الخطبة بعنوان التحذير المبين من القطيعة بين المسلمين، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 18 نوفمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع خطورة ظاهرة التقاطع والتخاصم بين المسلمين، ويشدد على أهمية رابطة الأخوة في الدين مستدلاً بالآيات والأحاديث.
يُنبه الخطيب إلى أن القطيعة والهجران بين المسلمين من وسائل الشيطان، ويحذر من الوقوع في فخ الشيطان الذي يسعد بتفريق المسلمين.
يتضمن المقطع ختام الصلاة بالتسليم والصلاة على النبي محمد، ثم الدعاء للمصلين، ويُنهي الإمام الصلاة بقوله "وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله".
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، بين خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من الظواهر المرضية والسلوكيات الردية التي طمت وعمت وكثرت وانتشرت، وهي تنذر بخطر عظيم وبشر مستطير يهدد مجتمعات المسلمين، ألا وهي ظاهرة التقاطع والتخاصم، وظاهرة التدابر والتهاجر، هذه الظاهرة والتي تُعتبر بحق داءٌ عضال ومرضٌ فتاك، فلا يكاد يمر علينا يوم من الأيام ولا ساعة من ساعات الليل أو النهار إلا وسمعنا أن فلانًا تهاجر مع أخيه، وزميله تشاجر مع صاحبه وجاره، وآخر تقاطع مع أحد والديه أو شريكه، وهكذا أخبار لا منتهى لها، وأنباء لا حصر لها تُنبيك عن مدى انتشار هذا الخلق الزميم. نهيك عما يقع بين النساء من حالات العداوة والشحناء مما يندى لها جبين العقلاء. عباد الله، إن ظاهرة القطيعة والهجران التي تكون بين أهل الإسلام لو أنها وقعت مع الحسرة والندامة ومع الشعور بالتأنيب والملامة لهان الخطب، لكن مما يحز في النفس أن تجد أن المتخاصمين والمتقاطعين وهم على راحة واطمئنان، وفي حالة من الفرح والسرور والاستبشار، فيرون أنفسهم على أحسن الأحوال، ولا حول ولا قوة إلا بالله. عباد الله، وإنني في هذا المقام لأشير إلى أربع مقامات تعتبر من الأصول والقواعد الكليات، والتي ما حرص عليها المسلمون والمسلمات كان ذلك نافعًا ودافعًا لكل من ابتلي بداء الهجران بين أهل الإسلام. أولى هذه المقامات أن يعلم الجميع ممن ينتمي لهذا الدين القويم أن الله جل وعلا ارتضى لنا رابطة الأخوة في الدين، هي رابطة عظيمة شريفة منيفة، لو أن الناس علموا بها لما كان هذا حالنا. فكم هي النصوص والأحاديث التي تدل على هذه الصلة. قال سبحانه ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وقال سبحانه ﴿فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾، وقال سبحانه ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾، وقال سبحانه ﴿فمن عُفي له من أخيه شيئا فاتباع بالمعروف﴾. وقال عليه الصلاة والسلام «المؤمن أخو المؤمن»، وقال عليه الصلاة والسلام «المسلم أخو المسلم»، وقال عليه الصلاة والسلام «وكونوا عباد الله إخوانا»، وقال عليه الصلاة والسلام «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وقال عليه الصلاة والسلام «إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق»، وقال عليه الصلاة والسلام «ذكرك أخاك بما يكره». النصوص كثيرة جدًا من الآيات والأحاديث التي تدل وتصف علاقة المسلم بالمسلم، هي علاقة أخ مع أخيه. فوالله لو أن الناس تأملوا في هذه الحقيقة، وعلمت يا عبد الله أن من تعاشرهم من خلق الله إنما هم إخوانك، لكان التعامل غير هذا التعامل، لكان تعاملنا مع بعضنا محفوفًا بالإحترام والحفاوة والإكرام، وما كان أحد يرفع راية الهجران على أهل الإسلام. فالمسلمون إخوة مهما اختلفت أنسابهم أو أعراقهم أو أجناسهم، والمسلم لا يرتضي أن يوصل الضرر على أخيه المسلم. قال عليه الصلاة والسلام «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». المقام الثاني مما ينبغي أن يكون في الحسبان، وخاص من كان من أهل القطيعة والهجران، أن القطيعة ما هي إلا مطية من مطايا الشيطان، فهو الذي يدعو إليها ويرغب فيها ويحث عليها ويأمر بها. قال سبحانه ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾، هذه إرادته وهذا أمره ومقصده. وعندما قام إخوة يوسف بالتحامل على أخيهم، وما كان من أمرهم، ما كان من يوسف عليه السلام إلا البيان، وإنما صبر من إخوانه من أفعال، إنما كان من صنيع الشيطان، فقال ﴿من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي﴾. فالعداوة والقطيعة من نزغات الشياطين والأبالسة، فاحذر يا عبد الله أن تكون آلة من آلاتهم وأداة من أدواتهم يتلاعبون بك. وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول بلسان عربي مبين «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم»، فهذا الذي يفعله يسعى بيننا في إفساد ذات البين، وفي تقطيع أواصر المسلمين، بما يكون من شحن الصدور على إخواننا وعلى بعضنا. وإن الشيطان ليفرح فرحًا عظيمًا بأداء مهمته على أكمل وجوهه. روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه