الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 518، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح شيخ الإسلام مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله سند حديث صعصعة بن معاوية عم الفرزدق، ويذكر سلسلة الرواة وأحوالهم وتلاميذ الحسن البصري وتأثيره.
يشرح المقطع حديث صعصعة بن معاوية ودلالة آية مثقال الذرة على أن كل عمل سيكافأ عليه الإنسان، ويبين أهمية الأعمال وجزائها.
يناقش المقطع أهمية عدم احتقار الحسنات أو السيئات ويحذر من التهاون في الذنوب الصغيرة، ويشدد على عظمة الله وضرورة احترامه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: مسند صعصعة بن معاوية عم الفرزدق رضي الله عنه، أي صعصعة بن معاوية وعم الفرزدق، قيل: إنه عمه مباشرة، وقيل: إنه ابن عمي أبيه. والفرزدق من بني تميم، وهذا صعصعة أيضا من بني تميم. قال رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد بن هارون، ويزيد بن هارون هو أبو خالد الواسطي، كان حافظا كبيرا من حفاظ أهل الواسط. واسط هذه في العراق، معنى متوسطة بين الكوفة والبصرة، في الوسط بين الكوفة والبصرة، سميت واسط. ومن الذي بناها؟ حجاج بن يوسف، حجاج بن يوسف الحاكم الظالم. قال رحمه الله: حدثنا يزيد بن هارون، وكان في جامع واسط حلقتان، حلقة يزيد بن هارون وحلقة عاصم بن علي أو أقصد علي بن عاصم الواسطي. قال: أخبرنا جرير بن حازم، وجرير بن حازم بصري، من البصرة، وهو ثقة، إلا أنه وهمان في بعض الأحاديث، خاصة عن قتادة. قال: حدثنا الحسن، والحسن هو ابن أبي الحسن البصري، إمام أهل البصرة علما ووعظا وعبادة. قد تخرج عليه أهل البصرة، أو تخرج كثير من أهل البصرة تحت يديه، فمنهم من تخرج عالما، ومنهم من تخرج عابدا. فالذين تخرجوا عليه كثير، كان واعظ أهل البصرة، حتى يقول عبد الله بن شودب: دخلت البصرة فرأيت الناس قد أغلقوا حوانيتهم -حوانيتهم معناه دكاكينهم- فقلت: أعندكم عيد؟ أن هذا اليوم عيد حتى تغلقون دكاكينكم؟ قالوا: لا، إنما الحسن بن أبي الحسن البصري يوعظ في المسجد، أن الناس يتركون -يعني يغلقون حوانيتهم- لأجل أن يحضروا للحسن في المسجد. وكان الحسن أعطاه الله عز وجل فصاحة ولغة، وكذلك أيضا تأثير في الموعظة، وكلامه يشبه كلام النبوة. يقال: إنه رضع من لبن النبوة، أنا كانت أمه مولاة لأم سلمة، مولاة لأم سلمة، فتربى عنده، ويقال: أنها أرضعته. لكن أم سلمة لم تلد للنبي عليه الصلاة والسلام أحدا، فكيف أرضعته؟ يقال: أنها لما بكى كان عندها فجاءها اللبن، وهذا يحصل، وهذا يحصل في النساء، تجد كثرة العطف يأتي باللبن في ثدي هذه المرأة، أنا شفق على الصبي، وهذا من الله. ولهذا ذكر الفقهاء رحمه الله هذه المسألة، وقالوا: هل يؤثر هذا في الرضاع؟ فذهب الشافعي والمشهور عن أحمد: أنه يؤثر. أنا إذا رضعت المرأة، ولو كانت بكرا، كما قال ابن قدامة: أنا ولو كانت هذه المرأة بكرا لم تتزوج، لكن لما رأت الصبي يبكي حنت له فعطفت عليه فأخذته وأرضعته، فإن كان خرج منها لبن، لكن لابد أن يخرج لبنا. أما إذا كان شيء مثل الزلال أو شيء عصر، فهذا لا يعتبر لبنا. أحيانا يخرج شيء من العصر، معنى من شيء ما أدى رطبة الظاهر من حصارة، فهذا لا يعتبر. وإنما إذا خرج لبن، فإذا خرج اللبن فإنه يعتبر إذا كانت خمس رضاعات. وكما قلنا: حصل هذا، يحصل غالبا في النساء الكبار العجائز، تجد إذا حنت على ولدها أو على ولد ابنها فتأخذه لأجل أن تسكته، فتجد أن اللبن يأتيها. فلهذا قال العلم: حصل