05 فضائل الأعمال في شهر الصيام - القيام

05 فضائل الأعمال في شهر الصيام - القيام

الدرس في 05 فضائل الأعمال في شهر الصيام - القيام، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل قيام الليل وأهميته

قيام الليل من العبادات العظيمة التي حث عليها النبي، وأخبر أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة هي صلاة الليل. يُعد قيام الليل سبيلاً لتحصيل الأجور الكثيرة.

أهمية الصيام والقيام في رمضان

الجمع بين الصيام والقيام في رمضان يُعد من العبادات التي تُغفر الذنوب وتُشفع لصاحبها يوم القيامة. يُبين أن كلاهما يشتركان في تحقيق المغفرة والشفاعة.

فضل الجمع بين الصيام والقيام وتأثيره

الجمع بين الصيام والقيام يصلح حال العبد ويجعله في مصاف الأنبياء والشهداء والصديقين. كما أنهما من العبادات الخفية التي لا يدخلها الرياء.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الإقرار بعلم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، خذوا من العبادات العظيمة، ومن القربات الجليلة، والتي يتحصل المسلم من ورائها على الأجور الكثيرة، ما يكون من عبادة قيام الليل، وهو أن يقطع المسلم من ليله جزءًا يصلي فيه لله جل في علاه. وإن قيام الليل، إخواني في الله، لهي شعار الأنبياء ودثار الأولياء، وهي من آكد السنن، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل». أفضل الصلاة، إذا أردت يا عبد الله أن ترتب الصلوات من حيث العلو والرفعة، فعلى رأسها المكتوبات، ومن ثم قيام الليل، أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل. ومن هنا حرص نبينا عليه الصلاة والسلام على ذلك، فقد كان من هديه ومن سنته أنه كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، صلوات ربي وسلامه عليه، لكثرة انتصابه لله قائمًا ساجدًا وراكعًا. وإنه عليه الصلاة والسلام حث الأمة ورغبها وحثها على هذه الشعيرة من شعائر الدين، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». فذكر عليه الصلاة والسلام أن من أعمال أهل الجنان، وهي من صفات أهل الإيمان، أن تكون من عباد الليل، ممن يقوم الليل لله جل في علاه. بل إن الشرع رغب في القيام ولو بأقل قليل، بعض الناس يرى أن القيام شيء مهول، إذ أنه يحتاج إلى الساعات الطوال، الأمر دون هذا، قال عليه الصلاة والسلام: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين». جاء في السنن، وحسنه الشيخ الألباني. علو الهمة تظهر يا عبد الله بفعلك في تعبدك لله سبحانه وتعالى، ففضل قيام الليل، إخواني في الله، أجره كثير جدًا، لو لم يكن فيه إلا ما كان من سجودك لله، السجود هيئة من أعظم الهيئات، من أجل القربات، أنك تضع جبهتك على الأرض لمن؟ لله. هذه بحد ذاتها عبادة، غاية الظل لله، أن تكون ساجدًا لله. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لذاك الصحابي: «واعلم أنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك خطيئة». فما ظنك بالذي يكثر السجدات في النوافل والطاعات، وفي قيام الليل؟ فعلى قدر السجدات يا عبد الله ترتفع المنازل العالية. إخواني في الله، لست في مقامي هذا أتتبع فضائل قيام الليل، وإنما المراد من ذلكم أني في هذا المقام أريد أن أبين على أن من الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها الصوام من المسلمين والمسلمات أن يحرص على قيام الليل، وهم في رمضان خاصة، إذا كان قيام الليل كما سمعت له من الدرجات العظيمة، ويعلى الدوام وفي سائر الأعوام. فما ظنك بقيام الليل في رمضان؟ فإن الأجر فيه يضاعف ويعلى أجره، وترتفع مرتبته. وإن من العجيب أنك تجد في بعض النصوص أن الصيام يأتي مع القيام، يأتي مع القيام، وهذا إن دل دل على مزية هذين العملين، وأن من توفيق الله أن الله جل وعلا يوفق عبده إلى الصيام والقيام. فمن تلكم النصوص التي جمعت بين الشعيرتين ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». فجمع نبينا عليه الصلاة والسلام بين شعيرتين عظيمتين في شهر رمضان، ألا وهما شعيرة الصيام، «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، وشعيرة القيام، قال: «ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا». الواحد منهم كفيل بمغفرة الذنب، «غفر له ما تقدم من ذنبه» في حق الصائمين، و«غفر له ما تقدم من ذنبه» في حق القائمين. فما ظنك بالذي يجمع الأمرين، يكون صائمًا قائمًا في رمضان؟ فإنه سيتحصل على عظيم المغفرة التي لا تخطر على بال. وهنا تأتي المسألة، لربما من حكمة الله عز وجل أن جمع بين الصيام والقيام، إذ أن الصيام محله في النهار، والقيام محله في الليل والمساء، وكأن الشرع يريد من الإنسان، وخاصة في رمضان، أن يكون في كل أوقاته مشغولًا بالله، في كل أوقاته مشغولًا بالله، فهو يقوم بالعبادة في أطراف النهار بالصيام، وآناء الليل بالقيام. كذلك من تلكم النصوص، قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في السنن: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي منعته من الطعام والشراب في النهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته من النوم في الليل فشفعني فيه». قال عليه الصلاة والسلام: «فيشفعان». الصيام يشفع، وذلك يوم القيامة إذا فتحت أبواب الشفاعة، فيشفع الأنبياء وتشفع الملائكة، ويشفع من يأذن الله لهم بالشفاعة، ومن ضمن من يشفع فيك أعمالك، أعمالك التي قمت بحصدها تشفع لك يوم القيامة، منها الصيام، يجسده ربنا جل وعلا، فيدافع عنك: «أي ربي منعته من الطعام والشراب فشفعني فيه». ويقول القرآن -هنا قال العلماء: القرآن هنا هو قيام الليل، نعم، وقع الخلاف بين الشراح، لكن الكثير من أهل العلم ذهب إلى أن القرآن هنا هو القيام- بدليل ما جاء في عذره، وقال القرآن: «منعته من النوم بالليل»، قال: وهذا لا يتأتى إلا في القيام، ما يتأتى إلا في القيام، فيقول القرآن: «منعته من النوم في الليل فشفعني فيه». قال عليه الصلاة والسلام: «فيشفعان». كما مر، الصيام لوحده مغفرة للذنوب، والقيام مغفرة للذنوب، فما ظنك إذا اجتمع؟ وهكذا يوم القيامة، الصيام شافع لصاحبه، والقيام شافع لصاحبه، فما ظنك إذا اجتمع؟ إذا كنت من عباد الله الصائمين القائمين، فإنك تتحصل على الشفاعة. كذلك من النصوص ما جاء في السنن من حديث عمر بن مر الجهني رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله، قال: «يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان، وقمته». الشاهد: «صمت رمضان وقمته»، جمع بين الصيام والقيام، قال: «فممن أنا؟» قال عليه الصلاة والسلام: «من مات على هذا كان مع النبيين، والشهداء، والصديقين». عليه الصلاة والسلام: «كان مع الشهداء والصديقين»، أعلى مراتب الجنان في حق من تمسك بأركان الإسلام ومبانيه العظام، وجمع مع الصيام القيام. قال: «وصمت رمضان وقمته»، أي بقيامه في هذه الأيام المعدودة، قال: «من مات على هذا استمرًا على العبودية، على هذا المنوال»، قال: «كان مع الصديقين والشهداء»، فعلو المنازل، إخواني في الله، يتحصل عليها بأن تكون في مصاف الأنبياء والشهداء والصديقين، وحسن أولئك رفيقًا، بتمسكك بالصيام والقيام. فهكذا يا عبد الله تجد أن الإسلام يجمع بين الصيام والقيام، لما فيها من شغل الأوقات بأن تكون ذاكرًا لله آناء الليل وأطراف النهار. زد على ذلك أن الصيام والقيام من العبادات اللازمة، أي أن العبد هو الذي ينتفع منها، ما تعدوك إلى الخارج، وإنما أنت الذي تنتفع منها، فيها إشارة إلى أن العبد في رمضان خاصة يهتم بإصلاح نفسه، ويهتم بإصلاح قلبه، وذلك أنه يصوم فيعود صومه لنفسه وإلى رقة قلبه، ويعود القيام الذي يصليه بينه وبين الله يعود إلى نفسه، لما يكون من وعظه وانزجاره، وبهذا يصلح حاله. فإذا خرج من رمضان خرج بعد رمضان على أحسن الأحوال. زد على ذلك أن الصيام والقيام من العبادات الخفية، من العبادات الخفية، فصلواتك في الليل من الذي يعلم بها؟ فنحن في المسجد -دعونا من رمضان- في المسجد في طوال الأعوام، يأتي من يأتي ويصلي ويماشيك، وفي السوق طبعًا معه، من الذي يدريك أن فلانًا قام من الليل أو أن فلانًا ما قام؟ ما أحد يدريه؛ لأن من العبادات في جوف الليل خفية، خفية. وهكذا الصيام، ما أحد يعلم بحال الصائمين، دعك من رمضان، في طيلة الأعوام، لربما تدخل إلى المساجد، إلى الأسواق، إلى المدارس، إلى المحلات، وتعاشر إخوانك وزملاءك، لربما واحد منهم يصوم وله مدة طويلة على الصيام في يوم الاثنين والخميس، وأنت لا تشعر به؛ لأنك تأتيه في الصباح ثم تتفرق وهو صائم وأنت لا تعلم بصيامه. حتى قال الإمام أحمد: «إنما الصيام لا يدخله الرياء»، لماذا؟ لا يدخله الرياء؛ لأنه أمر خفي، سأبقى هنا وأنظر إلى فلان يمشي وفلان يمشي وفلان يمشي، هل بإمكاني من خلال النظر أني أحكم أن هذا فاطر، أن هذا مفطر، وهذا صائم؟ ما يمكن؛ لأن الصوم عبادة خفية. فلما جمع الشرع بين الصيام وهي عبادة خفية، وبين القيام وهي عبادة خفية، فهذه تربية لنا على أنك يا عبد الله في تعبدك تكون في خفاء، لا أحد يعلم به، إن الله يحب العبد التقي الخفي النقي، كما قال عليه الصلاة والسلام: «وفي الذين يظلهم الله في ظله: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». الخفاء. الحاصل، إخواني في الله، أن الجمع بين الصيام والقيام له حكم عظيمة، هذا إخواني في الله ما أذكره، وإلا فبقية مسائل متعلقة بصلاة القيام، من التراويح والتهجد، يُجْلى الحديث عنها إلى يوم غد. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.