الدرس في كتاب الإيمان 61، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحرم أفعال الجاهلية عند المصيبة مثل ضرب الخدود وشق الجيوب، ويأمر بالصبر. يجب على المسلم عند المصيبة أن يصبر ويسترجع.
النبي برئ من أفعال الجاهلية عند المصيبة مثل رفع الصوت بالصراخ وحلق الرأس وشق الثياب. يجب على المسلمين اتباع هدي النبي في الصبر عند المصائب.
المقطع يذكر طريقتين لنقل حديث عن النبي عن أبي موسى الأشعري مع اختلاف صغير في الصياغة. الحديث يؤكد تحريم أفعال الجاهلية عند المصيبة.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين أبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري الكشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: قال حدثنا يحيى بن يحيى، قال أخبرنا أبو معاوية. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو معاوية ووكيع. وحدثنا ابن نمير، قال حدثنا أبي جميعا عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله -مسروق من الأجدع، عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية». قال: هذا حديث يحيى، وأما ابن نمير وأبو بكر فقال: «وشق ودعا» بغير ألف. هذا الحديث حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية». فقوله عليه الصلاة والسلام «ليس منا» معناه كما مر في الأحاديث السابقة في الدروس التي مضت، في قول عليه الصلاة والسلام: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا»، فهو على نفس التفسير، إن فعل ذلك على جهة الاستحلال من غير تأويل فيكون كافرا. وأما إن كان من غير استحلال فهو ذنب ومعصية، ويكون هذا الفعل ليس على طريقة أهل الإسلام وهدي أهل الإسلام، وإنما هذا من فعل أهل الجاهلية. هذه الأفعال هي من أفعال أهل الجاهلية، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أو دعا بدعوى الجاهلية». أولا قوله: «من ضرب الخدود»، من ضرب الخدود يعني عند حصول المصيبة، عند حصول المصيبة فيقعوا في الضغط وعدم الصبر، فيضرب الخدود، وكان هذا من عادات أهل الجاهلية يضربون خدودهم عند المصيبة. أو شق الجيوب، أن يشقوا ثيابهم، الجيب الموضع الذي يدخل منه الرأس من الثوب، هذا يقال له جيب، فشق الجيوب هكذا عند المصيبة، هذا أيضا من فعل أهل الجاهلية. أو دعا بدعوى الجاهلية، دعوى الجاهلية يعني بالصياح والندب وذكر محاسن الميت، أو أيضا استعمال الندبة: «حسرتاه، وكذا، وفلانا» -يعني من كان يأتينا مثلا بحاجاتنا- إلى آخره، هذه من دعوى الجاهلية. فمن يفعل ذلك ليس هذا الفعل بفعل أهل الإسلام، فإن الإسلام أمر بالصبر، أمر بالصبر عند المصيبة، فالصبر عند المصيبة واجب، والصبر عند الصدمة الأولى، والصبر حفظ اللسان من التشكي، وكذلك أيضا القلب من التسخط، والجوارح من ضرب الخدود وشق الجيوب وما كان مثلها، فالصبر واجب. والله عز وجل جعل على الصبر الثواب العظيم: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾. هذا هو حال الصابر إذا أصابتهم مصيبة استرجع ورد الأمر إلى الله: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، كلنا لله، والله عز وجل هو الذي خلقنا وأوجدنا، وهو يتصرف فينا كيف شاء، ومرجعنا إلى الله: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، فمن فعل ذلك وقال ذلك أولئك عليهم صلوات من ربهم -ثناء ومدح من الله سبحانه وتعالى لهم- «صلوات من ربهم ورحمة» أيضا يرحمهم الله ويعفو عنهم ويتجاوز عنهم، «وأولئك هم المهتدون» هم أهل الهداية في الدنيا والآخرة. هذا هو الواجب، وما زاد عن الصبر فهو مستحب، ما زاد على الصبر من الرضا والشكر فهذه مراتب ماذا زائدة عن الصبر مستحبة، لكن المحرم هو التسخط والتشكي، هذا لا يجوز، فهذه الأفعال لا يجوز للمسلم أن يفعلها، وهي من ضعف الإيمان ومن نقص الإيمان، أنه يفعل هذه الأفعال عند المصيبة: يضرب الخدود، ويشق الجيوب، ويدعو بدعوى الجاهلية، ويلحق بها ما كان مثلها، يلحق بها ما كان مثلها مما في هذا المعنى من عدم الصبر إذا أصابته المصيبة: كسر ما هو أمامه أو ما في يده، هذا أيضا يعتبر من عدم الصبر، من عدم الصبر. فالواجب أن يسلم المسلم الأمر لله ويقول: «إن لله، إن إليه راجعون». قال رحمه الله: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا جرير. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو ابن راهويه- وعلي بن خشرم، قال حدثنا عيسى بن يونس جميعا عن الأعمش بهذا الإسناد، وقال: «وشق ودعا» -يعني قال شق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية-. قال: وحدثنا الحكم بن موسى القنطري، قال حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن القاسم بن مخيمرة حدثه، قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى، قال: وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئا، فلما أفاق قال: «أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة». هذا الحديث في أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه أصابه وجع -أي مرض- فغشي عليه، أغمي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، وظاهر ذلك أنها غيرها -غير التي رأسه في حجرها-. قال: فلم يستطع أن يرد عليها شيئا -يعني كان في حالة غيبوبة وفي حالة ضعف-، فلما أفاق قال: «أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة، فتبرأ رضي الله عنه من فعل هذه المرأة من أهله من صياحها ورفع صوتها، وأخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام بريء ممن فعل ذلك. قال: «أنا بريء ممن برئ منه رسول الله» وهذا من شدة حرصه على متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، حتى ولو كان هذا الأمر قد وقع ممن هو من أهله، فإنه يتبرأ من هذا الفعل الذي برئ منه النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أهل طاعة ومتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان حبهم وولاؤهم وبراؤهم لله، فيحبون من لزم طاعة الله جل وعلا ورسوله، ولو كان بعيدا، ويبغضون ويتبرؤون ممن خالف دين الله جل وعلا، ولو كان قريبا. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم أن يكون حبه لله وبغضه لله وولاؤه لله وعداوته لله. فذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام برئ من الصالقة، والصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، التي تصيح وترفع صوتها، برئ النبي عليه الصلاة والسلام منها، وهذا مما ينافي الصبر، مما ينافي الصبر. قال: «والحالقة» الحالقة التي تحلق رأسها عند المصيبة، وكان هذا أيضا من فعل أهل الجاهلية، أنها إذا أصابتها مصيبة ربما حلقت رأسها إظهارا لجزعها، وليس تأثرها بهذه المصيبة، وهذا لا يجوز. «والشاقة» التي تشق ثيابها، فبرئ النبي عليه الصلاة والسلام ممن فعل هذه الأفعال. وقد كان أهل الجاهلية من جهلهم ربما أوصى بعضهم أن يصاح عليه -أن يصاح إذا مات- كما في قول القائل: إذا ميت فانعيني بما أنا أهله نعم، إذا ميت فانعيني بما أنا أهله، وشق علي الجيب يبنة معبدي، هكذا يوصي زوجته إذا مات أن تنعاه وأن تصيح وترفع صوتها وتشق عليه الجيب -يعني تشق جيبها وثيابها-. إذا ميت فانعيني بما أنا أهله، وشق علي الجيب يبنة معبدي، وهذا من الجهل، فالإسلام نهى عن ذلك. قال رحمه الله: وحدثنا عبد بن حميد وإسحاق بن منصور، قال أخبرنا جعفر بن عون، قال أخبرنا أبو عميس، قال سمعت أبا صخرة يذكر عن عبد الرحمن بن يزيد وأبي بردة بن أبي موسى، قال: أغمي على أبي موسى، وأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، قال: ثم أفاق، قال: «ألم تعلمي -وكان يحدثها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق، ممن حلق -يعني رأسه- وسلق -سلق بمعنى رفع صوته- بمعنى رفع صوته عند المصيبة، فهو بمعنى الصلق، السلق بمعنى السلق، والآن في بعض الروايات السالقة، في بعضها السالقة بالسين، وكلا الروايتين صحيحة كما أشار النووي رحمه الله، وهما لغتان». قال: «السالقة والصالقة بالسين». وقوله: «فأقبلت امرأته أم عبد الله» هذا من باب التمييز، من باب التمييز وبيان من حصل منها ذلك، لأن أبا موسى كان عنده أكثر من امرأة، فقالوا: «أقبلت امرأته أم عبد الله» -بيان المرأة من نساء التي حصل منها ذلك-. وقوله: «ألم تعلمي -وكان يحدثها-» معنى أنه أخبرها بذلك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد برئ من من فعل هذه الأفعال، لكنها أخطأت لمرأة من حال أبي موسى فعلت ذلك، وهذا خطأ منها، وإلا الواجب كما سمعناه هو الصبر. قال: حدثنا عبد الله بن المطيع، قال حدثنا هشيم، قال: عن حسين، عن عياض الأشعري، عن امرأة أبي موسى، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحدثنيه حجاج بن الشاعر، قال حدثنا عبد الصمد، قال حدثني أبي، قال حدثنا داود -يعني ابن أبي هند-، قال حدثنا عاصم، عن صفوان بن محرز، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحدثني الحسن بن علي الحلواني، قال حدثنا عبد الصمد، قال أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، غير أن في حديث عياض الأشعري قال: «ليس منا» ولم يقل «بريء».