عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 10

الدرس في عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

السبب الثامن: الصدقة والإحسان إلى الخلق

الصدقة تُعد برهاناً على صدق الإيمان ومحبة الله، إذ يخرج المسلم ماله المحبوب طلباً للأجر فتزكو نفسه من الشح والبخل. وقد ورد أن ملكين يدعوان كل يوم للمُنفق بالخلف وللممسك بالتلف.

عاقبة منع الزكاة وفضل الإنفاق في حفظ المال

منع الزكاة يؤدي إلى تلف المال كما حدث لأصحاب الجنة الذين أهلك الله بستانهم، بينما إخراج الزكاة والصدقة يحفظ المال وينميه. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وروي أن الله يربي الصدقة حتى تكون مثل الجبل.

فضل الصدقة في دفع البلاء والمرض

الصدقة لا تنقص المال بل تبارك فيه، ويدل على ذلك قصة الرجل اليمني الذي بقي حصاده ثابتاً رغم التصدق. كما أن الصدقة تدفع البلايا والأسقام وتخفف أثر العين والحسد، ويجعل ابتلاء المتصدق خفيفاً معونة الله قريبة.

الختام بالدعاء والصلاة على النبي

يدعو المتحدث الله أن يعين على الطاعة، وأن يحفظ من الأمراض ويشفي المصابين من المسلمين. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زلنا مع هذه الرسالة النافعة التي هي عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين، وكنا انتهينا في الدرس الماضي من قراءة السبب السابع، وهو التوبة إلى الله من جميع الذنوب. قال المصنف -فقه الله-: السبب الثامن: الصدقة والإحسان إلى الخلق. قال: إن ثمار الصدقة والإنفاق والإحسان إلى الخلق عديدة وكبيرة، ولها آثار حميدة في الدنيا والآخرة. من ذلك: أنها من أعظم براهين إيمان صاحبها ومحبته لله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان»، والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدقة برهان، قال أهل العلم: أي برهان على صدق إيمان صاحبها، ولذا سميت الصدقة صدقة لأنها تصدق صاحبها. وذلك أن المال محبوب للنفوس، قال الله جل وعلا: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]، أي حباً كثيراً وكبيراً، وقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8]، أي المال. فالإنسان يحب المال من طبيعته، فإذا أخرج هذا المال وتصدق به وأنفقه، دل هذا على أن له محبوباً أعظم من هذا المال، وهو الله سبحانه وتعالى، وهو يريد ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب، فهان عليه بذل هذا المال، فدل ذلك على صدق إيمانه، وصدق إخلاصه، ورغبته في الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى. ولذلك من ضعف إيمانه يبخل بإخراج المال، يبخل ببذل المال وإنفاقه، سواء كان في الأمور الواجبة ك الزكاة أو النفقات الواجبة، أو كذلك في الصدقات المستحبة. قال: وهي كذلك تزكي صاحبها وتزكي ماله. فأما تزكيتها للمعطي فبإخراجها تزكو أخلاقه الحميدة بالكرم والإحسان والشكر، وتطهر نفسه من الشح والبخل والحسد وغيرها من الأخلاق الرذيلة. نعم، إخراج المسلم للزكاة تزكي لنفسه، تزكي لنفسه، فهو يزكي نفسه ويطهرها من الشح والبخل والحرص، وكذلك الحسد وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة. فالمتصدق والمزكي تكون نفسه طيبة وتكون نفسه طاهرة، ولذا سميت الزكاة بالزكاة لأن الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء. الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء، يقال: زكى الزرع إذا نما وطهر وكثر. وهكذا الزكاة الشرعية، سميت زكاة لأنها تطهر صاحبها، تطهر قلبه من هذه الأدناس، وكذلك تطهر ماله. قال: ﴿وَأَمَّا تَزْكِيَتُهَا لِلْمَالِ الْمُخْرَجِ فَتَقِي الْمَالَ مِنَ الْآفَاتِ وَالْهَلَكَةِ﴾، تقِي المال من الآفات والهلكة، يعني من الآفات التي قد تكون سبباً في ذهاب هذا المال أو في قلته، أو كذلك في هلاكه وذهابه، إما بسرقة، وإما بغرق، وإما بحرق، أو غير ذلك من الآفات والمهالك. وكونك تزكي مالك فالله جل وعلا يطهر لك هذا المال، وكذلك يحفظه من المهالك، يحفظه من المهالك. وإذا شح العبد وبخل حرصاً على المال، ربما ذهب وأذهبه الله سبحانه وتعالى بسبب منعه لبذله وإنفاقه. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل ملكان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً». ملكان يدعوان على العباد في كل يوم، الذي ينفق يدعو له الملك أن يخلف الله له خيراً: «اللهم أعطِ منفقاً خلفاً»، أخلف له خيراً مما أنفق وبذل وأعطى، والآخر الذي أمسك وبخل وشح، يقول الملك: «اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً»، أتلف ماله. هذا المال الذي حرص عليه وأمسكه وبخل بإنفاقه بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، فأتلف هذا المال، يدعو عليه بالتلف والهلاك، يدعو عليه بالتلف والهلاك. ولهذا كان إخراج المال من الزكاة والصدقة من أسباب حفظ المال، من أسباب حفظ المال وكثرته ونمائه. وانظروا في قصة أصحاب الجنة التي ذكرها الله عز وجل في القرآن، لما أرادوا أن يمنعوا الزكاة للفقراء والمساكين وتواصوا على ذلك، عقبهم الله جل وعلا بإتلاف جنتهم. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: 17]، والجنة هي البستان، البستان الذي يكون ممتلئاً بالأشجار والثمار، الذي إذا دخل فيه الإنسان لا يرى ويستتر من كثرة أشجاره وأغصانه وثماره، ولذا سميت جنة الآخرة بذلك لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها، ومن دخلها اختفى ولم يُرَ. فهكذا سمى الله عز وجل هذا البستان لهؤلاء جنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: 17-18]، أقسموا أنهم سيذهبون إلى جنتهم ومزرعتهم فيقومون بحصاد زرعها، ويفعلون ذلك في الصباح، في الصباح قبل أن يأتي المساكين، ولا يستثنون، ما قالوا: حتى إن شاء الله. ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: 19-20]، قال ابن عباس: كالليل المظلم، أرسل الله جل وعلا عليها ناراً فأحرقها، أحرق هذه الجنة، فأصبحت كالصريم. ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ [القلم: 21-22]، أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين، فانطلقوا وهم يتخافتون: ﴿أَلَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: 23]، أسرعوا قبل أن يأتي المساكين فيأخذون نصيباً من هذه الجنة ومن هذا البستان، يتخافتون، يتكلمون بصوت خفيف فيما بينهم حتى لا يسمعهم أحد، لكن الله جل وعلا سمعهم من فوق سبع سماوات، فبعث الله عز وجل عليها جنداً من جنود فأحرقها عن بكرة أبيها، ﴿فَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25]، يعني أنهم قادرون على حصادها، عندهم الجد والعزم والقوة، فلما رأوها قالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: 26-27]، قال أوسطهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: 28]، قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [القلم: 29]، إلى آخر الآيات. انظروا كيف عقبهم الله سبحانه وتعالى فأهلك جنتهم، بسبب ماذا؟ قصدهم إلى منع الزكاة وإعطائها للفقراء والمساكين، فظنوا أن ذلك سبب في زيادة المال وفي توفية المال وتوفيره، وكان العكس، أن الله جل وعلا أهلك هذه الجنة وحرمهم جل وعلا منها، صاروا من المحرومين، ولم ينتفعوا بشيء منها. ولو أنهم فعلوا ما كان يفعله أبوهم كما ذكر أهل التفسير، كان يتصدق ويعطي الفقراء والمساكين، لبارك الله جل وعلا في هذه الجنة. قالوا: هي سبب لحلول البركة الإلهية فيه، بل هي سبب لزيادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39]، ما أنفقتم من شيء، وشيء نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، أي شيء تنفقه ولو كان قليلاً، فالله عز وجل يخلفه، يخلف لك خيراً، هذا الشيء القليل ينميه جل وعلا حتى يجعله شيئاً كثيراً. وفي حديث أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا تصدق العبد من كسب طيب، والله لا يقبل إلا طيباً، فإن الله يربيها بيمينه كما يربي أحدكم فلوه -أو قال: فصيله- حتى تكون مثل الجبل»، حتى تكون مثل الجبل. ربما تتصدق بمئة ريال، يجعلها الله عز وجل لك في الأجر بأجر مئات الآلاف، فضل من الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]، وقال جل وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال»، والحديث في مسلم: «ما نقصت صدقة من مال». لا تظن أنك إذا تصدقت أن مالك ينقص، لا، والله يجعل الله عز وجل فيه البركة، يجعل الله جل وعلا فيه البركة. وقد حدثني بعض إخواننا الفضلاء أن شخصاً كانت له مزرعة، وهو من أهل اليمن، له مزرعة، وكان إذا حصد حصاد هذه المزرعة -وأظنه براً أو شعيراً- يجمع الفقراء والمساكين فيعطيهم، مساكين أهل القرية، ويتصدق عليهم، ثم يأمر أولاده فيكيلون ما بقي من هذا البر، فيجدونه يعادل عشرين كيساً، لا ينقص عن ذلك، واستمر على ذلك سنين. فلما توفي وورث الأبناء أباهم، قالوا: لماذا نعطي هؤلاء فينقص ما معنا من حصاد هذه المزرعة؟ فأرادوا منعهم وفعلوا ذلك، لم يخبروهم عند حصاد تلك السنة، ولما جاءوا يكيلون الحصاد، وإذا به أقل من عشرين كيساً، كيساً أقل. قالوا: كيف نحن في السابق مع أبينا نعطي الفقراء والمساكين ونكيل ولا ينقص عن عشرين كيساً، وإذا في هذه المرة لما منعوهم إذا هي أقل، أقل بكثير؟ فعزموا على أن يرجعوا إلى ما كان يفعل أبوهم، فدعوا فقراء المساكين، فقراء القرية، وقسموا عليهم مثل ما كان يفعل أبوهم، صبوا الذي معهم كله، كوموه وعطوهم، بعد أن انتهوا كالوا الذي معهم، وإذا بها ترجع عشرين كيساً كما كانت، جعل الله سبحانه وتعالى فيها البركة كما كانت من قبل. قالوا: من آثارها الحميدة ما ذكره العلامة ابن القيم في هذا الموضع، من كونها سبباً في دفع البلايا والأسقام، أي الصدقة، الصدقة تدفع البلايا والأسقام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «داووا مرضاكم بالصدقات»، والحديث رآه العلامة الألباني رحمه الله: «داووا مرضاكم بالصدقات». فالمريض إذا حرص على الصدقة والإنفاق مع الصدق والإخلاص في ذلك، سيجد في ذلك أثراً عظيماً في معونته على الشفاء مما ابتلاه الله من المرض والسقم. قالوا: أن لها تأثيراً عجيباً في دفع البلاء، ودفع العين، وشر الحاسد، فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، يعني الذي يكثر من الصدقة والإحسان، يحميه الله سبحانه وتعالى من كيد الأشرار، فلا يؤثر فيه شر الحاسد، ولا عين العائن، ولا كيد الساحر. قال: وإن أصابه شيء من ذلك، إذ ابتلي بشيء من ذلك من العين أو السحر، قال: كان معاملة فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العافية والعاقبة الحميدة. انتهى كلام الإمام ابن القيم رحمه الله. يعني لو أنه ابتلي بشيء من ذلك، تكون إصابته به شيئاً يسيراً، شيئاً خفيفاً. تعرفون بعض المرضى يختلفون في إصابتهم بالمرض، منهم من تكون العين فيه قوية، تكون العين فيه قوية حتى ربما يكون طريح الفراش، أو يبتلى بشيء من الأمراض المستعصية كالسرطان ونحوها، ومنهم من تكون فيه العين خفيفة، تصاب، يصاب بالعين فيشعر بشيء من الضيق، يعني قليل، وآخر يكون أعلى من ذلك، فالمهم أن الناس يتفاوتون. فصاحب الصدقة والإحسان إن أصيب بشيء من ذلك، فتكون إصابته خفيفة، تكون إصابته بهذا المرض خفيفة، بسبب ما عنده من هذا العمل المبارك وهذا العمل الطيب، وهي الصدقة والإنفاق، فيكون معاملة باللطف من الله جل وعلا، والمعونة على هذا المرض، حتى يعافيه الله سبحانه وتعالى ويشفيه. فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياكم على طاعته، ونسأله سبحانه أن يسلمنا وإياكم من الأمراض والأسقام والأوجاع، وأن يشفي جل وعلا من ابتلي بشيء من ذلك من المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.