الدرس في كتاب الإعتكاف 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يسرد المقطع سلسلة الرواة لحديث عائشة رضي الله عنها التي تنفي صيام النبي صلى الله عليه وسلم للعشر، مبيناً أسماء الرواة وأوصافهم من الثقة والضعف مع ذكر طريقين للرواية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
تذكر عائشة رضي الله عنها أنها لم ترَ النبي صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر الأول من ذي الحجة، بينما تحث الأحاديث على الإكثار من العمل الصالح فيها، ويجمع العلماء بين ذلك بأن النفي منصب على صيام العشر كلها ويجوز صيام بعضها.
يوضح المقطع أن صيام أيام العشر مستحب لعموم حديث ابن عباس، وأن عدم صيام النبي لها في بعض الروايات لا ينفي استحبابها، فيحمل النفي على عدم صيام جميعها ويجمع بين أحاديث أزواج النبي.
يؤكد المتحدث أن ما سبق لا ينفي استحباب صيام الأيام المذكورة، ويختتم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، الحافظ، له أخوان: القاسم وعثمان. القاسم ثقة، وعثمان ضعيف. وقال أبو كريب، وهو محمد بن العلاء، وإسحاق، وهو ابن راهويه الحنظلي. قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، الحافظ المحدث المقرئ، فهو إمام في الحديث وفي القراءة. كان يُلقب بالمصحف لقوة حفظه رحمه الله، كان إمام أهل الكوفة في زمانه في الحديث، عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، كان من أعلم الناس، من تلاميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكان فقيهاً، هو والشعبي مفتيَا أهل الكوفة في زمانهما. عن الأسود، وهو ابن يزيد بن قيس بن علق النخعي، الزاهد العابد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط». وحدثني أبو بكر بن نافع العبدي، وهو القيسي، أبو بكر، وهو صدوق، قال: حدثنا عبد الرحمن، وهو ابن مهدي، أبو سعيد البصري، الحافظ الثقة، إمام من أئمة الجرح والتعديل، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن سعيد بن مسروق الثوري، أيضاً الحافظ الثقة العابد، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم العشرة». في هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها أنها ما رأت النبي صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط، والمراد بالعشر: عشر ذي الحجة، التي حث النبي صلى الله عليه وسلم فيها على العمل الصالح والإكثار منه، في حديث ابن عباس عند البخاري: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». فقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله»، هذا العموم يشمل كل الأعمال الصالحة من صلاة وصيام وزكاة وقراءة للقرآن وتعليم للعلم، إلى آخر ذلك من أبواب البر والطاعة، ومن ذلك الصيام، فهو داخل بلا شك في عموم العمل الصالح. وعلى عموم هذا الحديث أنه لا بأس للمسلم أن يصوم العشر الأول من ذي الحجة، سواء كلها أو بعضها، لأن هذا من العمل الصالح. وفي هذا الحديث تنفي عائشة رضي الله عنها أنها رأت النبي عليه الصلاة والسلام صائماً في العشر قط. وبعض أهل العلم حمل هذا على أنها أرادت نفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صامها كلها، أي العشر، أو المراد بها التسع الأيام من ذي الحجة، من أول يوم من ذي الحجة إلى اليوم التاسع، وأما اليوم العاشر فهو يوم النحر لا يجوز صيامه، والمراد بالعشر لما يقال: عشر ذي الحجة، أي التسع الأيام التي قبل اليوم العاشر. فأرادت عائشة رضي الله عنها نفي أن يكون صامها كلها. وإن أرادت رضي الله عنها أنها لم ترَ النبي صلى الله عليه وسلم صائماً في يوم من أيام العشر، فهذا لا ينفي استحباب الصيام في هذه الأيام، لماذا؟ لعموم حديث ابن عباس، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم لعله شُغل عليه الصلاة والسلام بما هو أهم من أمر الصيام. فتعلمون أن الصيام عبادة لكنها قاصرة، يعني أجرها مقصور على صاحبها لا يتعدى إلى غيره، وربما عارض هذه العبادة ما كان نفعه متعدياً ومصلحته أعظم، فشغل به النبي عليه الصلاة والسلام عن الصيام في هذه الأيام، كتجهيز الجيوش ونحو ذلك. وما كان نفعه متعدياً فهو مقدم على ما كان نفعه قاصراً، فلعل شيئاً من ذلك حصل للنبي عليه الصلاة والسلام فشغل عن الصيام في أيام عشر ذي الحجة، فلا ينفي هذا استحباب صيامها بعموم حديث ابن عباس. وعلى أنه قد ورد أيضاً في بعض الأحاديث عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة، يعني يصوم أياماً منها. ولهذا بعضهم جمع بين الحديثين: حديث من أثبت من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم، أنه يصوم بعضاً منها، وحملوا حديث عائشة على نفي صيام التسع كلها. وعلى كل، فكما سمعتم، صيام العشر من ذي الحجة مستحب بعموم حديث ابن عباس، فهو داخل في عموم الأعمال الصالحة. وعائشة رضي الله عنها نفت على حسب علمها أنها ما رأت النبي صلى الله عليه وسلم صام، فلعله ما صام عندها وصام عند غيرها من نسائه. وهذا كما سمعتم لا ينفي استحباب صيام هذه الأيام. نعم، طيب الله هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.