هذا، وهذا مجرب، وحاصل أن هذا قد ذكره العلماء والفقهاء في كتبهم. وأيضا موجود حتى عندنا في هذا الزمان، يذكروه عن نساء كثر حصل لهن هذا عن امرأة عجوز تجدها وقد انقطع عنها الولد من زمان، لكن تحن لابنها أو غيره فترضعه. قال: حدثنا الحسن عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق: أنه أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقرأ عليه -أي رسول الله صلى الله عليه وسلم- ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قال: أي صعصعة بن معاوية: «حسبي، لا أبالي ألا أسمع غيرها»، أن هذه آية عامة. قالوا: حدثنا أسود بن عامر، وهو شاذان، وهو بصري، ثقة من حفاظ البصرة. ولا شك ما ذكرنا قبل أن البصرة مليئة بالحفاظ، ولهذا تجد أنهم كثير جدا ممن روى عنهم الإمام أحمد وغيره، هم من حفاظ أهل البصرة. قال: حدثنا جرير -وهو ابن حازم- قال: سمعت الحسن قال: حدثنا صعصعة بن معاوية، هذا فيه تحديث الحسن عن صعصعة، لأن الحسن عنده تدليس، كان يدلس، لكن ليس لتعمد هذا التدليس لأجل شيء، وإنما كان بعض السلف يرون أن هذا ليس فيه شيء، وأنه ما دام أنه يروى عن أهل علم فلا بأس. قال: سمعت الحسن قال: حدثنا صعصعة بن معاوية عم الفرزدق قال: قدمت على النبي عليه الصلاة والسلام فسمعته يقرأ هذه الآية، فذكر معناه. قال: وحدثنا عفان -وهو ابن مسلم الصفار أبو عثمان البصري- وكان أيضا من حفاظ من حفاظ أهل البصرة المتقنين الذين يتقنون كتبهم. كان الإمام أحمد يسميهم بأهل الشكل والنقط، عفان وبهز بن أسد وحبان بن هلال. قال: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن قال: قدم عم الفرزدق -صعصعة بن معاوية- المدينة لما سمع ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قال: «حسبي، لا أبالي ألا أسمع غير هذا». قال: هذا حديث صحيح. وظهر أنه جاء في وفد بني تميم عندما جاء في السنة التاسعة. قال: وقد أخرجه النسائي في التفسير، وتفسيره هو جزء من السنن الكبرى. قال: أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد قال: حدثنا أبي يونس بن محمد المؤدب عن إبراهيم ابنه قال: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا صعصعة عم الفرزدق قال: قدمت على النبي عليه الصلاة والسلام فسمعته يقول ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قال: «ما أبالي ألا أسمع غيرها، حسبي، حسبي». وكما قلنا: هذه الآية عامة، فائدة جمعت معاني كثيرة، وأن الإنسان عمله مكتوب، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، أي خيرا سيراه، ولو كان شيئا قليلا. ولهذا لما ذكر -لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخيل وعن الإبل وعن كذا- ثم سألوه عن الحمر، قال: «ما عندي إلا هذه الآية الجامعة الفائدة» ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فهذه الآية جمعت أمرا عظيما، وهو أن الإنسان عمله مكتوب، سواء كان كبير هذا العمل أو صغر، فهو مكتوب في كتاب عند رب العالمين سبحانه وتعالى. