الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 28، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ ابن ناصر السعدي سبب ذكر قصة لوط بعد إبراهيم لكونه تلميذه وابناً له زمنياً، ويبين أن قوم لوط جمعوا بين الشرك وفاحشة اللواط. وتؤكد الملائكة أن العذاب واقع لا مرد له رغم جدال إبراهيم في إهلاكهم.
يناقش المقطع تفسيرين لقول لوط عليه السلام "هؤلاء بناتي"، ويرجح القول بأنها بناته من صلبه على وجه التعجيز والمناظرة. ويوضح اشتداد الكرب على لوط حين أصر قومه على فاحشتهم وعجزه عن دفعهم وحده.
يصف المقطع مجيء الملائكة في صورة ضيوف إلى لوط ومحاولة قومه الاعتداء عليهم، فطمس الله أعينهم كعذاب معجل. ثم أمر الملائكة لوطاً بالسير بأهله ليلاً فأنجاهم الله وأمطر على القوم حجارة من سجيل وقلب ديارهم.
أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل مرتكب هذه الفاحشة، واختلفوا في كيفية التنفيذ بين الرمي من مكان عالٍ والضرب بالسيف والرجم والحرق. وسيتم استعراض الفوائد المستفادة من هذه القصة في دروس قادمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ العلامة ابن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "قصص الأنبياء"، قصة لوط عليه السلام: قال: قصة لوط عليه السلام تبع لقصة إبراهيم، لأنه تلميذه وقد تعلم من إبراهيم، وكان له بمنزلة الابن، ولذلك ذكر المؤلف رحمه الله قصته بعد قصة إبراهيم عليه السلام. فذكر هذه القصة بعد قصة إبراهيم لأمرين اثنين: الأمر الأول للترتيب الزمني، لأن لوطاً في عهد وعصر نبي الله إبراهيم عليه السلام. وثانياً لأن لوطاً قريب من إبراهيم عليه السلام، بل كما ذكر المؤلف كان لوط بمنزلة الابن لإبراهيم عليه السلام. قال: فنبأه الله بحياة الخليل، وأرسله إلى قرى سدوم من غور فلسطين، يعني من بلاد فلسطين، في قرية يقال لها سدوم. قال: وكانوا مع شركهم بالله يلوطون بالذكور، ولم يسبقهم أحد، ولم يسبقهم أحد إلى هذه الفاحشة الشنعاء. وهذا فيه رد على التكفيريين الذين يستدلون بقصة نبي الله لوط على أن المعاصي سبب للكفر، فقالوا: قوم لوط ما اشتهروا إلا بهذه الفاحشة، ومع هذا نزلت بهم العقوبة. فيقال لهم: أعظم ذنب وقع فيه هؤلاء الشرك، ثم اشتهروا بهذا. نعم، لكن كان الشرك منتشراً بينهم، وكانوا يعبدون غير الله، مثل ما اشتهر مثلاً قوم مدين بماذا؟ بالتطفيف في الكيل والميزان، ومع هذا فقد وقعوا أيضاً في الشرك. فجميع الأنبياء والرسل، كل أقوامهم وقعوا في الشرك، ولذلك ما أرسل الله عز وجل من نبي ولا رسول إلا وهو يدعو إلى التوحيد. ثم مع الشرك تكون هناك بعض المعاصي الأخرى، وهذا فيه أن الشرك يتبعه أو تتبعه كل معصية وكل ذنب. فإذا وقع أهل الشرك في الشرك، فلا يستبعد منهم أن يقعوا في غيره ممن هو دونه من المعاصي والكبائر والعظائم، الكبائر والعظائم. ولا يخفى عليكم الأدلة على أن جميع الأنبياء والرسل دعوا إلى التوحيد. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. فمعلوم عقيدة أهل السنة والجماعة أن من عنده التوحيد ووقع في بعض الذنوب، فينظر في حاله: إن كان مستحلاً لها فهذا يكفر، لأنه استحل شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، استحل شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة. أما إذا فعله وعنده أصل التوحيد، وفعله ليس على وجه الجحود والاستحلال، وإنما على وجه الشهوة وضعف الإيمان ونحو ذلك، فهذا لا يكفر. هذا أمر معلوم. قال: فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وحذرهم من هذه الفاحشة، فلم يزدادوا إلا عتواً وتمادياً فيما هم فيه، فما استجابوا له. قال: ولما أراد الله هلاكهم، أرسل الملائكة لذلك، فمروا بطريقهم على إبراهيم كما مر معنا، وأخبروه بذلك، يعني أخبروه أنهم قاصدون لوطاً كي يهلكوا قومه، كي يهلكوا قومه. فجعل إبراهيم يجادل في إهلاكهم، وكان رحيماً حليماً، أي من رحمته وحلمه كان يرجو أن يعيد النظر في هذا الأمر. فقال: إن فيها لوطاً، كيف تهلكون القرية بأكملها وفيها لوط وهو مؤمن وهو رسول؟ فقالت الملائكة له: نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله، أي ممن آمن معه، إلا امرأته، فإنها كانت مع قومها على الكفر والشرك والإعانة على هذه الفاحشة. فقيل: يا إبراهيم أعرض عن هذا، يعني لا تجادل عن هؤلاء القوم، فقد حق عليهم القول من الله، فلا تجادل عنهم. يا إبراهيم أعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك. هؤلاء الملائكة إنما هم مرسلون من الله سبحانه وتعالى، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، لا يرد، ولا أحد يستطيع أن يمنعه، لأن الله عز وجل قد أمر به، فلا رد لأمره، لا رد لأمره سبحانه وتعالى. قال: ولما ذهب الملائكة إلى لوط بصورة أضياف آدميين شباب، وذكر بعض المفسرين كذلك أنهم شباب مردان، وكذلك عندهم من الحسن والجمال، وهذا غاية في فتنة هؤلاء القوم. قال: ولما ذهب الملائكة إلى لوط بصورة أضياف آدميين شباب، ساء لوطاً ذلك، وضاق بهم ذرعاً، وقال: هذا يوم عصيب. لعلمه بما عليه قومه من هذه الجُرْم الشنيعة، فعلم أن قومه ما سيتركون هؤلاء، وأنهم سيأتون يطلبون منهم عمل هذه الجريمة الشنعاء، فلذلك ضاق بهم ذرعاً، وقال: هذا يوم عصيب، كيف أستطيع أمنع القوم من أن ينالوا هؤلاء إذا علموا؟ قال: ووقع ما خاف منه، فجاء، جاءه قومه يهرعون إليه، يريدون فعل الفاحشة بأضياف لوط، والعياذ بالله. وذكر بعض المفسرين أن بعض هؤلاء القوم رأوا الملائكة هؤلاء الشباب وهم داخلون عند لوط، ومنهم من قال أن امرأة لوط هي التي أخبرتهم بذلك، وهذه كلها ليس عليها دليل، ولكن ظاهر القرآن يبين أن القوم علموا بخبر هؤلاء الأضياف، علموا بخبر هؤلاء الأضياف. قال: فقال: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم. لعلمه أنه لا حق لهم فيهن. فالمؤلف هنا حمل قول لوط "هؤلاء بناتي" على ظاهره، وأن قول لوط "هؤلاء بناتي" أي بناته من صلبه، بناته من صلبه، بناته من صلبه. وإنما قال ذلك لوط من باب المخاصمة لهم والمجادلة، ليس من باب أنه يعرض بناته لهم، وإنما لعلمهم أنهم لا رغبة لهم في الإناث، وإنما يريدون الذكور لانتكاس فطرتهم، لانتكاس