كتاب الإيمان 34

كتاب الإيمان 34

الدرس في كتاب الإيمان 34، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مدح أهل اليمن وتفسير المراد بهم

تحدث عن مدح النبي لأهل اليمن في الأحاديث النبوية وتفسير المراد بهم، حيث وصفهم بأنهم أرق أفئدة وأضعف قلوبا. الراجح هو حمل الحديث على ظاهره ويكون المراد بهم أهل اليمن حقيقة.

تفاضل أهل الإيمان وتأثير مجالسة الحيوانات

شرح الأحاديث التي تشير إلى تفاضل أهل الإيمان وتأثير مجالسة الحيوانات على الأخلاق، حيث تتفاوت صفات الناس حسب نوع الحيوان الذي يرعونه. أهل الغنم أكثر تواضعًا بينما رعاة الإبل أغلظ.

موقف أهل السنة من صاحب الكبيرة

بين موقف أهل السنة والاعتزال من صاحب الكبيرة، حيث يرى أهل السنة أنه مؤمن بإيمانه وفاسق بمعصيته وتحت مشيئة الله. بينما المعتزلة يحكمون بدخوله النار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله: قال الإمام مسلم بن الحجاج بن الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واسمه عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال حدثنا أبو أسامة، وهو محمد بن عبيد، حدثنا منصور بن نمير، وهو عبد الله بن محمد بن نمير، قال حدثنا أبي، حدثنا أبو كريب، محمد بن العلاء، قال حدثنا ابن إدريس، كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، واللفظ له، قال حدثنا معتمر عن إسماعيل، قال سمعت قيسا يروي عن أبي مسعود، قال: أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن، فقال: «ألا إن الإيمان ها هنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين، عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرن الشيطان في ربيعة ومضر». قال وحدثنا أبو الربيع الزهراني، قال أنبأنا حماد بن زيد، قال حدثنا أيوب، وهو أبو تميمة السختياني، قال حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ومحمد بن سيرين له إخوة من أهل الحديث، أنس بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وكريمة بنت سيرين أخته، فهم عائلة معتنون برواية الحديث وبالعلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية». قال حدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى العنسي، قال حدثنا ابن أبي عدي، حدثني عمر الناقد، قال حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، كلاهما عن علي بن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. قال وحدثني عمر الناقد، وحسن الحلواني، قالا حدثنا يعقوب، وهو ابن إبراهيم بن سعد، قال حدثنا أبي، عن صالح، عن الأعرج، عبد الرحمن بن هرمز، والأعرج هذا من باب التعريف، ليس من باب السخرية والاستهزاء والاستحقار، فذكر المرء بعاهة فيه لأجل التعريف هذا جائز، الأعرج والأحول مثلا، والأعمى إذا كان من باب التعريف لا بأس، أما إذا كان من باب التعيير، تقول عن فلان بأنه أعرج أو أنه أعور أو أنه نحو ذلك من هذه العاهات، تصفه بها من باب التعيير والتنقص، فهذا من الغيبة. قال: قال أبو هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة يمانية». قال حدثنا يحيى بن يحيى، قال قرأت على مالك، عن أنس، إمام دار الهجرة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل، الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم». هذا الحديث حديث أبي مسعود، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الإيمان ها هنا»، ويشير نحو اليمن، وفي حديث أبي هريرة، قال: «جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية»، وكذلك الرواية الأخرى بنحوه. هذه الأحاديث فيها مدح وثناء على أهل اليمن، مدح وثناء على أهل اليمن، أنهم ممن حقق الإيمان بالله جل وعلا وبرسوله، وأن قلوب أهل اليمن رقيقة، هم أرق أفئدة، يعني قلوبا، فقلوبهم رقيقة تقبل الحق وتنقاد له. وكذلك أيضا وصف الإيمان يمان، والفقه يمان، يعني الفقه في الأحكام الشرعية، الفقه في الدين، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقه في الدين، يعني يتعلموا أحكام الشرع، من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، يفقه، يفهمه أحكام الشريعة، والحكمة يمانية، الحكمة وضع الشيء في موضعه، وضع الشيء في موضعه، هذا ثناء على أهل اليمن، أنهم أهل إيمان، وأن قلوبهم رقيقة تقبل الحق وتقبل الإيمان وتنقاد له، وأنهم أهل فقه وحكمة. وفي الرواية الأخرى: «هم أضعف قلوبا»، المراد بضعف القلوب، يعني أن قلوبهم خاشعة ذليلة منكسرة، سرعان ما تتأثر بسماع الهدى والحق. فهل المراد بأهل اليمن هم أهل اليمن على ظاهره وحقيقته، أو أن المراد بذكر أهل اليمن في هذه الأحاديث قوما آخرين؟ أشار الإمام النووي رحمه الله في الشرح، نقلا عن أبي عمرو بن الصلاح، أن بعض أهل العلم صرف هذا الحديث عن ظاهره، وقال إن المراد بأهل اليمن ممن ذكروا في هذه الأحاديث هم أهل مكة، قالوا لأن مكة من تهامة، وتهامة من اليمن. ومنهم من قال مكة والمدينة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك وهو في تبوك، وأشار إلى جهة مكة والمدينة، فقال أهل اليمن، وأراد مكة والمدينة، كقوله في تسمية الركن اليماني بالركن اليماني، وهو في مكة، سمي بذلك لأنه في جهة اليمن. وقيل المراد الأنصار، المراد بأهل اليمن في هذه الأحاديث هم الأنصار، لأن الأنصار من اليمن، الأوس والخزرج قبيلتان يمنيتان، فمدح النبي صلى الله عليه وسلم أهل اليمن وأراد بهم الأنصار، وهذا قول كثير من أهل العلم. وتعقبه ابن الصلاح رحمه الله، وقال إن هذا خلاف الظاهر، وأن المراد بأهل اليمن حقيقة هم أهل اليمن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاكم أهل اليمن»، وقال: «جاء أهل اليمن»، والخطاب موجه أيضا للأنصار، والأنصار مخاطبون بذلك، إذا المراد بهم غير الأنصار، المراد بهم من جاء من اليمن حقيقة، فوصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأوصاف، وإلا أنه قال إن هذه الأوصاف هي فيمن وفد على النبي عليه الصلاة والسلام من أهل اليمن، ممن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم من الوفود الذين أتوا من جهة اليمن. فقال النبي عليه الصلاة والسلام فيهم هذه الأحاديث وهذا الثناء، ولا مانع من حمل الحديث على ظاهره، وأن هذا الوصف يشمل أهل اليمن، سواء كانوا الذين وفدوا على النبي عليه الصلاة والسلام أو غيرهم ممن هم من اليمن، على ظاهر عموم هذه الأحاديث. فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلق، فقال: «أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة يمانية». فهذا المدح العام يشمل أهل اليمن، لكن ليس على عمومه، يعني كل فرد من أفراد أهل اليمن، ففي أفراد أهل اليمن من هو بعيد عن الإيمان وبعيد عن الحق والهدى، لكن من اتصفت فيه هذه الأوصاف من أهل الإيمان وأهل الخير وأهل العلم وأهل الفقه وأهل الحكمة، فهذه الأوصاف بحمد الله موجودة في أهل اليمن. كونهم أرق أفئدة وقلوبا، فأهل اليمن دخلوا في الإسلام من غير قتال، سمعوا الحجة والبرهان والهدى والنور فآمنوا، وهذا من معاني ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أضعف قلوبا ورقوا قلوبا. وهكذا أيضا انتشار الإيمان والإسلام والعلم في اليمن، هذا شيء معلوم وظاهر بحمد الله، فلذلك يحمل الحديث على ظاهره وعلى عمومه، أنهم أهل اليمن حقيقة، وقد وصفوا بهذه الأوصاف، وأثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الثناء، وهذه فضيلة وشرف لأهل اليمن أن يوصفوا بهذه الأوصاف، ومدحهم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا المدح والثناء. ومنهم من تقدم إيمانهم من أهل اليمن، ومن صاحب النبي عليه الصلاة والسلام منهم، كالأشعريين، كأبي موسى الأشعري، وغيره من الأشعريين، أبو هريرة رضي الله عنه الدوسي، ودوس من اليمن، وهكذا أيضا غيرهم كثير، ومن جاء بعده من الكبار التابعين، كأويس القرني، الذي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه مجاب الدعوة، وأنه من أفضل التابعين، أويس القرني، بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من اليمن، وهكذا أبو مسلم الخولاني، وغيرهم من أهل اليمن. وقوله عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين، عند أصول أذناب الإبل»، القسوة يعني قسوة القلب وغلظها، تكون في الغالب عند رعاة الإبل، الفدادين يعني الذين يسوقون الإبل ويصيحون فيها ويرفعون أصواتهم في سوقها، هؤلاء يغلب عليهم الجفاء والقسوة وغلظ القلوب، وذلك أن الإبل فيها غلظة وشدة، والمرء يتأثر بمن يعاشره ويجالسه. فلذلك الغالب على رعاة الإبل