التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 68

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 68

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم التشبه بالكفار ومعنى البحيرة والسائبة

شرح معنى البحيرة والسائبة وتحريم التشبه بالكفار مستندا إلى الأحاديث النبوية. يبين شيخ الإسلام ابن تيمية أصول هذه الممارسات الجاهلية وأحكامها الشرعية.

عمرو بن لحي وأصل عبادة الأصنام

رؤية عمرو بن لحي يجر أمعاءه في النار لأنه أول من نصب الأصنام حول الكعبة. كان ذلك سبباً في انحراف العرب عن دين إبراهيم عليه السلام.

أثر التشبه بالكفار في انتشار الشرك

التشبه بالكفار أدى إلى ضياع دين إبراهيم وتحول دين العرب إلى الشرك. جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليحيي ملة إبراهيم ويقيم التوحيد.

تفسير حديث حذيفة بن اليمان

الحديث المذكور موقوف على حذيفة بن اليمان وليس عن النبي عليه الصلاة والسلام. يذكر أن قطيف بن الحارث صحابي طيب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عندما ذكر أيضا أو في ذكره الأدلة على عدم جواز التشبه بالكفار، قالوا أيضا في الصحيحين عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: «البحيرة التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء». قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب». ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب. فالبحيرة -قال سعيد- هي التي يمسح درها للطواغيت، معنى لبنها يتبرع به للطواغيت، لا يشربه أحد. والسائبة التي يسيبونها، كيف يسيبونها؟ معنى يجعلونها سائبة، يقولون: هذه نذيرة أو نذرت للطاغوت أو للصنم الفلاني، فلا أحد يحمل عليها، فهذه السائبة. قال: وروى مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رأيت عمرو بن لحي ابن قمعة ابن خندف، أخا بني كعب، وهو يجر قصبه في النار». قصبه -معنى- أمعاءه. رأيت عمرو بن لحي ابن قمعة ابن خندف، وهو الخزاعي، عمرو بن لحي الخزاعي، وهو أول من جاء بالشرك إلى مكة. كان -كما ذكر ابن إسحاق- ذهب إلى الشام، فرآهم يعبدون الأصنام، فجاءت هذه الفكرة، فجعل هذه الأصنام في مكة حتى يعبدها الناس. وكان كانت خزاعة هي التي في مكة، كانوا الذين في مكة بعدما خرجت جرهم من مكة، كانت مكة فيها خزاعة، ثم بعد ذلك جاءت قريش ومسكوا كل ما كان في مكة. كان قصي عنده الحجابة وعنده كذلك السقاية، وقصي هذا من أجداد النبي عليه الصلاة والسلام. قال للبخاري: من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبو خزاعة، أنه أول من غير دين إبراهيم». قال: «رأيت عمرو بن لحي، وهو يجر قصبه في النار، يجر قصبه ويجر أمعاءه». هذا موقف مهيل، وأيضا موقف عظيم، تخرج أمعاؤه وهو يجرها في النار، يجر قصبه في النار. قال: وهذا من العلم المشهور أن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأصنام حول البيت، ويقال: إنه جلبها من البلقاء. والبلقاء هذه بلاد من بلاد الشام، وهي الآن تسمى الأردن، البلقاء أصل الأردن، وهي عمان، عمان هذه معروفة عاصمة الأردن. قال رحمه الله: إنها جلبها من البلقاء من أرض الشام، متشبها بأهل البلقاء، وهو أول من سيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رآه يجر قصبه في النار، وهي الأمعاء، ومنها سمي القصاب بذلك؛ لأنها تشبه القصب. ومعلوم أن العرب القصب مثل المغاسير كما نسميها، فهذه قصب، والقصب أصلا ما يعمل للبهائم، فهذه الأمعاء مثلها، معنى مغلظة وأقصد فيها فتحة وهي مدورة، الجلد منها معروفة