فطرتهم. فهذا قول لأهل العلم: أن قول لوط "هؤلاء بناتي" أي من صلبه. وقول آخر ضعفه المؤلف كما سيأتي: أن من أهل العلم من قال أن قول لوط "هؤلاء بناتي" أي نساء قومه، نساء وبنات قومه، فهو لهن كالأب، فهو لهن كالأب لكونه رسولاً مرسلاً إليهم، لكونه رسولاً مرسلاً إليهم. فهذه الآية جاء فيها هذان التفسيران، والمؤلف هنا جنح إلى القول الأول: أن "بناتي" على حقيقته، وإنما قال ذلك على وجه التعجيز لهم وإقناعهم بأن الله عز وجل خلق لهم من الإناث ما يقضون بهن شهوتهم، وأن إتيان الذكور انتكاس للفطرة، وعمل لا يتوافق مع الفطرة، أراد ذلك، فقال: هؤلاء بناتهن أطهر لكم. قال المؤلف: لعلمه أنه لا حق لهم فيهن، كما عرض سليمان للمرأتين حين اختصمتا في الولد، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. ومن المعلوم أنه لا يقع ذلك، وهذا مثله. يعني كما أن سليمان عليه السلام قال للمرأتين: هاتوا هذا الطفل أشقه، هل سيفعل هذا سليمان؟ ما سيفعل هذا، وإنما قال ذلك من أجل أن يصل إلى الحق، ويعلم أن الأم لهذا الطفل لا ترضى بهذا الحكم، بخلاف المدعية التي لا حق لها في هذا الطفل، فإنها ما ستحترق وما ستشعر بالألم وكذلك الندم، فهي ستوافق أن تأخذها تلك المرأة التي في الحقيقة ليست بأم له. وهكذا قول لوط، وهكذا قول لوط "هؤلاء بناتي"، لعلمه أنهم أصلاً لا حاجة لهم في الإناث، لا حاجة لهم في الإناث، كما صرحوا بذلك فيما سيأتي. فقال لهم ذلك من باب الإقناع والمناظرة لهم، وتبيين أن الله عز وجل جعل لهم من الحلال ما يقضون به شهوة فروجهم، وهن النساء، وهن النساء. هذا هو ما جنح إليه المؤلف. قال: ولهذا قال قومه: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد. يعني ما لنا رغبة في الإناث، تعلم هذا، وإنك تعلم ما نريد، وهو عمل هذه الفاحشة، لأنهم ابتلوا بها، والله المستعان. قال: وأيضاً يريدون بعض العذر من أضيافه، يعني أن يعلموا أضيافهم أنهم لا يرغبون النساء، فقالوا ذلك حتى يعذروا الأضياف إذا فعلوا بهم فعلتهم. قالوا: على هذا التأويل، أي "بنات" بنات لوط، لا حاجة إلى العدول لقول بعض المفسرين: "هؤلاء بنات" يعني زوجاتهم، يعني زوجات قومه، يعني لأن النبي أب، أب لأمته. فإن هذا يمنعه أمران، يعني ماذا لم نقل بهذا القول الذي قال به بعض المفسرين؟ قال: لأمرين اثنين، ما هما؟ قال: أحدهما: قوله "هؤلاء بناتي" يشير إليهن إشارة الحاضر، يعني "هؤلاء" إشارة الحاضر، وفي ذلك ينصرف أو تنصرف هذه الإشارة التي تدل على الحضور إلى زوجاتهم لا إلى بناته. ثانياً: هذا الإطلاق على زوجاتهم لا نظير له، هذا الإطلاق على زوجاتهم لا نظير له، يعني ما يقال "هؤلاء بناتي" ويقصد زوجاتكم، ويقصد زوجاتكم، هذا ليس له نظير في اللغة. هكذا يريد. وأيضاً النبي إنما هو بمنزلة الأب للمؤمنين به، لا للكفار، وهو الآن يخاطب من يخاطب الكفار. والمحذور الذي توهموه يزول بما ذكرنا، وأنه يعلم أنه لا حق لهم فيهن، وإنما يريد مدافعتهم بكل طريق، يريد أن يدفعهم حتى يقتنعوا أو حتى يكفوا عن هذا الفعل. هذا ما جنح إليه المؤلف، وهذا القول ليس