الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الناس متفاوتون في الطباع كالمعادن، فمنهم الكريم الذي يقابل الإحسان بالوفاء ومنهم اللئيم الذي يجحد المعروف. ومع ذلك، يد المعروف لا تضيع عند الله أبداً مهما كان موضعها.
يجب أن يُقصد بالإحسان وجه الله وحده، فلا يضيع أجره حتى لو قوبل بالإساءة من الناس. لذا لا ينبغي انتظار المعاملة الحسنة من الأقربين لأن طباعهم متفاوتة والثابت هو الأجر عند الله.
على المسلم مراعاة تفاوت طبائع الناس في المعاملة، فإحسان البعض لا يضمن إحسان الجميع وقد يُقابل بالجحود. الصبر والاحتساب للأجر عند الله هو السبيل دون انتظار المقابل.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الناظر أبو حاتم البصري رحمه الله في منظومته "عنوان الحكم": قال: لا تحسب الناس طبعاً واحداً، فلهم غرائزٌ لست تحصيهن ألوان. قال الشارح، فقه الله: يعني لا تظن أن الناس على معدنٍ واحد، وعلى مستوى واحدٍ في الأخلاق. لا تظن في الناس أنهم بهذه الصفة، بل الناس معادن. وفي الحديث: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة». يعني تختلف، هل الذهب والفضة كله سواء؟ الجواب: لا، منهما هو جيد، منهما هو أفضل، منهما هو ممتاز، منهما هو صافٍ نقي، منهما هو مغشوش، إلى آخر ذلك. وهكذا الناس، الناس معادن وأصناف، ليسوا في طبائع مستوية أو متساوية، بل تختلف طبائعهم وتختلف أخلاقهم. قال: وهو في الصحيحين. فالناس - يعني هذا الحديث - ليسوا على طبعٍ واحد، ولا على معدنٍ واحد، ولا على خلقٍ واحد. فلا تحسب الناس طبعاً واحداً. لو أنك ظننت أن الناس طبعاً واحداً تتعب، إذ أنك تفاجأ في مخالطتك للناس بطباعٍ مختلفة. يعني شخص تعامله معاملة جيدة ما ينساها لك أبداً، يعني يعرف المعروف ولا ينكر المعروف، ويقابل المعروف بالإحسان. وثم آخر تعامله بنفس تلك المعاملة الجيدة، فتجده يحفر لك بالخفاء، وأنت قد أحسنت إليه. فأناس لا ينسون الجميل، وأناس لا ينفع فيهم الجميل، بل يعني هم طبعوا على اللؤم، وسوء الطبع، عندهم لؤم ومكر وخبث. «إن أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرد». فالكريم إذا أكرمته وأحسنت إليه ملكته، وعاملك بالمعاملة الحسنة الطيبة. وأما اللئيم، مهما أعطيته ومهما أكرمته، فإنه يتمرد، يتمرد، وكذلك يدور بك الدوائر. قال: لكن يد المعروف والإحسان لا تضيع أينما وضعت، وما وضع في الدنيا لا يضيع عند الله سبحانه وتعالى. يعني أنت إذا فعلت الإحسان المعروف، تفعل هذا تريد ما عند الله، فلو قابلك من أحسنت إليه بالإساءة، فما فعلته معهم من الإحسان لا يضيع، لا يضيع عنك، بل هو موجود لك عند الله سبحانه وتعالى. وأقول: لهذا ينبغي على المسلم أنه عندما يقدم صنائع المعروف، يقدمها رجاء ما عند الله. أما إذا قدم صنائع المعروف يرجو بها ممن أحسن إليهم شيئاً، فهذا يتعب جداً. فالأصل في صنائع المعروف أن تقدم قربة، يعني يتقرب بها المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى. هذا الذي يبقى لك، ما عندكم ينفد، وما عند الله باق. أمور الدنيا تذهب وتفنى، لكن يبقى الأجر والثواب. قال: يتقرب بها المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، ويد المعروف غنم حيث كانت، كما قال ذلك عبد الله بن المبارك: «يد المعروف غنم حيث كانت». يعني صاحبها غانم وليس بخاسر، ولو وضعها في غير أهلها وممن لا تستحقها. قال: يعني سواء كانت في شكور أو كفور، هي غنم. لكن متى تكون غنماً لك؟ إن صنعتها تقرباً لله وطلباً لثوابه سبحانه وتعالى ورضاه. ولهذا قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. قيل في معنى "خذ العفوة": أي من الناس ما سمحت به طباعهم، ولا تنتظر منهم جميعاً أن يعاملوك بالمعاملة الكريمة التي ترى أنت أنك تستحقها، وتستحق أن تعامل بها. لا تنتظر ذلك، حتى من أولادك وأقرب الناس إليك. يعني لا تنتظر أن يقابل هذا الإحسان بمثله، أنت تريد ما عند الله، تعاملهم معاملة حسنة تريد ثوابها وأجرها من الله سبحانه وتعالى. قال: وقرأ كلاما عظيماً جميلاً جداً في معنى هذه الآية في تفسير الإمام السعدي رحمه الله تعالى، وكذلك اقرأ له كلاما آخر حول معنى هذه الآية في كتابه "الرياض الناظرة". قال: "فلهم غرائز لست تحصيهن ألوان"، أي طباع الناس وغرائزهم ومعادنهم وأصناف أخلاقهم هذه لا تحصى، يعني يختلف الناس في ذلك، والناس في هذا الباب متفاوتون تفاوتاً كبيراً. هدانا الله أجمعين لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا هو. هذا معنى قوله: لا تحسب الناس طبعاً واحداً، فلهم غرائز لست تحصيهن ألوانه. ثم قال لتقرير ما سبق وتوضيحه بالمثال: قال: "ما كل ماء" - هذا قول ناظم - "ما كل ماء كصداء لوارده، نعم ولا كل نبت فهو سعدان". قال الشارح: "ما كل ماء كصداء لوارده"، وصداء هي عين عذبة مشهورة بعذوبتها وحسن مائها وطيبها. فيقول: ما كل ماء كصداء، يعني ما كل عين تكون في العذوبة كصداء، أي مثل تلك العين المعروفة بهذا الاسم. ليس كل ماء كصداء، هناك عيون كثيرة، هل كل هذه العيون كمثل هذه العين في العذوبة والحلاوة والنقاء؟ الجواب: لا، تختلف، قد تكون عين مالحة، وأخرى أقل ملوحة، وأخرى دون ذلك. إذن تختلف. فهكذا أيضاً كذلك الناس يختلفون. قال: هذا ما جاء به شاهداً لتفاوت الناس في طبائعهم، كما أنه ما كل ماء كصداء، فأيضاً ما كل الأخلاق خلقاً واحداً، ولا كل الطباع طبعاً واحداً. قال: "نعم ولا كل نبت فهو سعدان". قال: والسعدان نبت جيد نافع جداً للإبل، وهو مرعى للإبل نافع لها، ويدر لبنها، ويفيدها فائدة عظيمة جداً. قال: "ولا كل نبت فهو سعدان"، يعني ليس كل النباتات بمستوى هذا النبت المعروف بسعدان بفائدته وجودته وحسنه ونفعه للإبل التي ترعاه. هذان مثلا جاء بهما من رحمه الله توضيحاً لما سبق، يعني أن الناس يختلفون وطبائعهم متفرقة، كما أن الماء يختلف في العذوبة والملوحة، والنبات كذلك يختلف في النفع، ليس كل النبت كالسعدان الذي ينتفع منه الإبل، فالنباتات تختلف. فمقصوده من ذلك أن الناس كذلك يختلفون، فلا تظن أن الناس كلهم على معدن واحد وطبع واحد، بل منهم الطيب، ومنهم الخبيث، ومنهم الذي يعني يحفظ المعروف، ومنهم الذي ينكر المعروف، وهكذا تختلف أخلاق الناس وطبائعهم. وعلى هذا فينتبه المسلم في معاملته للناس، في معاملته للناس يعلم أن الناس تختلف طبائعهم، فلو عامل إنسان كما سمعنا بمعروف وحفظ له هذا المعروف فذاك خير، لكن لا يظن أن الناس كلهم مثله، وقد يعامل غيره ويعامله بالإساءة والجحود والنكران، فيتحمل ذلك رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا القدر الذي هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.