الأمعاء. قالوا: معلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم، على شريعة التوحيد والحنيفية السمحة، دين أبيهم إبراهيم. ولهذا هناك وجد من العرب من لم يتقبل هذه الفكرة، فكرة عبادة الأصنام، فبقي دين إبراهيم عندهم شيء يسير. ولهذا قيل لهم الحنيفيين. ووجد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام منهم قيس بن ساعدة، وأيضا أمية بن أبي الصلت الشاعر، وكذلك أيضا زيد بن عمرو بن نفيل، وغيرهم ممن لم يتقبل عبادة الأصنام ورأوا أنها مخالفة لدين الله جل وعلا. قال: فتشبه عمرو بن لحي -وكان عظيم أهل مكة يومئذ؛ لأن خزاعة كانوا أولياء البيت قبل قريش- وكان سائر العرب متشبهين بأهل مكة؛ لأن فيها بيت الله، وإليها الحج، فكان الناس اقتدون بأهل مكة. قالوا: ما زالوا معظمين من زمن إبراهيم عليه السلام. فتشبه عمرو بمن رآه في أهل الشام، واستحسن بعقله ما كانوا عليه، ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام تعظيما لله ودينا. وهذا سبب الجهل؛ أنه رآهم يعبدون الأصنام ويتقربون إلى هذه الأصنام على أنهم يتقربون إلى الله، فجلب معه بعض الأصنام، وظن أن هذا تعظيما لله. وقالوا: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى». قال: فكان ما فعله أضل الشرك في العرب أهل دين إبراهيم؛ لأنه هو الذي غير دين إبراهيم في العرب، فجاء لهم بعبادة الأصنام، فصار دين أهل مكة وغيرهم من العرب صار دينهم عبادة الأصنام، إلا من كان من أهل الكتاب في ذلك الوقت، فرفض هذا الدين، وأيضا كذلك ممن عرف دين إبراهيم فبقي عليه. لكن نسي دين إبراهيم بسبب قلة من كان عليه. ولهذا اختلف العلماء: هل قريش قبل النبي عليه الصلاة والسلام يعتبرون أهل فترة أو لا؟ فمنهم من قال: إنهم أهل فترة. ومن العلماء من قال: إنهم ليسوا من أهل الفترة. ولعل هذا هو الصواب؛ لأن دين إبراهيم كان باقيا فيهم، وجاءت الأدلة أيضا من النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضا كذلك أدلة الكتاب والسنة سماهم الله عز وجل من المشركين. قال: فلم يزل الأمر يتزايد وتفاقم حتى غلب على أفضل الأرض الشرك بالله عز وجل. أفضل الأرض -أما يريد به مكة- أو أفضل هنا أكثر. قال: وتغير دينه إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأحيا ملة إبراهيم عليه السلام، وأقام التوحيد، وحلل ما كانوا يحرمونه. قال: في سورة الأنعام، عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة. قطاب مع هؤلاء الضلال. ولهذا يقول تعالى في أثنائها: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. قالوا: معلوم أن مبدأ هذا التحريم ترك الأمور المباحة تدينا، وأصل هذا التدين هو من التشبه بالكفار، وإن لم يقصد التشبه بهم. قال: فقد تبين لك أن من أصل دروس دين الله جل وعلا والشرائع -من أصل دروس- أي ذهاب. من درس أي ذهب وإطمحل. قال: إن من أصل دروس دين الله وشرائعه وظهور الكفر والمعاصي التشبه بالكافرين. كما أن من أصل كل خير المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم. ولهذا عظم وقع البدع في الدين، وإن لم يكن فيها التشبه بالكفار، فكيف إذا جمعت الوصفين؟ أي البدع والتشبه. قالوا: لهذا جاء في الحديث: «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع عنهم من السنة مثلها». وصحيح أن هذا ليس عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو موقوف على حذيفة بن اليمان، وليس قطيف بن الحارث. قطيف بن الحارث هذا صحابي طيب إن شاء الله تعالى. نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم إن شاء الله.