كتاب الإيمان 123

كتاب الإيمان 123

الدرس في كتاب الإيمان 123، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شأن أبي طالب في الآخرة ومصيره

يشرح المقطع مصير أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة، حيث كان يحمي النبي ويغضب له، لكنه مات على الكفر. النبي صلى الله عليه وسلم شفع له فخفف عنه العذاب.

موقف الكفار يوم القيامة ودرجات العذاب

المقطع يبين أن الدفاع عن أهل الحق لا ينفع يوم القيامة بدون الإيمان، ويشير إلى أن أهل النار لهم درجات متفاوتة من العذاب حسب كفرهم وعداوتهم للإسلام.

شفاعة النبي لعمه أبي طالب وتفاصيلها

يتناول المقطع شفاعة النبي لعمه أبي طالب وتخفيف عذابه يوم القيامة، مع توضيح شروط الشفاعة وأهمية التوحيد في نيل رضا الله. يُبين أن الشفاعة لأهل التوحيد وليس للكافرين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إماما مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: وحدثنا عبيده الله بن عمر القواريري، وعبيده الله بن عمر بن ميسرة القواريري، أبو سعيد البصري، قال فيه الحافظ: ثقة ثبت، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، قالوا: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ومحمد بن عبد الملك الأموي، قالوا: حدثنا أبو عوانة، واسمه يعقوب بن إسحاق، عن عبد الملك بن عمير، وهو ابن سويد اللخمي، قال فيه الحافظ: ثقة فصيح عالم، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وهو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي لأبيه وجده، له صحبة، وقال به ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته، قال: عن العباس بن عبد المطلب، وهو عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. في ضحضاح من نار، وقوله قبل ذلك: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، يحوطك يعني يحميك، ويغضب لك يعني إذا أراد أحد أن يصيبك بسوء أو بشر، فإنه يغضب من أجلك ويقوم بالدفاع عنك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، هو في ضحضاح من نار، الضحضاح هو ما رق من الماء على وجه الأرض نحو الكعبين، يعني الماء الذي يكون في الأرض يصل إلى الكعبين. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام هنا أن أبا طالب في ضحضاح من نار، يعني في نار يبلغ إلى كعبيه، قالوا: لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، لولا شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام له لكان في الدرك الأسفل من النار، الدرك الأسفل يعني في قعر النار وقعر جهنم. فهذا الحديث فيه أن أبا طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام في النار، وذلك أنه مات على الكفر، والنبي صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة جاء إليه وقال: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وعنده أبو جهل ورجل آخر من المشركين يقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يكرر عليه: قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وهما يقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ حتى كان آخر كلامه أنه على ملة عبد المطلب ومات على ذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والله لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك، فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وأنزل قوله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، فتبين بذلك أن أبا طالب مات على الكفر وأنه في نار جهنم، هذا ما دلت عليه الأدلة، ومن قال بخلاف ذلك فقد أخطأ. فبعض المتصوفة يجعلون أن أبا طالب في الجنة، وذلك بما يعني عنده من جهل ومن عاطفة في غير محلها، يعني يجعلون أنه إذا قيل أن أبا طالب في النار، أنك بهذا تخدع في النبي عليه الصلاة والسلام في قرابته، كيف يكون عمه وكان ينصره ويحوطه وكذا ويدفع عنه، هو في النهاية يكون في النار؟ هكذا بعاطفتهم وجهلهم، فيقولون إنه في الجنة، ربما رأوا بعض الروايات الضعيفة والموضوعة في أن أبا طالب يعني أحياه الله فنطق بالشهادة أو شيء من ذلك. وهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أن أبا طالب في النار وأنه مات على الكفر، وفي ذلك أيضا أن كون الإنسان يدافع عن أهل الحق ويحميهم ويحوطهم من وصول أهل السوء إليهم أو شيء من ذلك، أن هذا لا ينفعه يوم القيامة إن لم يؤمن ويكون من أهل الإيمان. فأبو طالب كان يحوط النبي عليه الصلاة والسلام ويدفع عنه شر المشركين وأذيتهم حتى مات، وما نفعه ذلك في النجاة من النار، بل هو حكمه حكم الكافرين، أنه في نار جهنم مخلدا فيها. وكذلك أيضا فيما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، فكم أيد الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بعمه أبي طالب، مما له من قرابة ونسب، وما له من رفع وشرف عند أهل قريش، فكان ذلك سببا في حمايته وعدم وصولهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن أبا طالب كافر. وفيه كذلك أيضا أن أهل النار درجات متفاوتة، وأن النار نفسها كذلك أيضا منازل ودركات مختلفة، منها الدرك الأسفل وهو قعر جهنم، وهكذا أيضا السقر والحطمة وغيرها من الدركات التي أخبر الله سبحانه وتعالى عنها، فهم يختلفون في العذاب على حسب كفرهم وشدتهم في ذلك، وكذلك أيضا شدة عداوتهم لأهل الإسلام والإيمان. ولذلك كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار، لماذا؟ لشدة أذيتهم لأهل الإسلام، لأنهم يعيشون معهم وفي أوساطهم وينتسبون إليهم، فشرهم على أهل الإسلام عظيم، وخبثهم ومكرهم على المسلمين شديد، فلذلك كانت العقوبة عليهم أشد. وأبو طالب لما حصل منه ما حصل من إعانته للنبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يؤمن، هذا نفعه في شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام له في تخفيف العذاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل، أي لولا أنا وشفاعتي له لكان في الدرك الأسفل من النار، إذا بسبب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له خفف عنه في عذاب النار، فكان في ضحضاح من نار. قال رحمه الله: حدثنا ابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وكان ملازما لابن عيينة، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن الحارث، قال: سمعت العباس يقول: قلت يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح. قال: وحدثنيه محمد بن حاتم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني عبد الملك بن عمير، قال: حدثني عبد الله بن الحارث، قال: أخبرني العباس بن عبد المطلب. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، بهذا الإسناد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحو حديث أبي عوانة. قال: وحدثنا قطيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، ومن سعد، قطيبة بن سعيد بن جميل بن طريف، أبو رجاء البغدادي، قال: حدثنا الليث، ومن سعد، عن ابن الهاد، وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث، من هم أولا؟ السبعة المكثرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه بن عمر، وأنس، والحبر، والخدري، وجابر، وزوجة النبي، قال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه». فهذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يشفع، سيشفع لعمه أبي طالب، وهذه من أنواع الشفاعة الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، أن يشفع لعمه بتخفيف العذاب، وإلا فالشفاعة في الأصل أنها تكون لأهل الإيمان وللتوحيد، وأما الكافر فلا شفاعة له، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. ومن شروط الشفاعة كما نعلم: رضا الله جل وعلا عن الشافع والمشفوع له، وإذن الله جل وعلا بالشفاعة، والله جل وعلا لا يرضى الكفر، وإنما يرضى التوحيد، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. وفي حديث أبي هريرة، لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه»، إذا الشفاعة المثبتة هي لأهل التوحيد، وإذا اختل أحد هذه الشروط الثلاثة اختلت الشفاعة، وكانت من القسم المنفي، إذا اختل أحد شروط الشفاعة، وهو الإذن من الله، والرضا منه جل وعلا عن الشافع وعن المشفوع له، فتكون من الشفاعة المنفية، ومنها كما سمعنا الشفاعة للكافرين. فخص النبي عليه الصلاة والسلام بشفاعته لعمه أبي طالب، ليس في إخراجه من النار، وإنما في تخفيف العذاب، فبدل من أن يكون في الدرك الأسفل، وأن تغمره النار من جميع جوانبه، قال: هو في ضحضاح من نار، فخفف عنه من العذاب، فجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه، قال: يغلي منه دماغه، يعني ليس الأمر بالأمر السهل، والهيئ كونه في ضحضاح من نار، وهذه النار يعني تصل إلى الرأس، إلى دماغه، ويتألم منها الجسد كله. نسأل الله عز وجل أن يعافينا وإياكم ويعيذنا من النار، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.