الدرس في كتاب الصيام 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يجب الصيام على كل مسلم مكلف قادر، ويشرح المقطع شروط وجوب الصيام والإمساك والقضاء. يتناول حالات الإمساك والقضاء عند حدوث تغيير في الأهلية أثناء النهار.
يسن للمريض الذي يضره الصوم الإفطار، بينما يسن للمسافر الصوم. يفطر المريض الذي لا يرجى برؤه ويخرج فدية، بينما يقضي المريض الذي يرجى برؤه بعد شفائه.
يفطر الكبير في السن والعجوز إذا لم يستطيعا الصيام ويخرجان فدية. يتناول المقطع أحكام الصيام للمريض والكبير في السن، حيث يفصل في حالات الإفطار والقضاء والفدية.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر». فهنا ذكر المؤلف رحمه الله من هو الذي يجب عليه الصيام، فقال: كل مسلم مكلف قادر. فالمسلم يخرج الكافر، فالكافر لا يقبل منه ولو صام، لكن أكثر جمهور العلم يقولون: إنه مطالب به، وهو يحاسب عليه أنه آثم، ولو فعله، ولو صام، فهو لا يقبل الله منه صيامه؛ لأنه كافر، ويحاسب عليه يوم القيامة. فقال جمهور العلم: إن الكفار يحاسبون على الشرائع كما يحاسبون على الدين كله، واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين﴾، فهنا ذكر الصلاة والزكاة؛ لهذا أكثر العلم يقولون: إنه أنهم مطالبون، هم يقولون بفروع الشريعة كما هم مطالبون بأصولها. فلهذا المسلم أو الكافر لا يقبل الله عز وجل منه الصيام. فإن أسلم في نهار رمضان يجب عليه أن يمسك؛ لأن الصيام وجب عليه. وكذلك المكلف، وهو البالغ العاقل، المكلف الصيام لا يجب إلا على بالغ، إذا بلغ يجب عليه الصيام. وأما الصغير فلا يجب، لكن يستحب إذا كان مميزا، يستحب له، ويصح صومه؛ فالتمييز يدل على صحة العبادة، لكنه لا يدل على الوجوب؛ لا يجب عليه، لكن يصح؛ تصح العبادة منه. ثم جاء في صحيح مسلم في تلك المرأة التي رفعت ابنا لها، وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «ألي هذا حج؟» قال: «نعم، ولك أجر»، صحة العبادة تصح من المميز. وكذلك يخرج بالمكلف المجنون؛ المجنون لا يجب عليه هذه الشرائع، لا يجب عليه الصيام، لكن إذا أفاق فيجب عليه أن يصوم. متى أفاق؟ فإن تخلل في يوم الصيام تخلل إفاقة، فهذا لا يحتسب له اليوم، وهل يجب عليه أن يفطر؟ لا؛ أقصد أن يقضيه؟ لا، لا يجب عليه أن يقضيه؛ ما دام أن فطره كان بجنون؛ لأنه لا يجب عليه الصيام. وهذا أيضا يدخل فيه لو تكررت الحالة في اليوم. أما إذا كان مجنونا ثم أفاق فيجب عليه الإمساك، إذا كان أفاق في نهار رمضان يجب عليه أن يمسك بقية اليوم. وهذا كما قلنا يدل عليه حديث عاشوراء، حديث سلامة بالأكوع، وحديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى القرى يوم عاشوراء، قال: «من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن أصبح مفطرا فليمسك». فدل على أن من وجب عليه الصيام في ذلك الوقت فإنه يمسك، بخلاف الحائض إذا أفطرت، أو الحائض إذا طهرت، وكذلك المريض إذا شفي، وذهب علة المرض، والمسافر إذا رجع إلى بلده؛ فهؤلاء لا يجب عليهم الإمساك؛ لأنهم أفطروا بعذر. لكن هؤلاء الذين ذكرناهم هنا هم لا يجب أصلا عليهم الصيام، ثم وجب عليه؛ لهذا فرق بين إسلام الكافر، وبلوغ الصبي، وإفاقة المجنون؛ فهؤلاء يجب عليهم الصيام، ولو حصل لهم في نهار رمضان يجب عليهم أن يمسكوا. وأما الحائض إذا طهرت، أو المريض إذا ذهبت علته، أو المسافر إذا رجع إلى بلده؛ فهؤلاء لا يجب عليهم؛ لأنهم أفطروا باختيارهم؛ أفطروا لعذرهم. فلهذا فرق بين هذه المسألة وهذه. قال: «ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر»، وقادر: أي أنه ليس مريضا قادرا على الصوم. ويدخل في ذلك أيضا من لم يستطع أن يصوم لكبر سنه، مثلا الرجل الكبير، الشيخ الكبير، العجوز الكبيرة إذا لم تستطع أن تصوم، لكن يكون معها عقلها موجود. أما إذا كان الشيخ الكبير ذهب عقله فهذا لا يجب عليه أصلا الصيام. لكن هنا إذا كان عقله موجود، لكن لا يستطيع لكبر سنه، فهذا سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه. أو كذلك لا يستطيع لعلة المرض، وكذلك أيضا لعلة السفر. والظاهر أن المؤلف لم يذكر المقيم، وذكر القادر؛ يريد أنه يدخل المسافر في القدرة، لكن المسافر أصلا يستطيع غالبا يستطيع الصيام، لكن يتركه للترخص؛ فلهذا فهو لا يدخل في هذا الشرط. فالأولى أنه قال: «ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر مقيم». قال: «وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء، وعلى كل من صار في أثناء النهار أهلا لوجوبه». وكذا حائض ونفساء طهرتا، ومسافر قدم مفطرا. هنا كما قلنا يقول المؤلف: وجب الإمساك والقضاء، وهذا ليس صحيحا. أولا: كيف يقال له: اقض؛ وهو ليس واجبا عليه؟ فالكافر مثلا في حال كفره لا يجب عليه الصيام من ناحية القبول، فإذا أسلم فكيف يقال له: اقض ما كنت تركته في كفرك؟ فهذا ليس صحيح، ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلب أو أمر أحدا ممن أسلم أنه يتم صومه أو يقضي صومه؛ أقصد يقضي صومه. فلهذا فإن جاءه أسلم في نهار رمضان فإنه يمسك، ولا قضاء عليه على الصحيح، وهي رواية أيضا عن أحمد. وكذلك يظن يدخل في هذا كما ذكرنا: الصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق؛ فهؤلاء إذا وجب عليهم الصيام يجب عليهم أن يصوموا، لكن ليس عليهم قضاء. قال: «وكذا حائض ونفساء طهرتا»؛ الصحيح كما قلنا: الفرق؛ الحائض ونفساء إذا طهرتا لا يجب عليهما الإمساك، لا يجب عليهما بقية النهار الإمساك بقية النهار. «ومسافر قدم مفطرا»؛ أيضا لا يجب عليه الإمساك، ولابد أن يكون قدم مفطرا؛ لأنه إذا لم يفطر فلا يجب له أن يفطر في بلده. إذا لم يفطر؛ مثلا مسافر صام وهو في الطريق، فلما جاء إلى بلده بدأ له أنه يفطر؛ لا، هذا ما يجوز؛ لأنه ما يجوز له أن يفطر في بلده؛ فوجب عليه الإمساك. لكن لو جاء مفطرا؛ أنا أفطر في الطريق ثم رجع إلى بلده؛ فهنا هل يجب عليه الإمساك؟ الصحيح أنه لا يجب؛ الصحيح أنه لا يجب عليه أن يمسك؛ لأنه قد أفطر. ولهذا جاء عن عبدالله بن عباس أنه قال: «من أفطر أول النهار فهو مفطر آخره؛ من أفطر أول النهار فهو مفطر آخره». فالقول بوجوب الإمساك لهؤلاء ليس صحيحا، وإنما الإمساك يكون لمن لم يجب عليه أصلا ثم وجب عليه؛ هذا الذي يمسك. قال: «ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينا». ويسن لمريض يضره الصوم، ولمسافر يقصر أيضا. من هذه الأعذار: الكبر؛ كبر السن إذا كان لا يستطيع فهو داخل في القدرة. وأدخله ابن عباس وابن عمر في قول الله جل وعلا: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾، وجاء في قراءة عبدالله بن مسعود: «وعلى الذين يطوقونه». وعلى الذين يطوقونه: أي شق عليه. فلهذا قال ابن عباس وابن عمر: إن هذه الآية ليست منسوخة. جاء في حديث سلمة بالأكوع أنها نسخت، وفي حديث ابن عمر أنها نسخت. لكن النسخ في عرف الصحابة يطلقونه أيضا على التخصيص؛ يطلقونه أيضا على التخصيص؛ لأن التخصيص نوع من أنواع النسخ. فابن عمر وابن عباس ما أراد النسخ الذي هو معروف بنسخ الآية كلها، وإنما أراد التخصيص؛ أن الآية خصصت. كما قال ابن عباس: هذه الآية في كبير السن والمرأة العجوز إذا لم يستطيعا الصيام. وأيضا جاء في رواية أيضا: والمرضع والحامل عن ابن عباس. وجاء كذلك نحوه عن ابن عمر: أن المرأة المرضع أو الحامل لها أن تترخص وتكفر؛ تترخص وتكفر أو تفدي عن يوم. هذا سيأتي إن شاء الله هذه المسألة. فلهذا من أفطر لكبر أو لمرض فإنه عليه الفدية؛ أن يطعم عن كل يوم مسكينا. وكذلك المريض الذي لا يرجى برؤه؛ المريض الذي لا يرجى برؤه: أي الذي عنده مرض مزمن، وقرر وذكر الأطباء أنه هذا المرض لا يرجى برؤه؛ يعني سيكون معه إلى أن يموت إلا أن يشاء الله. فمثل هذا يخرج عنه عن كل يوم مسكينا. أما إذا كان المرض مما يرجى برؤه فهذا ينتظر حتى يذهب ذلك المرض فيقضي؛ ﴿ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. ولو جلس في هذا المرض سنوات، ولو جلس هذا المرض سنين فإنه بعد ذلك يقضي متى ما تيسر له. فهذا فرق بين المرض الذي يرجى برؤه والمرض الذي لا يرجى برؤه. وسيأتي إن شاء الله معنا ضابط هذا المرض. فالمرض الذي يفطر فيه المرض أصلا يكون على ثلاث أقسام بالنسبة للصوم. المريض يكون له ثلاث أحوال بالنسبة للصوم. فمريض لو صام لهلك؛ أنا لو صام لمات وهلك؛ فهذا يجب عليه الفطر؛ فهذا يجب عليه أن يفطر؛ بقول الله عز وجل: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾. والحالة الثانية: أن يكون هذا المرض يضره الصوم أو يؤخر في شفائه؛ يضره الصوم أو يؤخر في شفائه؛ فهذا الأولى له أن يفطر؛ فإن صام لا بأس؛ إن صام وتحامل على نفسه ما لم يكن هذا فيه ضرر كبير. والحالة الثالثة: أن يكون هذا المرض لا تعلق له بالصيام؛ أو أن يكون هذا المرض لا يضره الصيام ولا يؤخر في شفائه؛ مثلا أن يكون عنده كسر في يديه أو في رجليه؛ عنده شيء من هذه الأشياء التي لا تعلق للصيام بها؛ لا يضره الصيام؛ أسنانه أو كذا؛ فهذا لا يترخص؛ فهذا لا يترخص. وهذا قول جمهور العلم؛ بخلاف قول الظاهرية؛ يقولون: في كل مرض يفطر. وهذا ليس بصحيح؛ قد جاء عن السلف التفريق بين هذا المرض وهذا؛ لأن المرض هنا الذي ذكره الله عز وجل متعلقا بالصوم: ﴿ومن كان منكم مريضا أو على سفر﴾؛ فلهذا إذا كان هذا المرض لا يرجع برؤه أطعم لكل يوم مسكين. ويسن لمريض يضره الصوم أن يفطر؛ له أن يفطر؛ وهذا كما قلنا في الحالة الثانية. ولمسافر يقصر؛ يسن له أن يصوم؛ وسَيَأْتِي إن شاء الله الكلام على المسافر. فهذه بعض المسائل التي ذكرها المؤلف. والله تعالى أعلم.