الدرس في شرح كتاب التوحيد 66، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش صحة حديث طارق بن شهاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبين آراء العلماء في ذلك. يشير إلى أن الحديث جاء من طريق الأعمش وهو مدلس.
يشرح قصة قربان الذبابة كدليل على أن الكفار يريدون إجلال المسلمين وتعظيمهم لدينهم. يبين أن تقليد المسلمين للكفار في الظاهر لا يكفيهم.
يشرح خطورة الشرك وكيف يمكن أن يقع الإنسان فيه بسهولة. يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دخل الجنة رجل في زباب، ودخل النار رجل في زباب». قال: «وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب. قالوا له: قرب ولو زبابًا، فقرب زبابًا، فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب إلا لله. قال: ما كنت لأقرب شيئًا دون الله، فضربوا عنقه، فدخل الجنة». رواه أحمد. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في بيان مسألة الذبح لغير الله. وأورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى هذه القصة المروية في كتب السنة. وقبل الإشارة، إخواني في الله، إلى الفوائد والمسائل المتعلقة بهذه القصة، ننظر قليلًا في إسنادها، إذ أن هذا الحديث من طريقي طارق بن الشهاب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذه المسألة، وهي رواية طارق بن الشهاب عن رسول الله، محمولة على ماذا؟ محمولة على ماذا؟ للأعلماء في ذلكم عدة أقوال. فمن أهل العلم من يرى أن طارق بن الشهاب ممن لقي وسمع من رسول الله، فحديثه صحيح متصل. ومنهم من يرى أن طارق بن الشهاب إنما أدرك ولقي رسول الله، فحديثه يعد من مراسيل الصحابة، فهو مقبول. ومنهم من يرى أنه لم يدرك رسول الله، فلم يلتقي به فضلًا أن يسمع عنه، فهو مرسل، والمرسل من قسم من قسم الضعيف. فهذه أقوال العلماء رحمهم الله تعالى في رواية طارق بن الشهاب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. منهم من يثبتها، ومنهم من يعلها. أضف إلى ذلك أن هذا الحديث الذي فيه هذه القصة جاء من طريق الأعمش، وقد عنعن، وهو مدلس، وتدليس المعنعن وتدليس المعنعن مؤثر. وكذلكم هناك وهم، كما حقق ذلك العلماء، إذ أن هذا الحديث قد جاء عند أحمد من طريق طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي من قوله، أي أن هذه القصة ليست منقولًا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هي في الحقيقة عن طارق بن شهاب عن سلمان، ليس طارق بن شهاب عن رسول الله. يقول العلماء: كأن هناك وهم، هناك وهم من بعض الرواة حول الحديث، بدل عن سلمان جعله عن رسول الله. وإلا فالجادة فيه أنه من طريق طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، أنه قال: فهو من قوله. وهذا الإسناد صحيح، القصة مروية من قول سلمان الفارسي، هي صحيحة. ولهذا نذهب، إخواني في الله، على هذا القول، على أن هذه القصة من حكاية سلمان الفارسي، يحكي عن من كان قبله، يحكي عن من كان قبله. ومن أهل العلم، كما سمعت، من يرى أن هذا من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. الشاهد أن هذا الحديث فيه قصة حول قرية، وهؤلاء أهل القرية قوم كفار، عندهم صنم يعظمونه، وبلغ من تعظيمهم أن ما