثنا الحسين بن الأسود العجلي، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، قال: الفقهاء والعلماء". قال: "وحدثنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا الفضل بن مهلهل، عن مغيرة، عن إبراهيم مثله". وهذه الآثار كلها تدل على فضل العلماء، وكما مر معنا هو من التفسير ببعض المعنى، ولا ينافيه إذا وقفنا في بعض كتب التفسير على أقوال أخرى، فهو في الغالب من التفسير ببعض المعنى. هذا خلاصة ما ذكره رحمه الله في مقدمة هذه الرسالة العظيمة النافعة. وإن شاء الله نكمل في درس لاحق. والله تعالى أعلم.