كتاب الطهارة 20

كتاب الطهارة 20

الدرس في كتاب الطهارة 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

جواز الصلاة بوضوء واحد وتوضيح الدليل النبوي

يدل حديث النبي صلى الله عليه وسلم على جواز الصلاة بوضوء واحد لأكثر من صلاة، حيث صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد. هذا الفعل يدل على جواز الصلاة بوضوء واحد سواء كانت نافلة أو فرض.

حكم تجديد الوضوء لكل صلاة واستحباب ذلك

يستحب تجديد الوضوء لكل صلاة رغم جواز الصلاة بوضوء واحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل الأمرين لبيان الجواز وتعليم الناس. هذا يدل على مراعاة النبي للتعليم والبيان في أفعاله.

فضل الوضوء وتكفير الذنوب للمسلم

الوضوء له فضل كبير في تكفير الذنوب للمسلم، سواء كان على طهارة أو غيرها. يؤجر المسلم على الوضوء حتى لو كان على وضوء سابق، وهذا يشمل تكفير الخطايا وتجديد الطهارة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال ما مصر من الحجاج أبو الحسين نيسابور القشيري رحمه الله بصحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن مير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد. وحدثني محمد بن حاتم، واللفظ له، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه. فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه. قال: عمدا صنعته يا عمر. هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، يعني الصلوات كلها، الصلوات الخمس صلاها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، أي: عندما توضأ مسح على خفيه. فقال له عمر، أي: من الخطاب رضي الله عنه: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، يعني: من قبل. قال: عمدا صنعته يا عمر. هذا الحديث فيه جواز أن يصلي المرء أكثر من صلاة بوضوء واحد، جواز أن يصلي المسلم أكثر من صلاة بوضوء واحد، سواء كانت نافلة أو فرض. فالنبي صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد. وأما قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ الآية، فيها الأمر بالوضوء عند القيام من الصلاة. فهذا يحمل على أنه إذا كان محدثا، محدثا، أي: على حدث، فيجب عليه أن يتوضأ عند القيام للصلاة، فيكون التقدير: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على حدث. أو كذلك يحمل هذا الأمر، بمن كان متوضئا، على الاستحباب لفعل النبي عليه الصلاة والسلام حين صلى هذه الصلوات بوضوء واحد. وهكذا أيضا صح عنه عليه الصلاة والسلام كذلك: أنه صلى، أو جمع بين الصلاتين بوضوء واحد، كصلاته بعرفة، وجمع بين الظهر والعصر، جمع بينها بوضوء واحد. وهكذا في مزدلفة حين صلى المغرب والعشاء، صلى وجمع بينها بوضوء واحد. وهكذا أيضا صح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه صلى العصر، ثم صلى المغرب بوضوء العصر، ولم يعد الوضوء. إذن تحمل هذه الآية على من كان محدثا، فعليه أن يتوضأ إذا قام إلى الصلاة. أو كذلك تحمل على جهة الاستحباب؛ لأنه يستحب أن يتوضأ المرء عند كل صلاة، فتجديد الوضوء مستحب، تجديد الوضوء مستحب. وهذا كان هو الأغلب من فعل النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان يتوضأ لكل صلاة. ولهذا عمر رضي الله عنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، يعني: ما عهد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد. فكان الأغلب من شأنه عليه الصلاة والسلام: أنه يتوضأ لكل صلاة، وهذا هو الأفضل والأكمل: أن المسلم يتوضأ لكل صلاة؛ حتى ينال أجر الوضوء. ويجوز إذا كان متوضئا أن يصلي أكثر من صلاة بوضوء واحد. فعمر يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل شيئا وصنع شيئا لم يكن يفعله من قبل، فسأله عن ذلك، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام: أنه عمدا فعل ذلك، قال: عمدا صنعته يا عمر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز: أنه يجوز أن يجمع المسلم بين أكثر من صلاة بوضوء واحد، وأنه لا يجب عليه أن يتوضأ إذا دخل وقت الصلاة الأخرى وهو على وضوء. وكذلك أيضا فيه مشروعية المسح على الخفين، قال: ومسح على خفيه. وكذلك أيضا فيه: السؤال من المفضول للفاضل عما قد يخفى عليه، أو يراه يفعل شيئا لم يكن يعهده بفعله، فيسأله عنه حتى يبين له وجه هذا الفعل. فعمر رضي الله عنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى هذه الصلوات كلها بوضوء واحد، وهذا لم يكن يفعله من قبل، فسأله عن ذلك، فبين له النبي عليه الصلاة والسلام السبب في ذلك، وأنه متعمدا صنعه. وكذلك أيضا فيه: أن العالم ربما يفعل الشيء الجائز ويترك الأفضل والأكمل من باب التعليم، من باب التعليم؛ حتى يعلم الناس أن هذا الأمر جائز، ربما يخفى على بعضهم، فيفعله لبيان الجواز، وأنه لا بأس بفعله. وإن كان هذا في حق النبي عليه الصلاة والسلام قد يكون واجبا؛ لوجوب التبليغ عليه عليه الصلاة والسلام: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم يجب عليه التبليغ. وقد يفعل عليه الصلاة والسلام كثيرا من أفعال تكون واجبا عليه لأجل التبليغ، ثم بعد ذلك يكون حكم هذا الفعل إما أنه واجب، وإما أنه مستحب، على حسب ما يدل عليه الدليل. ففعل النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الفعل، وصلاته للصلوات كلها بوضوء واحد، قد يكون في حقه عليه الصلاة والسلام واجبا فعله؛ حتى يبين جواز هذا الفعل. ثم يبقى بعد ذلك حكم هذا الفعل: أنه جائز ومشروع أن يصلي الإنسان أكثر من صلاة بوضوء واحد. وعلمنا أن الأفضل والأكمل أن يتوضأ لكل صلاة؛ لعموم الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتوا إلى الصلاة فاغسلوا﴾ الآية. وهكذا أيضا الأدلة الواردة الكثيرة في فضل الوضوء، وما يكفر من الذنوب والخطايا. وهكذا أيضا فعل النبي عليه الصلاة والسلام: أن الغالب من فعله عليه الصلاة والسلام: أنه كان يتوضأ لكل صلاة، أنه كان يتوضأ لكل صلاة. إذن هذا هو الأفضل، هذا هو الأفضل. لكن من حيث الجواز: يجوز أن يصلي أكثر من صلاة بوضوء واحد. من توضأ على طهر، الله أعلم. من توضأ على طهر فله عشر حسنات، الله أعلم. لكن صح عن أبي هريرة: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل قدميه، خرج من قدميه كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء؛ حتى يخرج نقيا من الذنوب. هذا في كل وضوء، هذا الأجر في كل وضوء، ولو كان على وضوء فتوضأ فإنه ينال هذا الأجر. نعم، أيضا صح عن عثمان في قوله عليه الصلاة والسلام: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، أو قبل ذلك»، قال: «سقطت عنه ذنوبه، حتى تخرج من تحت أظفاره»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. هذه الأحاديث فيها فضيلة الوضوء، وما يحصل له للمسلم والمتوضئ من تكفير الذنوب والخطايا، وإن كان على وضوء؛ لأنها عامة لم تقيد بمن كان محدثا، بل ولو كان على طهارة وتوضأ وعاد الوضوء، فإنه يؤجر عليها هذا الأجر. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.