الدرس في كتاب الزكاة 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع أحاديث نبوية تبين أن أفضل الصدقة جهد المقل، ويوضح ترتيب الأولوية في الإنفاق بدءاً بالنفس ثم من يعول، كما يبين أحكام إنفاق المرأة من مال زوجها والفرق بين الإذن اللفظي والعرفي، مع تأكيد أن الأجر لا ينقص ببعضهم بعضاً.
يوضح المقطع جواز صدقة المرأة على زوجها وولدها سواء كانت واجبة أو تطوعاً، لأن النفقة غير واجبة عليها، ويبين خلاف العلماء في إعطاء الزكاة للوالدين والأولاد، والراجح جوازها إذا لم تكن نفقة واجبة، كما يذكر أحاديث تحرم السؤال والتكاثر من أموال الناس بغير ضرورة.
يبيّن المقطع حرمة السؤال للتكاثر وجوازه فقط في حالات الضرورة كتحمل الحمالة، أو الفاقة الشديدة، أو الجائحة المذهبة للمال، مع اشتراط الكف عند حصول الحاجة، كما يحث على العمل والكسب الحلال حتى لو كان حقيراً صيانة للوجه عن ذل المسألة، ويوضح أن السؤال مذلة في الدنيا وعذاب في الآخرة، مستثنياً سؤال السلطان أو الصالحين في حال الحاجة الملحة.
يبيّن المقطع أن الحديث الوارد في النهي عن السؤال ضعيف لجهالة رواته، ويؤكد أن سؤال الناس لا يجوز إلا للضرورة القصوى، مختتماً باب صدقة التطوع.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولا. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: الحديث السابع والستون بعد سبعمائة. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل، وابدأ بمن تعول». أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. نعم، هذا الحديث فيه أن أفضل الصدقة جهد المقل، يعني من عنده الشيء القليل وأحب أن يتصدق، وأحب أن يتصدق فلا حرج عليه في ذلك، وتكون صدقته يعني لها أجر عظيم. ومثل هذا الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سبق درهم مئة ألف درهم، غلب درهم مئة ألف درهم»، أو «سبق درهم مئة ألف درهم». كيف ذاك؟ رجل عنده درهمان وتصدق بأحدهما، فهو الآن تصدق بنصف ماله، وآخر عنده أموال كثيرة أخرج جزء منه، أخرج مئة ألف، فهذا الذي أخرجه يعتبر شيء قليل من نسبة لما معه، وهذا الذي صدق بدرهم تصدق بنصف ماله، فكان يعني أجره عظيم. هذا معنى الحديث: «سبق درهم مئة ألف درهم». وعند النسائي: «مثقل بذل». وهذا معنى أفضل الصدقة جهد المقل، يعني أن يبذل الإنسان من الصدقة بقدر استطاعته وطاقته ولو كان شيئا يسيرا. و«ابدأ بمن تعول» هو مر معنا الكلام على ذلك في الحديث الماضي. قال: الحديث الثامن والستون بعد السبع مئة. وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا». فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار. قال: «تصدق به على نفسك». قال: عندي آخر. قال: «تصدق به على ولدك». قال: عندي آخر. قال: «تصدق به على زوجتك». قال: عندي آخر. قال: «تصدق به على خادمك». قال: عندي آخر. قال: «أنت أبصر». رواه أبو داود، وصححه ابن حبان. هذا فيه: في هذا الحديث أن الإنسان إذا أراد يتصدق، أولا يبدأ بنفسه، يبدأ بنفسه يسد حاجة نفسه من مأكل أو مشرب أو ملبس إلى آخره، فإن زاد شيء عن حاجة نفسه تصدق على أولاده، فإن زاد شيء تصدق به على زوجته، فإن زاد تصدق به على خادمه، فإن زاد بعد ذلك شيء فهو أبصر به، يعطيه لمن يرى أنه يستحق ذلك. فهذا الحديث فيه الحث أن يتصدق الإنسان على