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ قال ابن عباس: «حتى الضحك». قال ابن عباس: «حتى الضحك»، والمراد أي عندما يضحك لأمر خير أو لشر، لخير أو لشر، مثلا إذا كان يضحك لأمر خير فهو يكتب له أجر، إن ضحك لأمر شر فهو يكتب له إثم، وإن كان ضحك لأمر مباح، فالصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول أكثر السلف: أنه يكتب. قال: ومنهم من قال: أنه لا يكتب ما دام أنه مباحا لا يكتب. لكن الآيات تدل على أنه كل شيء يكتب. لكن قد يؤاخذ عليه الشخص وقد لا يؤاخذ. وقد جاء في الحديث -حديث قدسي- أن الله عز وجل قال: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فلهذا فالآيات تدل على أن كل شيء يكتب. وأيضا يدخل في هذا قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ فكل شيء يتلفظ به الإنسان يكتبه، تكتبه الملائكة عليه، فهناك رقيب وهناك عتيد. قيل له عتيد لأنه يتأخر في كتابة الشيء، وهذا من رحمة الله جل وعلا، فإن الرقيب يكتب والعتيد يتأخر ثم يكتب، وهذا لعله يراجع نفسه الشخص. فلهذا أهل الإيمان تجد أنهم يتداركوا الأمر، فإذا رأوا أنفسهم أنهم أخطأوا استغفروا الله وتابوا إلى الله، فمحي ذلك الذنب، محي ما كان عليهم من ذنب. فمن يعمل مثقال ذرة خير يره، ومثقال الذرة يقال: أنها أصغر شيء يرى بالعين، أصغر شيء يرى بالعين. وقيل: أن الذرة هو النمل الصغير، لأنه أصغر شيء يعرف في الحشرات، فلهذا يمثل به. وكل المعنيين صحيح، المقصود هو أنه أراد ربنا سبحانه وتعالى يبين أن أي شيء يكتب، حتى ولو كان صغيرا جدا فإنه مكتوب. ولهذا لا ينبغي للمسلم أن يتصاغر أو أن يحتقر أعماله، سواء كان في الحسنات أو في السيئات، لا يحتقر سيئة أو حسنات، بل يقدم هذه الحسنات ولو شيئا يسيرا. فلهذا جاء في حديث عدي بن حاتم: «ولو بشق تمرة». والله عز وجل أنكر على المنافقين الذين يلمزون من يتصدق بشيء يسير أو كثير، كما قال الله عز وجل في سورة التوبة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جَهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فهؤلاء جاء في سبب نزول هذه الآية: أنه يأتي الفقير يتصدق بشيء يسير فيقولون: «إن الله عز وجل غني عن صدقة هذا». ويأتي الذي معه مال كثير يريد أن يتصدق به فيقولون: «إنما يرائي». فهم يلمزون المطوعين في الصدقات، وأيضا يلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم، بل يسخرون منهم، فعقبهم الله عز وجل أن سخر منهم، وأيضا أوعدهم بالعذاب. فلهذا أيضا جاء في صحيح البخاري: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا تصدق العبد بصدقة أخذها الرحمن بيمينه، فرباها له كما يربي أحدكم فلوه حتى تصير مثل الجبل». فلوه: أي صغار الإبل. فقال: «حتى تصير مثل الجبل». فلهذا لا يحتقر الإنسان حسناته ولو شيئا يسيرا، فإنها حسنات. وكذلك أيضا لا يحتقر سيئاته، في حديث عبد الله بن مسعود، وجاء أيضا عن جمع من الصحابة، وهو حديث حسن في الشواهد: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن إذا اجتمعن على الرجل أهلكنهم». وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا في جماعة خرجوا إلى واد وجمعوا حطبا وأوقدوا نارا، فإن الحطب هذا يأتي بواحد وهذا يأتي بواحد فيجتمع حطبا فيؤجج النار، وهكذا هذه سيئات تجتمع على العبد حتى تهلكه وتتكاثر عليه. «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن إذا اجتمعن على الرجل أهلكنهم». فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يحتقر حسناته ولا كذلك أن يحتقر سيئاته، بل يعظم هذه الحسنات ولو شيئا يسيرا، يقدم على ما في وسعه، على ما يستطيع، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها. وكذلك أيضا السيئات فهو لا يحتقرها. وكما كان السلف رحمهم الله تعالى يقولون: «لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت»، أي انظر إلى عظمة الله جل وعلا. فنكتفي إن شاء الله بهذا، والله تعالى أعلم.