بين الناس، يبعث بجنوده وأتباعه لكي يفسدوا في الأرض». قال عليه الصلاة والسلام «فأدناهم عنده منزلة أقربهم عنده فتنة، فيجيء أحدهم من أعوان الشياطين فيجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى قال قولًا عظيمًا، فيقول إبليس: ما صنعت شيئًا، ثم يجيء الآخر فيقول: ما زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين أهله، قال عليه الصلاة والسلام فيدنيه ويقربه ويقول له: نعم أنت». وفي رواية «فيضمه ويلتزمه نعم». عباد الله، فليعلم كل المتخاصمين بأنكم أصبحتم قرة عين لإبليس اللعين، فإنكم كلما زدتم وخطتم في القطيعة دائمًا وأبدًا، فإنكم تزدادون لا من الله، وإنما تزدادون من الشيطان رفعة ومنزلة، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. فلنأخذ عباد الله في هذا المقام في الإشارة بهذه الظاهرة المرضية، وما كان من انتشارها بين أوساطنا بين الرجال والنساء على حد سواء، وما كان من انتشار لظاهرة التقاطع والتهاجر والتخاصم والتدابر. وكانت الإشارة فيما مضى إلى أربع مقامات ينبغي أن تكون في نصب أعيننا، وذلك حتى نقلل أو ندفع من انتشار هذه الظاهرة. فكان مما مضى علينا أن نستشعر بعظيم الرابطة التي جعلها الله بين المسلمين، ألا وهي رابطة الأخوة في الدين. ثم كان ثانيًا أن نعلم أن القطيعة والهجران إنما هو من نزغات الشيطان، فلا تسترسل يا عبد الله في هذا السبيل. ثم ثالثًا على المتهاجرين والمتقاطعين أن يستشعروا بعظيم ما اكتسبوا وبقبيح ما فعلوا من جراء هجرانهم وقطيعتهم. فكم من سيئات وآثام وذنوب عظام نلتها يا عبد الله بسبب ما كان من هجرانك لأهل الإسلام. فليس الأمر عائدًا بأن تهجر من تشاء، وأن تدابر من تشاء، وأن تقاطع من تشاء، لا. قال عليه الصلاة والسلام «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال، يعرِض هذا ويعرِض ذاك، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». وقال عليه الصلاة والسلام «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا». وقال عليه الصلاة والسلام «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»، أي من الإثم والوزر. فهذه النصوص الصريحة تدل على حرمة القطيعة، وأنها من الجرائم العظيمة التي تفسد عليك دينك ودنياك وأخراك. بل إن من شؤم القطيعة أنها لربما ضرت على أعمالك الصالحة. روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا»، أي أن أعمال المتهاجرين تبقى معلقة بين السماء والأرض، لا يأذن لها الرب بالقبول حتى تصطلح مع أخيك. عباد الله، إن هذه الآثام وهذه الأوزار تلاحقك، وهي معك في كل قطيعة كانت مع غيرك، مع أصحابك والأصحاب والإخوان، أو مع الزملاء والجيران. فأما إن كانت القطيعة بينك وبين الأقارب والأرحام، فإن الأمر أعظم. قال عليه الصلاة والسلام «لا يدخل الجنة قاطع»، أي قاطع الرحم، تحجب عنه الجنة لعظيم مدابرته ومهاجرته مع قرابته وأرحامه. وإن كانت القطيعة مع أحد الوالدين، فإن الأمر أخزى والعذاب أشد. قال عليه الصلاة والسلام «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا»، أي لا يقبل الله منهم فريضة ولا نافلة، وذكر أول من ذكر العاق لوالديه، لا يقبل الله جل وعلا منه عملًا. عباد الله، إن هذا المقام لو استشعر به أهل الهجران لكان رادعًا في عدم التجاسر على التمادي على المقاطعة والهجران. رابعًا، عباد الله، إن من أعظم ما يستدفع به ما تستدفع به هذه الظاهرة، ما يكون من التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، وعلى رأس هذه الأخلاق أن تتحلى بخلق الصفح والعفو والإحسان، أن تصفح عمن تطاول عليك، وأن تعفو عمن أساء إليك، وأن تحسن عمن اعتدى عليك. أخلاق فاضلة، آداب سامية، لو أن المسلمين تحلوا بها بأنفسهم، فتعاملوا بها مع خلق الله، لما كان بيننا هذا الانتشار من القطيعة والهجران. قال سبحانه ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾، ادفع يا عبد الله، فالسيئة لا ترد بالسيئة، لا ترد القطيعة بالقطيعة، وإنما رد السيئة بالحسن. قال سبحانه ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وقال سبحانه ﴿فمن عفى وأصلح فأجره على الله﴾، وقال سبحانه ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾. وعلينا أن نعلم أن الله جل وعلا إنما يعاملنا على ما يكون من تعاملنا مع غيرنا، فمن صفه عن خلق الله صفه الله عنه، ومن عفى عنهم عفى الله عنه، ومن سترهم ستر الله عليه، ومن تجاوز عن عباد الله تجاوز الله عنه. قال إمار بن القيم رحمه الله: «ومن عامل خلق الله بصفته عامله الله بنفس هذه الصفة في الدنيا والآخرة، فالله يكون مع عبده على حسب ما يكون العبد مع خلقه». فإذا أردت يا عبد الله أن الله جل وعلا يعفو ويصفو ويحسن إليك، فقم بهذا مع خلق الله، وخاص مع من تهاجرت معهم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. الله أكبر، الله أكبر.