نفسه، ومن يعول، ومن يعول وينفق عليه من زوجة وأولاد وخادم، وهم أولى بالإحسان من غيرهم، فإن سد حاجتهم وزاد معه شيء من المال فيضعه حيث يرى أن المكان المناسب والشخص المناسب لذلك. قال: الحديث التاسع والستون بعد السبعمائة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا». متفق عليه. هذا الحديث فيه بيان أن المرأة إذا أنفقت من طعام بيتها لكن غير مفسدة، يعني من غير إفساد لطعام بيتها، تنفق بالشيء اليسير الذي لا يضر بحاجة بيتها وحاجة زوجها وأولادها، فلها أجرها بما أنفقت، لها أجر بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، أي هذا المال والطعام، وللخادم مثل ذلك، يعني مثل الأجر، وإن كان دون أجر المكتسب. للخازن، أي حافظ للمال، أجره بكونه يحفظ هذا المال، «مثل ذلك» يعني مثل الأجر، لكن أجره دون أجر المكتسب. المقصود «مثل ذلك» يعني له أجر ونصيب من الأجر. «لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا» يعني كل واحد له أجره. هذا الحديث فيه حث على الإنفاق والبذل، ولو أن تنفق المرأة من طعام بيتها ومما يأتي لها الزوج، لكن من غير أن تضر وتفسد بيتها بالإسراف والتبذير، إذا كان بالشيء اليسير الذي لا يضر فلا بأس. وهذا يحمل على أن لها إذن في ذلك، إما إذن لفظي من الزوج، أو إذن عرفي. الإذن اللفظي أن يأذن لها بأن تطعم وتتصدق، والإذن العرفي بما جرت به العادة والعرف، مثلا يأتي الجيران يقولون: نريد بصل، تعطيهم بصلة بصلتين ثلاث، نريد مثلا طماطم، نريد كذا، أشياء اللي جرى بها العرف أن الجيران يسأل بعضهم بعضا، لا بأس بذلك، ما يحتاج تقول: نسأل نستأذن الزوج، هذا الشيء يعني فيه إذن عرفي بما جرى به العرف، وليس فيه هذا إفساد، هذا من باب الإحسان، ولها الأجر، ولزوجها الأجر، لها أجر بما أنفقت، وللزوج أجر بما اكتسب. نعم. قال: الحديث السبعون بعد السبع مئة. وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته في عام حجة الوداع يقول: «لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها». قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: «وذاك أفضل أموالنا». رواه الترمذي وحسنه، وهذا الحديث صحيح. هذا الحديث فيه أن المرأة لا تنفق شيئا من بيت زوجها إلا بإذنه، إلا بإذن من الزوج. بعض أهل العلم حمل هذا إذا كان الزوج بخيلا تعرف أنه ما يرضى، فلا تنفق شيئا إلا بإذنه، إلا إذا أذن لها. ويحمل الحديث الأول ما إذا علمت أن زوجها يرضى ويأذن وتطيب نفسه بذلك، فلا تحتاج أن تستأذنه. وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أنفقت المرأة بغير إذنه فلها نصف أجره، نصف أجر الزوج». وهذا إذا علمت منه يعني طيب نفسه بذلك وأنه لا يمنع، وتعلم منه الكرم والجود، فلا بأس، على أن تحرص على أن تستأذن، كما قلنا: إما أن يكون معها إذن لفظي، أو يكون معها إذن عرفي. فإن حصل أنها أرادت أن تنفق شيئا من الطعام ولم تستأذن زوجها، لكن تعلم منه، تعلم منه يطيب نفسه بذلك، أو يعني عندها إذن كما يقال إذن عام أو مجمل، فلا بأس أن تنفق من طعام بيتها غير مفسدة وتؤجر على ذلك. قال: الحديث الحادي والسبعون بعد السبعمائة. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت زينب امرأة ابن مسعود فقالت: يا رسول الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، حلي يعني من ذهب أو فضة، ما تلبسه المرأة من الخواتم والأساور ونحوها. قال: فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم». رواه البخاري. نعم، هذا الحديث فيه جواز تصدق المرأة على زوجها وولدها، أن تتصدق المرأة على زوجها وولدها، وأن الصدقة على الزوج والولد يعني أولى من الغريب والبعيد، فالصدقة على القريب صدقة وصلة. واختلف أهل العلم في هذه الصدقة: هل هي واجبة أو مستحبة؟ هذه الصدقة التي أرادت أن تتصدق بها امرأة ابن مسعود، هل هي صدقة واجبة أو هي صدقة مستحبة، صدقة تطوع؟ فمن أهل العلم من قال: هي صدقة تطوع، وهذا لا إشكال فيه أنه يجوز أن تعطي زوجها وولدها. لكن من قال بأنها صدقة واجبة، قال بعضهم: كيف تكون واجبة وهي ستعطي الزوج، ثم الزوج سينفق عليها من هذه الصدقة، وحينئذ تعود نفع هذه الصدقة عليها؟ فقالوا: إذن تحمل الصدقة هنا على صدقة التطوع. والصحيح أن هذه الصدقة يحتمل أن تكون واجبة، ويحتمل أن تكون مستحبة، وكلا الأمرين جائز. يجوز للمرأة أن تتصدق الصدقة الواجبة على زوجها وولدها، لو عندها زكاة، زكاة الذهب مثلا، وأرادت أن تتصدق به، وزوجها محتاج، لا بأس أن تعطي زوجها. لماذا يجوز؟ يجوز لأنها لأن المرأة لا يجب عليها أن تنفق على زوجها ولا على ولدها، وإنما الممتنع أن يعطي صاحب الصدقة من يجب عليه نفقته، كالولد لأبيه، والوالد لولده. أما الزوجة فلا يجب عليها أن تنفق على زوجها ولا على ولدها، فيجوز أن تدفع الصدقة إليهم. ولهذا ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الصدقة في هذا الحديث هي الصدقة الواجبة، هي الصدقة الواجبة، والجمهور على جواز إعطاء المرأة صدقتها لزوجها وولدها، وخالف في هذا أبو حنيفة. طيب، وهناك مسألة أخرى: هل يعطي الرجل زكاته لزوجته؟ لا يجوز، نعم لا يجوز، ونقل ابن عبد البر الإجماع والاتفاق على عدم الجواز. لماذا؟ لأن الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته. طيب، هل يجوز للرجل أن يدفع زكاته لوالديه؟ أو الوالد يدفع زكاته لولده؟ يجوز؟ أما الولد لوالده يجوز، الأب لولده؟ الولد لوالديه يجوز؟ جمهور أهل العلم: ما يجوز. لماذا؟ قالوا: لأنه يجب على الأصول أن ينفقوا على الفروع، ويجب على الفروع أن ينفقوا على الأصول، فلا يجوز أن يعطي الولد زكاته لوالده، ولا الوالد زكاته لولده. هذا هو الأصل، هذا هو الأصل أنه لا يجوز. لماذا؟ قالوا: لأنه إذا دفع الزكاة إليه فهو سيسقط النفقة الواجبة عليه، ويحسبها من الزكاة، فتكون إعطاءه من الزكاة مسقطة لواجب عليه وهي النفقة. لكن إذا كان لا ينفق أحدهم على الآخر، الولد لا ينفق على أبيه، ولا الأب ينفق على ولده، ففي هذه الحال يجوز أن يدفع كل واحد منهم الزكاة للآخر. وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله ابن تيمية وجماعة، وهذا هو الصواب. لماذا؟ لأن هنا العلة منتفية، علة إسقاط النفقة بالزكاة غير موجودة هنا، لأنه لا ينفق عليه أصلا، والمقتضي موجود وهو كون أحدهما محتاج، وبدل من يعطي الولد زكاته للغريب البعيد وهو يرى أباه يحتاج ومسكين وهو أولى بالصدقة من غيره، ففي هذه الحال يجوز أن يدفع إليه الزكاة. لكن العسل ليس واجب؟ العسل؟ لأن الأب للولد ليس عليه واجب أن ينفق إلا إذا كان يستطيع، إذا كان غنيا وأبوه فقير يجب عليه أن ينفق عليه، والعكس كذلك، إذا كان الأب غنيا والابن فقير يجب أن الأب أن ينفق على ولده. نعم، الله يقول: «على الوارث مثل ذلك» يعني من النفقة. فقال أهل العلم: كل شخص يرث قريبه إذا مات وهو غني وقريبه فقير واجب عليه أن ينفق عليه. قال: الحديث الثاني والسبعون بعد سبعمائة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم». متفق عليه. هذا الحديث فيه يعني ذم المسألة وبيان حرمتها، كون الإنسان يسأل الناس من غير ضرورة، فهذا يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم. قيل: يأتي ذليلا، وقيل: أنه يبعث عظاما لا لحم فيه، وهذا هو ظاهر الحديث، هذا هو ظاهر الحديث أنه يبعث وليس في وجهه مزعة لحم، يعني عقوبة على هذه المسألة التي حصلت منه. ففي هذا الحديث تحريم المسألة، أن يسأل الإنسان غيره وهو غير مضطر لذلك. قال: الحديث الثالث والسبعون بعد السبعمائة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يسأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر». رواه مسلم. «من يسأل الناس أموالهم تكثرا» يعني يتكثر بها، يعني كما يقال: أخذها مهنة، أخذ السؤال والشحاذة مهنة، يتكثر بها، يجمع الأموال. فمفهوم المخالفة: أنه إن سأل ليس تكثرا، وإنما ليسد حاجة، هذا جائز إذا كان مضطرا للسؤال، ما عنده شيء، خشي على نفسه من هلاك، وعلى أولاده، أراد أن يعمل، ما وجد عمل، ما أحد شغله، فلا بأس أن يسأل الناس، يسد حاجته، هذه ضرورة، ولم يسأل تكثرا، وإنما يسأل ضرورة وسد حاجة، هذا ما يدخل في الحديث. قال: «فإنما يسأل جمرا»، هذا الذي يسأل الناس تكثرا إنما يسأل جمرا. قال أهل العلم: يحتمل أنه يعذب بهذه المسألة في النار، وقيل: أن هذا الذي سأله وأخذه من المسألة يصبح جمرا يوم القيامة يعذب به، يعذب به. قال: «فليستقل أو ليستكثر»، هذا من باب التهديد، هذا أمر من باب التهديد والوعيد. «فليستقل» يعني ليقلل من هذه المسألة، أو «ليستكثر» منها، فإنما آله وعقوبته ماذا؟ أن يعذب بها يوم القيامة، وتكون جمرا يكوى بها يوم القيامة، كمانع الزكاة الذي تنقلب عليه أمواله، ماذا؟ عذابا يوم القيامة. قال: الحديث الرابع والسبعون بعد سبعمائة. وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». رواه البخاري. هذا الحديث يحث على العمل والتكسب، وأن الإنسان يعمل ويكتسب حتى لا يذل نفسه بالمسألة وسؤال الناس. «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب» يعني يذهب يحتطب ويجمع له حطبا ويحمله على ظهره، ولو كان في هذا العمل شيء من امتهان لنفسه، لكن هذا خير له من أن يسأل الناس، «فيكف الله بها وجهه» يعني عن المسألة، «خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه»، يعني إذا سأل إما أن يعطى وإما أن يمنع، فخير له من ذلك أن يعمل ويسد حاجته بهذا العمل. فهذا الحديث فيه الحث على الاكتساب والعمل المباح الذي يسد به المرء حاجته. قال: الحديث الخامس والسبعون بعد السبعمائة. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطانا، أو في أمر لا بد منه». رواه الترمذي وصححه، والحديث صحيح. هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المسألة كد، يكد بها الرجل وجهه، يعني مذلة، يذل بها الإنسان نفسه، وأيضا مع ما يحصل له في الآخرة من ذهاب اللحم من وجهه، يبعث وليس على وجهه مزعة لحم، فهي كد، يعني في الدنيا بالمذلة والمهانة، وفي الآخرة بتلك الصورة البشعة التي يبعث بها. تخيل ترى إنسان جسده كله فيه لحم، إلى وجهه عظام، كيف يكون منظره؟ منظر مخيف، هكذا حال هذا السائل. قال: «إلا أن يسأل الرجل سلطانا» يعني الحاكم والرئيس. لماذا؟ لأن كل إنسان له حق في بيت المال، فلو سأل الحاكم والسلطان فيجوز له ذلك، على أن التعفف عن ذلك أفضل، التعفف عن ذلك أفضل، لكن يجوز إذا كان له حاجة. وضيئة أن التعفف أفضل. حديث حكيم بن حزام لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام، أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتعفف عن السؤال، فما سأل حكيم بعد ذلك أحدا بعد النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إن عمر كان يقول له: تعال خذ الذي لك، فيأبى، فيأبى أن يأخذه، وقد يعني عاهد نفسه أنه لا يأخذ شيئا بعدما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، يعني قال له: «من يستعفف يعفه الله». الحديث. قال: «أو في أمر لا بد منه» يعني إذا كان سيسأل الإنسان في أمر لا بد منه، عنده أمر ضروري، هذا جائز. طيب، ما هذا الأمر الذي لا بد منه؟ بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قبيصة في مسلم. قال: قبيصة لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بأنه تحمل حمالة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك. تحمل حمالة يعني مثلا حصل قتال بين قبيلتين، فتحمل الديات، قال: أنا عليها، هذه الدية سأتحملها حتى يكفوا عن القتال، فله أن يذهب يسأل حتى يأتي بقيمة هذه الدية التي تحملها. قال: ورجل أصابته فاقة، يعني أصابته حاجة وجوع وفقر، حلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش. ورجل اجتاحت أمواله جائحة، رجل كان غنيا ثم افتقر، أصابت أمواله جائحة، فحلت له المسألة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا، يعني من ذوي العقول والعقلاء من قومه: إن فلانا أصابته فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش. وما سواها من المسألة، يا قبيصة، سحت، يأكله صاحبه سحتا». غير هذه الثلاثة هو من أكل أموال الناس بالباطل. إذن ما هي الثلاثة التي يجوز الإنسان أن يسأل؟ إذا تحمل حمالة، أو أصابته فاقة، أصابه الجوع والشدة والحاجة، أو افتقر بعد الغنى، افتقر بعد الغنى، فشهد ثلاثة من قومه من ذوي الحجا والعقول أنه كذلك، حلت له المسألة حتى يجد ما يسد حاجته، ثم يقف ويمتنع. فهذا الحديث يفسر مجمل قوله: «أو في أمر لا بد منه». قال: الحديث السادس والسبعون بعد سبعمائة. وعن ابن الفراسي أن الفراسية قال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسأل يا رسول الله؟» قال: «لا، وإن كنت سائلا لا بد، فاسأل الصالحين». يعني يسأل أهل الصلاح. هذا الحديث فيه أنه يجوز سؤال الصالحين. هو الحديث ضعيف، لا يصح، هذا الحديث لا يصح، فيه ابن الفراسي هذا، ومسلم بن مخشي الراويان، وهما مجهولان، وهما مجهولان، الحديث ضعيف لا يصح، فلا يجوز سؤال أحد، لا من الصالحين، ولا غير الصالحين، لا يجوز إلا للضرورة كما سمعتم، فهنا تحل المسألة، وإلا فالواجب هو الكف وعدم السؤال. طيب، هذا آخر ما يتعلق بهذا الباب، باب صدقة التطوع. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.