من مار يمر على قريتهم إلا ويظهر تعظيمه لصانمهم. ومن صور التعظيم للأصنام قضية الزبح. فمر رجلان، فمر رجلان، فإذا بي القرية على عادتهم، أمروا وطلبوا من هؤلاء أن يقربوا قربانًا. فقالوا: ما عندنا ما نقرب. فقالوا: قربوا ولو ذبابة، ذبابة حشرة، أي شيء. فقام أحدهما فقرب، والثاني لم يقرب. فأخبر عليه، فأخبر الحديث. إن كان من قول سلمان، فهذا من إخباره. وإن كان من قول رسول الله، فهذا من حكم الشرع، أن الشرع أخبر على أن الأول الذي قرب ذبابة أدخله الله النار، وأن الثاني الذي ما قرب شيئًا أدخله الله الجنة. هذا خلاصة هذه القصة. ومما يستفاد، إخواني في الله، في هذه القصة أولًا أن نعلم أن الرجلين الذين مرَّا هما من أهل الإسلام، هما من أهل الإسلام، ليسوا من الكفار. ولهذا لما قرب أحدهما حينها دخل النار، لما قرب دخل النار، دل على أنه قبل القربان كان من أهل الإسلام، كان مسلمًا، كان موحدًا. هذا يفهم من سياق الحديث ومن سياق القصة. كذلك فيه فائدة أخرى على أن عمل القلب هو المقصود الأعظم عند عبدة الأوثان، الأوثان الكفار، وعلى كافة صورهم. إذا أرادوا منك، يا عبد الله، يا من تخالفهم، هم ما يريدون منك فقط العمل الظاهر. فإن هذا لا يكفي ولا يشفي. هم في الحقيقة يريدون ما في قلبك، يريدون مقام الإعظام والإجلال. ولهذا عندما طلب هذا الرجل ما الذي يقرب؟ قالوا: يقرب ولو ذبابة. العبرة ما في قلبك، العبرة أنك تكن في قلبك وصدرك التعظيم لمقام هذه الأصنام التي نحن نعبدها. دع عنك الظاهر، قرب ذبابة، قرب حبل، قرب معز، قرب ثور، قرب الذي تقرب. لكن استشعر بعظمة هذا الصنم. فعباد الأوثان إنما يريدون ما في القلوب من الإجلال والإعظام. هنا مربط الفرس. ولهذا، يا عبد الله، لا ينقضي عجبك عندما نجد أن فئات من أمتنا من أمة الإسلام لربما تعلق بالكفار تعلقًا عظيمًا، حتى أنهم شابهوهم، يكاد في كل شيء، في مأكلهم، في مشربهم، في قصات شعورهم، في كلماتهم، في عاداتهم، في تقاليدهم، سواء كان هذا التقليد والتشبه على مستوى الأفراد أو حتى على مستوى الدول. للأسف نسمع عن بعض الدول الإسلامية، ويحاول أن يمتطي نظام أهل الكفر من بلاد الكافرة، فيحاولون أن يكون على مثلهم، يحتفلون بما يحتفلون القوم، يحاول أن يتنازلوا عن دينهم، جعلوا مجتمعاتهم نسخة، جعلوا مجتمعاتهم نسخة من المجتمعات الكافرة. ما يقع هنالك يقع عندهم، من الزنا والخمور والدعارة إلى غير ذلك. مع هذا كله، مع ما يقوم به هؤلاء ممن ينتمي لديننا، فردًا كان أو مجتمعًا، تجد أن الكفار إلى الآن ما استساغوهم، ما استساغوهم. لماذا؟ ما استساغوهم؟ لأن الكفار ما يريدون العمل الظاهر، يريدون قلبك، يريدونك أن تكون مثلهم. كما قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. كما قال ربنا: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا﴾. هذه الحقيقة. فأنت مهما بطحت للكفار، تنازلت وتنازلت، والله ما سترتفع عندهم، ما سترتفع إلا إذا نطقت بأني قد كفرت، وأنا منكم وإليكم. حينها اسمع، يا عبد الله، المديح والثناء، وما يكون لك من الدعم، بل ويدافعون عنك، لأنك أصبحت حينها من بني جلدتهم. فالكفار إنما يريدون من أهل الإسلام ما يكون في الجنان، في القلوب، في الصدور، الإجلال والإعظام لدينهم. فأنت لا تظن أنك بما تفعله من تطبيع العلاقات على مستوى الأفراد والمجتمعات، أنك ستنال الرضا من قبل الكفار، لا والله، ما ستنال الرضا إلا إذا أعطيتهم ما في قلبك، العقيدة، أن تكون منهم وإليهم. ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا﴾. وهذه القصة فيها عبرة. فالكفار ما أرادوا شيء ظاهر، أرادوا الذي في القلب، قرب أي شيء، لكن أظهر، أظهر الموافقة على ديننا. فقام هذا الرجل وقرب. هذا الذي سمعتم. وفي الحديث وفي القصة كذلك بيان على أن الشرك قد يقع بالأمر اليسير. لا تظن، إخواني في الله، أن التحول من ملة الإسلام إلى ملة الكفر أمر عسير أو أمر صعب، لا، يا عبد الله، أدنى من ذلك بكثير. لربما فلتت لسان، كلمة تخرجها من فمك، أو اعتقاد من غير عمل، لا أن تفعل بجوارحك، ولا أن تنطق بلسانك، وإنما تعتقد بقلبك، تعتقد أنك جاحد لأركان الإسلام العظام، أو أنك منكر لأركان الإيمان، منكر لله، منكر للملائكة، منكر للرسل والرسالات. إنكارك، ولو لم تعمل قط بيدك، أو تنطق بلسانك، إنما تنطق بقلبك وتعتقد بقلبك، هذا كفر، كفرت بالله. أو أنك تنطق بلسانك، كحال من يستهزئ، كما وقع في حق المستهزئين: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. بكلمات خرج هذا الإنسان من الإسلام وانتقل إلى الكفر والردة بكلمات. فلا تظن، يا عبد الله، أن البون الشاسع بيننا وبين الكفر لا بل هو دون ذلك. فتأمل، يا عبد الله، في ما تتلفظ به، وما تعتقد به، وما تقوم به، حتى تكون على بينة من أمرك. وفي هذا الحديث كذلك فيه بيان لمعرفة قدر التوحيد، وقل كذلك خطورة الشرك عند أهل التوحيد. فهذا الرجل، عندما طولب الثاني عندما طولب أن يقرب ذبابة، وماذا عسى الذباب أن تكلف عليه؟ ما تكلف عليه شيئًا. لكن لما أرادوه أن يقربها لغير الله، أبى، أبى ورفض. وهكذا هو الموحد، الموحد الذي يستمسك بتوحيد الله، ولا يتنازل قيد أنملة عن دين الله، وخاصة في قضايا العقيدة والتوحيد، وأن يظهر منه على يديه يظهر شيء من الكفر بالله سبحانه وتعالى، فهذا أبى أن يكفر، ولو أن يقرب ذبابة. مع أن ذلك لن يكلفه شيئًا، لكن سيكلفه ما هو أعظم من الذباب، ألوه دينه، سيكون كافرًا مرتدًا. فأبى. وهكذا المسلم إذا تربى على التوحيد، إخواني في الله، فإن ذلك يعظم عنده، ولا يكون معرفة التوحيد إلا من أقبل على الإسلام علمًا وعملًا، من أقبل على التوحيد علمًا وعملًا. فهذا الذي يكون التوحيد ضاربا بجذوره في قلبه لن يتزعزع. أما من لم يعمل ولن يتعلم التوحيد، فإن التوحيد يكون هشًا، فسرعان ما يرتد. وها نحن في مثل هذه الأزمان، ما بين الفينة والأخرى، ما تكاد تمر علينا فترة من الفترات إلا وسمعنا أن أناس من أمتنا من قد ارتد. كما سمعنا قبل أيام من جماعة من أهل مصر من ارتد، من ذهب من مغض من أهل اليمن من ذهب إلى بلاد مصر، وهناك أعلن التنصر. يقع، والأسف هذا من أين؟ هذا ما يأتي إلا من رجل ما تربع على التوحيد. فالإنسان إذا نشأ على التوحيد علمًا وعملًا، فإن التوحيد عنده يكبر، والشرك عنده يعظم، فلا يقدم عليه، ولا يتجاسر عليه. فالشاهد أن هذه القصة، إخواني، فيها من العبر الشيء الكثير، هذا الذي أذكره في هذا المقام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.