ببعيد، لأنه خرج مخرج الإقناع والمناظرة، الإقناع والمناظرة. قال: فاشتد الأمر بلوط، لما أبوا وألحوا وأصروا على أن ينالوا من هؤلاء الأضياف بفعل هذه الفاحشة، فاشتد الأمر بلوط، وقال: لو أن لي بكم قوة، أي لو أنني قوي أستطيع أن أمنعكم، أو آوي إلى ركن شديد، أي لو أن معي من أستعين به، ومن كذلك أذهب إليه كي يعينني على دفعكم، وعلى كف شركم. نعم، فهو لم يستطع لضعفه، ولم يجد من يعينه على ذلك لعدم وجود المناصر والمدافع. قال: أي لدافعتكم، لو كان بي قوة أو معي من يقف بجانبي لدافعتكم. فلما رآهم جازمين على مرادهم الخبيث، وهو لا يدري أنهم ملائكة، وهو لا يدري أنهم أرسلوا من الله لإهلاك هؤلاء، في باله أنهم أضياف جاءوا من مكان غريب أو من مكان آخر، غرباء عابرو سبيل، فنزلوا عنده، فأصابه من الهم والغم ما أخبر الله عز وجل به في هذه الآيات، وأن هذا اليوم يوم عصيب. قال: فلما رآهم جازمين على مرادهم الخبيث، قال: يا قوم اتقوا الله، ولا تخزون في ضيف، هؤلاء ضيافي، لا تخزون فيهم بالتعدي عليهم، أليس منكم رجل رشيد؟ أي رجل مسدد في أقواله وأفعاله، ويعرف حق الضيف، ويعرف كذلك حق الغريب، أليس فيكم رجل رشيد؟ قال: فاستلجوا في طغيانهم وسكرهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّهُمْ فِي سُكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾. أي أن هذا الأمر جعلهم سكارى لما هم فيه من شهوة هذا المنكر العظيم. وقوله "استلجوا" أي ألحوا، استلجوا أي ألحوا، من الإلحاح، يعني ألحوا في طغيانهم وسكرهم. قال: فحينئذ أخبرتهم ملائكة الرحمن بأمرهم، جاء الفرج، جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى، فأخبرتهم الملائكة الذين أتوا على صورة هؤلاء الشباب، المتقدم وصفهم، أخبرتهم بأمرهم، وأنهم أرسلوا لإهلاكهم، إنما أرسلوا وجاءوا من أجل أن يهلكوا هؤلاء القوم المجرمين الفاسدين. قال: فصدم جبريل أو غيره من الملائكة الذين يعالجون الباب ليدخلوا على لوط، فطمس بهم بهذه الصدمة أعينهم. أي أنهم يدافعون الباب يريدون أن يدخلوا عليهم، ولوط أغلق بابه، وهم يريدون اقتحام هذا الباب وكسر هذا الباب، فقام أحد هؤلاء الملائكة وصدم الباب، أي ضرب الباب ليدخلوا على لوط، ف... فصدمهم، أي يعني ضرب، ضرب، ضرب، هذه الضرب طمست أعينهم، صاروا لا يبصرون، أخذت أبصارهم. وهذا هو ظاهر القرآن: ﴿ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ﴾ كما جاء في سورة... سورة القمر، صح: ﴿ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾. نعم، فكان هذا عذاباً معجلاً، هذا أول العذاب، أن هؤلاء الذين جاءوا إلى بيت لوط وأرادوا ما أرادوا، بهذه الصدمة وبهذه الضربة من أحد الملائكة، طمست أعينهم، فهذا كان أول العذاب المعجل. قال: وأنموذجاً لمن باشر مراودة لوط على أضيافه، كما مر معنا في قصة صالح، أن الذين تقاسموا، أي حلفوا على قتل صالح، أول من وقع بهم العذاب، فأهلك أولاً هؤلاء الرهط الذين نووا هذا الأمر، فقتلوا وهلكوا، ثم بعد ذلك نزل العذاب والهلاك على بقية القوم. وهكذا في هذه القصة، أول ما