أن تكون عندهم شيء من الغلظة والشدة والقسوة، بخلاف رعاة الغنم، فهم أهل تواضع وسكينة، لأن الغنم هادية، الغنم هادية متواضعة، ليس فيها قسوة ولا غلظة ولا شدة، فتجد أهلها مثلها في غاية من التواضع والسكون وعدم الغلظة والشدة. وقول عليه الصلاة والسلام: «رأس الكفر نحو المشرق»، يعني أصل الكفر نحو المشرق، أي جهة المشرق، جهة المشرق من نحو جهة العراق ونحوها. وأكثر الألفاظ ظهرت من تلك الجهة، من جهة الكوفة والبصرة، بدعة القدر وبدعة الجهمية، جاءت من تلك الجهة، جهة المشرق. وقول عليه الصلاة والسلام: «والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل»، الفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل كذلك، أصحاب الخيل يغلب عليهم الكبر والفخر والترفع، لأن الخيل متكبرة، يعني في مشيتها، وفي حسنها، وفي قوتها، وفي سرعتها، وفي جمالها، فتجد أهلها كذلك عندهم شيء من الكبر والفخر. قال: «والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل»، يعني في رعاة الإبل، ومن يسوقها، والإبل الفدادين أهل الوبر، ذكر أبو عبيدة رحمه الله، معمر بن المثنى، أن الفدادين يقال لمن كثرت عنده الإبل، فملك المئتين إلى الألف، أن يكون عنده قدر المئتين إلى الألف من الإبل، فيقال لأمثال هؤلاء هم من الفدادين. فالمقصود أن من كثرت عنده الإبل، ويسوقها بالصياح عليها، ويقوم برعايتها، هؤلاء يغلب عليهم هذا الوصف، وصف الغلظة والشدة والقسوة والفخر والخيلاء. قال: «والسكينة في أهل الغنم»، السكينة في أهل الغنم، إذا كان هذا في الحيوانات، إذا كان الإنسان يتأثر بالحيوان الذي يعاشره، فكيف به الإنسان؟ هذا من باب أولى أن يتأثر به في أخلاقه وفي اعتقاده. لهذا الشريعة حثت على مصاحبة الأخيار والفضلاء، لأن الإنسان يتأثر بجليسه، «مر على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، فكذلك أيضا مجالسة هذه الحيوانات، الذي يعاشر الإبل والخيل، يصيبه شيء من خيلائها وكبريائها، فيصيبه شيء من ذلك، يكون عنده خيلاء وكبر وترفع، والذي يرعى الغنم يكون هادئا، لأن الغنم هادية، فيتأثر بها. فإذا كان هذا في الحيوانات، فكيف ببني آدم؟ لذلك المرء يحرص على مصاحبة أهل الخير والفضل، لأنه سيتأثر به، مهما أراد أن يتجنب، فلن يستطيع، ما يقول الله: «أنا سأصاحب فلانا أو هؤلاء القوم»، وهو يعرف أنهم على بعد عن الخير والصلاح والهدى، وأهل معاصي، ويقول: «أنا سأدعوهم»، خطأ، تدخل معهم، ما تدري إلا وقد وقعت فيما وقعوا فيه، تأثر بهم. الإمام النووي رحمه الله، فأفاد من هذه الأحاديث باب تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه، أن الإيمان يتفاضل، هذا هو وجه الشاهد من ذكر هذه الأحاديث، أن الإيمان يتفاوت، وليس هو في درجة واحدة، فيتفاوت أهله فيه، بين من إيمانه أكثر وأرفع وأكمل، ومن إيمانه دون ذلك. أن أهل اليمن من أكثر أهل الإيمان إيمانا، والقول بتفاضل الإيمان، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، أن الإيمان يزيد وينقص، كما مر معنا في حديث أبي سعيد الخدري: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، إذا الإيمان مراتب أيضا. وفي حديث أبي مسعود: «ليس أراه ذلك من الإيمان حبة خردل»، حديث أبي هريرة: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، إذا الإيمان درجات ومراتب، يتفاضل بعضها على بعض، وهذا خلافا للمرجئة والخوارج، فالمرجئة عندهم أن الإيمان شيء واحد، وأن من آمن لا يضر مع الإيمان ذنب، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة. فهم يرون أهل الإيمان كلهم في درجة واحدة، الفاسق والعاصي، ما دام أنه مؤمن، لا فرق بينه وبين الطائع القانت لله، بل إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة، والقول باطل. وكذلك أيضا الخوارج، جعلوا الإيمان شيئا واحدا، إذا ذهب بعضه ذهب كله، ولهذا كفروا صاحب الكبيرة إذا وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، حكموا عليه بالكفر، وأن إيمانه قد ذهب. ونحوهم المعتزلة، إلا أنهم قالوا: هو في الدنيا في منزلة بين منزلتين، وحكموا عليه في الآخرة بدخول النار، أي صاحب الكبيرة. وأهل السنة يقولون: هو صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، هو مؤمن بإيمانه، وفاسق بمعصيته.