الدرس في كتاب الإيمان 69، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع علامات الساعة الكبرى والمبادرة بالأعمال الصالحة قبل حلول الفتن. كما يشير إلى تفاضل الإيمان وزيادة ونقصانه، وأن الساعة تقوم على شرار الخلق.
يُحث المسلمون على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن تحول الفتن بينهم وبين الطاعات. يُذكر أن الفتن قد تكون سببًا في ضياع الدين والآخرة.
يجب على المؤمن أن يكون خائفا وجلا من غضب الله وعقابه، ولا يغتر بعمله ولا بطاعاته. المؤمن يجمع بين العمل وبين الخوف.
المقطع يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويعتبر هذا الدعاء من الأفعال المحمودة في الإسلام وتُظهر التقدير للنبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مصنف الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، أبو عبد الله البصري، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، وهو الدراوردي الصدوق، وروايته عن عبيد الله العمري منكرة، كما قال النسائي، رحمه الله. قال: وأبو علقمة الفروي، وعبد الله بن محمد، قالا: حدثنا صفوان بن سليم، أبو عبد الله، ثقة، قال: عن عبد الله بن سلمان، وهو الأغر، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث ريحا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان -قال أبو علقمة- أو مثقال ذرة من إيمان- إلا قبضته». هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بشيء مما يقع قرب قيام الساعة، أن الله عز وجل يبعث ريحا من اليمن، أي من جهة اليمن، ألين من الحرير، يعني ريحا رقيقة. وهذه الريح تقبض روح كل مؤمن. وكونها على هذا الحال أنها ألين من الحرير، كما قال الإمام النووي رحمه الله، هذا إكرام لأهل الإيمان، بمعنى أنها لا تؤذيهم، فيبعثها الله عز وجل، فلا تدع أحدا من أهل الإيمان ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته. وهذا من علامات الساعة، أو قبل قيام القيامة، وهي من علامات الساعة الكبرى التي تكون بعد نزول الدجال، وبعد قتله، ونزول عيسى عليه السلام، وحكمه لأهل الإسلام، وكذلك بعد موته عليه السلام، يبعث الله عز وجل قرب قيام الساعة هذه الريح، لا تدع أحدا من أهل الإيمان في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته. وفي رواية في صحيح مسلم، في حديث آخر، أنها تأتي من جهة الشام. والإمام النووي رحمه الله ذكر جمعا بين الحديثين، أنها قد تحمل على حالتين: ريح من جهة اليمن، وريح أخرى من جهة الشام. والجمع الآخر: قد تكون ريح واحدة، فتمر على جهة الشام، ثم على جهة اليمن. والشاهد من هذا الحديث قوله: «مثقال حبة أو مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته»، هذا فيه دليل على أن الإيمان متفاوت، وأنه ليس شيئا واحدا، ولا درجة واحدة. فمن أهل الإيمان من عنده إيمان كامل، ومنهم من عنده نقص في الإيمان، ومنهم من عنده من الإيمان مثقال ذرة أو مثقال حبة. فدل ذلك على أن الإيمان يزيد وينقص. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة ويقال: الله الله». وفي الحديث الآخر: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء». فالساعة تقوم على شرار الخلق. وأما أهل الإيمان، فيقبض الله عز وجل أرواحهم بهذه الريح. قال: وحدثني يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وحجر بن حجر، جميعا عن إسماعيل بن جعفر، وهو الأنصاري الزرقي، إسماعيل بن جعفر الأنصاري الزرقي، أبو إسحاق القارئ، ثقة ثبت. قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». هذا الحديث يحث النبي عليه الصلاة والسلام على المبادرة في فعل الأعمال الصالحة. «بادروا بالأعمال» يعني بالطاعات والقربات والأعمال الصالحات. والحث والترغيب في المبادرة بالأعمال مما أمر الله سبحانه وتعالى به، قال جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال: ﴿وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وقالوا في ذلك: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. فالمبادرة والمسارعة في فعل الخيرات أمر مطلوب ومرغوب فيه، وهو زاد المؤمن في هذه الدنيا. «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى»، خير زاد يتزود به العبد تقوى الله جل وعلا. قبل أن يحول بينه وبين العمل، قد يحول بينه وبين الأعمال الصالحة أمور تمنعه منها. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فتنا» يعني قبل مجيء الفتن التي قد تحول بينك وبين العمل الصالح، وتمنعك من فعل بعض الطاعات والقربات. قد تأتي الفتن فلا تستطيع أن تحضر مجلس علم، تريد أن تحضر مجلس علم ما تستطيع بسبب الفتن. ربما فتن حروب وقتال فلا تستطيع أن تتقرب إلى الله بهذه الطاعة، أو تريد أن تصلي في بيوت الله، ربما ما تستطيع بسبب الفتن. قال: «بادر بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم» يعني من كثرتها كثيرة. كقطع الليل الذي يطمس النهار وينتشر في السماء ويغطي النهار في الأرض. «يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا» يعني من كثرة الفتن أنه ربما يمسي مؤمنا ولا يصبح إلا وقد كفر، أو يصبح وهو مؤمن ولا يمسي إلا وقد كفر. «يبيع دينه بعرض من الدنيا» يعني بشيء من مال أو متاع الدنيا قليل، يضيع دينه ويضيع آخرته بسبب فتن الدنيا. فهذا حث وترغيب على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن. نسأل الله عز وجل السلامة والثبات. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: «أنا من أهل النار»، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمر، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟» يعني هل أصابه مرض؟ فأقعده عن الخروج؟ قال سعد: «إنه لجاري، وما علمت له بشكوى» يعني ما علمت له من مرض يشتكي منه. قال: «فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال ثابت: «أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار». فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل هو من أهل الجنة». هذا الحديث يخبر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه بما حصل لثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، وكان خطيبا للأنصار، أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، فكان ثابت رضي الله عنه ذا صوت جهوري ومرتفع، فضن رضي الله عنه أنه ممن حبط عمله لأنه كان يرفع صوته عند النبي عليه الصلاة والسلام في خطابته وكلامه، فاحتبس في بيته ولم يخرج حتى فقده النبي عليه الصلاة والسلام، فسأل عنه سعد بن معاذ: «ما له؟ هل اشتكى؟» قال سعد: «أنا جاره، ولا أعلم له شكوى» ما أعلم له من مرض أو علل. فذهب إليه يسأله ويخبره بما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبره ثابت بنزول هذه الآية، وأنه من أرفعهم صوتا، فأخبر عن نفسه أنه من أهل النار. فلما أخبر سعد النبي عليه الصلاة والسلام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل هو من أهل الجنة». فهذا الحديث فيه أولا ما أنزل الله عز وجل في هذه الآية من أمر أهل الإيمان بالأدب في مخاطبة النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يجوز رفع الصوت على صوته عليه الصلاة والسلام. وفيه أيضا ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من تفقده لأصحابه وسؤاله عنهم. فلما رأى ثابتا أنه قد تغيب سأل عنه: «هل عنده شيء؟ عنده مرض؟» وإذا مرض ذهب يزوره عليه الصلاة والسلام كما فعل مع سعد بن عبادة. وهذا من كمال تواضعه عليه الصلاة والسلام. وأيضا فيه فضيلة لثابت بن قيس، وشهادة له من النبي عليه الصلاة والسلام أنه من أهل الجنة. فنحن نشهد له بأنه من أهل الجنة كما شهد له النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه أيضا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من الخوف وعدم الاغترار بأعماله وطاعاته وقرباته. فهذا ثابت بن قيس رضي الله عنه من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وخاف على نفسه حتى ظن أنه من أهل النار، فبشره النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة. وهكذا المؤمن ينبغي أن يخاف نفسه من عذاب الله، يكون خائفا وجلا من غضب الله، من عقابه، ولا يغتر بعمله، ولا يغتر بطاعاته، ولا يغتر بصلاحه، ولا يغتر باستقامته. بل ينبغي أن يعمل مع الخوف، مع خوفه وعدم أمنه من مكر الله جل وعلا. هذا حال أهل الإيمان، فإنهم يجمعون بين العمل وبين الخوف. كما قال الله عز وجل عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. يسارعون بفعل الطاعات، ومع ذلك فهم على خوف، خوف من عدم تقبل هذه الأعمال، وخوف من عقاب الله، ومن عذاب الله. ورغبا هم يرغبون في ثواب الله، وفي فضل الله، وفي نعيم الله، لكن لا ينسون الخوف من الله جل وعلا، فلا يغترون بأعمالهم. وكما قال الحسن البصري رحمه الله: «المؤمن جمع إحسانا وخوفا، والمنافق جمع إساءة وأمنا». المنافق يسيء في العمل، وهو آمن، يأمن من عذاب الله سبحانه وتعالى، مع سوء أعماله. هذا شأن أهل النفاق. أما المؤمن فإنه يعمل، يحافظ على الواجبات، ويحافظ على النوافل والمستحبات، يترك المحرمات، ويجتنب المكروهات، ومع ذلك فهو على خوف أن لا يقبل منه. وإذا كان على هذا الحال فهو على خير. فإنه إذا خاف الله عز وجل في الدنيا، أمنه الله جل وعلا يوم القيامة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل يقول: لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، من خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، ومن أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة». فإذا خاف العبد من الله جل وعلا في الدنيا، فالخوف يجعله يسارع في فعل الطاعات وفعل القربات. وإذا حصل له هذا الخوف، أمنه الله عز وجل يوم القيامة من مخاوف وأهوال يوم القيامة. وأما إذا أمن في الدنيا فلم يخف، فإنه يسرف في فعل المعاصي والمحرمات، ويضيع الواجبات، فيخاف يوم القيامة من أهوالها وشدائدها وعظيم أمرها. قال رحمه الله: وحدثنا قطن بن نسير، أبو عباد البصري، روى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، والضبعي، قالا: حدثنا ثابت البناني، أو بناني، عن أنس بن مالك، قال: كان ثابت بن قيس بن شماس خطيبا للأنصار. فلما نزلت هذه الآية بنحو حديث حماد. وليس في حديثي ذكر سعد بن معاذ. قال: وحدثنيه أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، قال: حدثنا حبان، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. ولم يذكر سعد بن معاذ في الحديث. قال: وحدثنا هريم بن عبد الأعلى الأسدي، أبو حمزة البصري، لم يرو عنه إلا مسلم، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يذكر عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت هذه الآية، واقتص الحديث، ولم يذكر سعد بن معاذ. وزاد: «فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة». يعني يرونه وهو في الدنيا يمشي بينهم، وهو من أهل الجنة، قد وُشِرَ له بها وهو على ظهر هذه الأرض. وهذه فضيلة له، ومنزلة ورفعة له، رضي الله تعالى عنه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.