نزل العذاب على هؤلاء الذين جاءوا إلى بيت لوط عليه السلام. قال: وأنموذجاً لمن باشروا مراودة لوط على أضيافه. وأمروه، أي الملائكة، أن يسري بأول الليل بأهله، يعني يخرج من القرية ويأخذ بناته ومن آمن معه، ولا يجلس في هذه القرية. قال: ويلح في السير، أي يسرع في السير ولا يتأخر، حتى يخلف ديارهم، يخلف يعني تكون ديارهم خلفه، يعني يبعد عن ديار قومه حتى يخلف ديارهم، وينجو من معرة العذاب، أي من شدة هذا العذاب. قال: فخرج بهم، فما أصبح الصباح حتى، حتى خلفوا ديارهم، وقلب الله عليهم ديارهم، أو حتى خلفوا ديارهم وقلب الله عليهم ديارهم، فجعل أعلاها أسفلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود. أي أن هؤلاء عوقبوا بأشد عقوبة، هؤلاء قوم لوط عذبوا وأهلكوا بأشد عقوبة، فعقوبتهم الرجم بالحجارة والمتتابعة، بل والمسومة، أي المعلومة. وكذلك قلب هذه القرية عليهم، فجعل أسفل القرية أعلاها. تصور هذا المنظر: هذه القرية فيها هنا البيوت، فصارت البيوت فوق، هكذا قلبت عليهم هذه القرية، فجعل الله عز وجل عاليها سافلة، السماء جعلت في الأرض، والأرض جعلت في السماء، قلبت عليهم هذه الأرض مع نزول الحجارة. ولذلك قال: وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود. السجيل: أي من طين، حجارة من طين، لكن هذا الطين صلب، هذا الطين صلب، وكذلك كبير، كما جاء في تفسير هذه اللفظة. وأما قوله "منضود": أي في السماء، أي أن هذه الحجارة معدة، وكذلك يتبع بعضها بعضاً، متتالية، ما تنزل عليهم يعني ببطء، بل بتتابع، بتتابع، مثل ما واحد يرمي، يرجم بحجر متتابعة، ما يرمي بواحدة ثم يقف بعد قليل الثانية، لا، بحجارة من سجيل، من طين، هذا الطين متحجر، قوي، وكبير، وكذلك متتابع. وأما قوله "مسومة": أي لها علامة، هذه الحجارة لها علامة. قال بعض المفسرين: وهذا ليس عليه دليل، لكن يذكرون أن في كل حجر اسم من رمي به هذا الحجر، وقيل المراد بالعلامة شيء كالخواتيم ونحو ذلك في هذه الحجارة، في هذه الحجارة. ولذلك استنبط بعض العلماء، كالإمام أحمد رحمه الله تعالى، من هذه الآيات، ومن عقوبة هؤلاء القوم، أن من فعل هذه الفاحشة من المسلمين، فإنه يقتل بكيفية قريبة من هذه الكيفية، فيرمى من شاهق مكان عال، ثم يتبع بالحجارة، أي يرجم بالحجارة، مثل ما فعل بقوم لوط. وسياتي معنا حكم هذه الفاحشة في الإسلام، وأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعوا على قتل من فعل هذه الفاحشة من المسلمين، أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فمنهم من قال: يرمى من مكان أو من جبل عال، ومنهم من قال: يضرب بالسيف، ومنهم من قال: يرجم. اختلفوا في الكيفية، بل منهم من قال: يحرق، وهذا قول يخالف بعض الأدلة التي تنهى عن التعذيب بالنار. المهم أن هذا الفعل لشناعته ولقبحه، جاء فيها هذا الهلاك وهذا العذاب، الذي هو غاية في النكال، وغاية في كذلك الهلاك، والعياذ بالله. وإن شاء الله في دروس قادمة نأخذ الفوائد من هذه القصة فيما ذكره المؤلف رحمه الله. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.