الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 521، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث صفوان بن عسال المرادي حيث جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم. كما يتحدث عن سند الحديث ورواته.
يشرح معنى محبة الصالحين وعدم القدرة على مجاراتهم في الأعمال الصالحة، ويبين أن المحبة الحقيقية تقتضي الدفاع عنهم وعدم إيذائهم. المرء يكون مع من أحب يوم القيامة.
المحبة الشرعية ترفع الإنسان إلى درجات عظيمة يوم القيامة إذا كان يحب الصالحين ويجاهد نفسه على اتباعهم. تكون المحبة برهانا على صدق الإيمان وخالية من الغلو والجفاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا محمد من هاد الوادي رحمه الله: في سياق الروايات التي ذكرها في حديث صفوان بن عسال، قال: وقال الإمام محمد: حدثنا حسن بن موسى، وهو الأشيب، قال: حدثنا حماد بن زيد، وحماد بن زيد ابن درهم البصري، إمام وحافظ من حفاظ أهل الحديث. وكان حفظه مثل حفظ شعبة، وكان من المقدمين في الحفظ بأهل البصرة، حتى كان أهل الكوفة يقولون لأهل البصرة: هاتوا حفاظكم، ونحوا عنا حماد بن زيد وإسماعيل بن علي، هذا لكثرة حفظه، رحمه الله. قال: عن عاصم البهدلة، عن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: لقد بلغني أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يفعل. قال: فذكر الحديث، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هل مرء مع من أحب؟ قال: فما برح يحدثني حتى حدثني أن الله عز وجل جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، أي من نفس المكان من المغرب. وذلك قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: هذا حديث صحيح. وقال الترمذي رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، وهو مروزي من حفاظ أهل مرو، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، ويحيى بن آدم صاحب الخراج، وهو ثقة، قال: أخبرنا سفيان، وهو الثوري. معنى عرفنا بيحيى بن آدم، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال، قال: جاء عرابي جهوري الصوت - وجهوري الصوت معنى: صوته عال، وجوهري الصوت: صوته ندي - عن فرق بين جوهري وجهوري، الجهوري هو الذي صوته يكون عال، والجوهري الذي يكون صوته ندي وأجمل. فقال: جاء عرابي جهوري الصوت، فقال: يا محمد، الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المرء مع من أحب». قال: هذا حديث صحيح. قال: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: أخبرنا حماد - وأحمد بن عبدة يعتبر من أهل الكوفة أيضا - قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن زر، عن صفوان بن عسال، عن النبي عليه الصلاة والسلام، نحو حديث محمود. قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث حسن تقدم معنا في الحديث الذي ساقه في بداية الحديث من سياق الترمذي مطولا. قال: فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد. فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من صوته: ها أنا. فرفع صوته عليه الصلاة والسلام وقال: ها أنا. وفيه أدب من آداب الرد، فمن رفع صوته قد يكون غالبا لا يسمع، فلهذا يحتاج إلى رد مثله. فرد النبي صلى الله عليه وسلم مثل صوته: ها أنا، أو ها أنا، أي أنا هنا. فقلنا له: أخفض من صوتك، أنا أخفض من صوتك. يقولون لهذا الأعرابي: فإنك عند النبي عليه الصلاة والسلام، وقد نهى الله عز وجل عن رفع الصوت عند النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. لكن الأعرابي ما كان يعرف هذا النهي، ولهذا قال له الصحابة: وقد نهيت عن هذا. فقال: والله لا أخفض. قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم، يحب القوم لكن ما يستطيع أن يلحق بهم بأعمالهم، لكنهم يحبهم ويحب أن يكون معهم ويحب طريقتهم، لكن ما يستطيع أن يأتي بأعمالهم. وجاء في الحديث الآخر أنه قال لصفوان بن عسال: أي زر، وهل سمعت في الهوى شيئا؟ في الهوى معناه في المحبة، مراد بالهوى في المحبة. جاء في بعض روايات التي في حديث زر: قال: هل سمعت في الهوى شيئا؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر هذه الحادثة. فكان الأعرابي لا يعرف أن هذا منهي عنه، أو اعتاد على هذا. فقال: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم. وهذا قد جاء أيضا في الصحيح عن ابن مسعود، وعن غيره، وعن أنس. جاء أيضا نحوه في ذلك الأعرابي الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم. وقال ذاك الأعرابي: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لم أعد لها كثرة صلاة ولا صيام، ولكن أحب الله ورسوله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب». وهنا قال: يحب القوم ولما يلحق بهم، أنا لا يستطيع أن يلحق بهم لأنه قليل العمل، أو أن أولئك أهل صفاء وهل تقوى، لكن هو يحبهم ويحب طريقتهم، ولا أيضا يؤذيهم، بل يدافع عنهم بكل ما استطاع. أنا ليس المرء الذي يحب القوم وهو يؤذيهم ويتكلم عليهم، وإنما المحبة تقتضي عدم إيذائهم وعدم الكلام عليهم. فالآن مثلا بعض الناس يقول: أنا أحب علماء الإسلام، وكذا، لكن تجد أنه يتكلم عليهم، وتجد أيضا يذمهم، وكذا من هذا القبيل. مثل ما يفعل الإخوان المسلمون، تجد أنهم يقولون: نحن نحب العلماء، نحب كذا، وهم أكثر الناس كلاما عليهم، فيصفونهم بعملاء الدولة، أو بعلماء الدولة، أو أنهم لا يفقهون الواقع، أو أنهم لا يعرفون ما حولهم، وغيرها من هذه الطعونات. فلهذا المرء يحب القوم ولما يلحق بهم، لا بد أنه يحبهم، وأيضا يدافع عنهم ويدافع عن طريقتهم إن استطاع. فهذه المحبة، وليس معنى المحبة أن الإنسان يوالي ويعادي على شخص معين منهم، هذا ليس المحبة، هذا تحزب وغلو في المحبة. فليس المرء مهما بلغ أنه معصوم، فلهذا كما قال شيخ الإسلام: لا ينبغي لأحد أن يجعل رجلا من أهل الإسلام يوالي ويعادي عليه، فهذا خطأ. لكن يحبه ويجله كان عالما، وأيضا كذلك لا يؤذيه بلسانه ولا بفعله. لكن ليس معنى ذلك أنه يقلد كل ما جاء أو كل ما قاله، ويترك قول النبي عليه الصلاة والسلام لأجله، فهذه ليست محبة صحيحة. وكذلك أيضا كما قلنا: يتحزب لأجله. فالمحبة تكون محبة شرعية، ليس فيها غلو ولا جفاء. فهذه المحبة الشرعية التي هي مقصودة في هذا الحديث: يحب القوم لما يلحق به عن أعمالهم، لا تجعله يدرك هؤلاء، لكن يحبه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب يوم القيامة». المرء مع من أحب يوم القيامة. وهذه فضيلة عظيمة جدا، وكرامة من رب العالمين سبحانه وتعالى أعطاها لعباده. وإلا لا يستطيع الإنسان أحيانا أن يدرك الدرجات العلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلا بمثل هذه المحبات: أنه يحبهم ويحب طريقتهم. وهذه كرامة كما قلنا من الله جل وعلا لعباده: أنه يرفعهم إلى الدرجات العظيمة ليس بعملهم، لكن بسبب محبتهم لأهل الصلاح ولأهل تلك الدرجات، فيكونوا معهم. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. جاء في عند الطبراني، وذكره أيضا الحاكم في المستدرك، وذكره شيخنا مقبل في سبب نزول هذه الآية في أسباب النزول: أن رجلا من الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نحب أن نجلس معك، ونحب سماع كلامك، وإذا ذهبنا إلى بيوتنا نتمنى أن نرجع إليك. معنى: متى، كأنه يقول: نتمنى وننتظر متى نرجع حتى نسمع كلامك عليه الصلاة والسلام. فقال: فسكت النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. معنى أراد ربنا جل وعلا أن يبين أن هذا برهانه المتابعة والطاعة. قد يحصل للنسان محبة لرجل صالح أو للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن تبرهن هذه الأعمال عن النسان. لما يقول: أنا أحب هؤلاء الصالحين، أحبه هؤلاء أهل التقوى، وهو بعيد جدا عنه، بل بخلاف ما يفعلون كثيرا، أو رجل منهمك في المعاصي. قد هذا المحبة يكرمه الله عز وجل بالخير، لكن ليس معنى أن هذه المحبة تنفعه وهو لا يؤدي أسبابها، لا يؤدي أسبابها. لهذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. فلا بد من برهان على هذه المحبة، وإلا كانت دعوة، كانت دعوة قد لا تنفعه. لكن المرء مع من أحب إذا كان يجاهد نفسه على أن يكون منهم، ولكن لقصر أعماله ولقربهم من الله، كانت أعمالهم عظيمة، لكن هو يجاهد نفسه في طاعة الله جل وعلا، يجاهد نفسه على أن يبتعد عن المعاصي، يجاهد نفسه كذلك في اعتقاده، في سيره إلى الله. فهذا من البراهين التي تدل على المحبة. فهذا وإن لم يلحق بالصالحين، فهو معهم يوم القيامة، وفي منازلهم يوم القيامة لأنه كان يحبهم. وهذا هو معنى هذا الحديث. وما أشار إليه هذا الحديث بالأخذ بالنصوص الأخرى. فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.