الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أحاديث صحيحة تثبت شفاعة القرآن والصيام للعامل بهما يوم القيامة، مع توضيح أن الشفاعة حقيقة يجسد الله فيها ثواب الأعمال. ويؤكد أن القرآن شافع مشفع لمن جعله أمامه وعمل به حفظاً وتلاوة وقياماً.
يسرد المقطع أدلة من السنة النبوية على شفاعة القرآن لأصحابه، وخصوصاً سورة الملك، ويبين فضل ترديد الأذان والصلاة على النبي لطلب الوسيلة. ويشير إلى أن من استجاب للأذان ودعا بالوسيلة نال شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
يبيّن المقطع صيغة الصلاة الإبراهيمية والدعاء بعد الأذان المشروع، محذراً من زيادتين شاذتين هما «إنك لا تخلف الميعاد» و«اللهم آتي سيدنا محمد». ويؤكد وجوب التزام اللفظ النبوي في الأذكار المقيدة دون زيادة بالرأي أو العاطفة.
يحث المتحدث على الحرص على الطاعات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لنيل الشفاعة يوم القيامة، داعياً الله التوفيق ومطالباً بالاشتراك في القناة. ويؤكد أن القيام بهذه العبادات يرجى بها الشفاعة والفضل العظيم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، ففي هذا المقام إن شاء الله تعالى نأخذ ما يتيسر من أسباب الشفاعة. فلا شك أن المسلم يطمع أن يشفع له يوم القيامة، فينال المسلم تلك الشفاعات المتقدمة بأعمال وكذلك بأوصاف ينبغي أن يتحلى بها. فمن ذلك أولاً: شفاعة القرآن والصيام. فمن كان حافظاً للقرآن أو لبعض القرآن وعاملاً به، وكذلك ممتثلاً لأمره مجتنباً لنهيه، فهذا يرجى أن يشفع فيه هذا القرآن. وكذلك الصيام، من كان محباً للصيام ومكثراً منه، فيرجى أن يشفع له يوم القيامة. وعلى ذلك أدلة كثيرة، فمن ذلك ما أخرجه أحمد والطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان». فيشفعان. هذا الحديث رواه كما تقدم أحمد والطبراني في الكبير، وحسن إسناده أو صححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب وفي غيرها من كتبه. وكذلك هذا الحديث، علق عليه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عند قوله: «فيشفعان فيشفعان»، فقال في تعليقه: أي يشفعهم الله فيه ويدخله الجنة، ويدخله الجنة، ويدخله الجنة. ثم نقل عن المناوي قوله: أي أن المناوي قال: وهذا القول أي «فيشفعان» يحمل بأنه حقيقة بأن يجسد ثوابهما ويخلق الله فيه النطق، والله على كل شيء قدير، ويحتمل أنه على ضرب المجازي والتمثيل. هذا قول المناوي. فعلق الإمام الألباني عليه رحمة الله، قال: قلت، والأول هو الصواب. ما هو الأول؟ القول الأول أنه حقيقة، يجسد أو تجسد هذه الأعمال، يجسد ثوابها ويخلق الله عز وجل فيها النطق فتتكلم، والله على كل شيء قدير. هذا هو الصواب. قال: والأول هو الذي ينبغي الجزم به هنا وفي أمثاله من الأحاديث التي فيها تجسيد الأعمال ونحوها، كمثل أو كمثل تجسيد الكنز شجاعاً أقرع ونحو ذلك من الأحاديث. ثم قال: وتأويل مثل هذه النصوص ليس من طريقي أو من طريقة السلف، يعني أنت أول بالمجاز لا بالحقيقة، هذا ليس من طريقة السلف رضي الله عنهم، بل هو طريقة المعتزلة والعقلانيين ومن سلك سبيلهم من الخلف، وذلك مما ينافي أول شروط الإيمان وهو الإيمان بالغيب في قوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾. ثم حذر الألباني عليه رحمة الله من هذا المسلك، فقال: فحذار أن تحذوهم فتضل وتشقى والعياذ بالله. فإذن هذا الحديث صريح في شفاعة القرآن وشفاعة الصيام، فهنيئاً هنيئاً لمن اعتنى بهذا الكتاب العزيز حفظاً وتلاوة وعملاً وقياماً. لأنه جاء في هذا الحديث أن القرآن ماذا يقول؟ منعته النوم بالليل. كيف منعه النوم بالليل؟ يعني أنه يقوم بهذا القرآن يصلي، يقرأ هذا القرآن في صلاة الليل، فهو من أهل القيام، فهو من أهل القيام، فيقرأ ما تيسر له في صلاته مما يحفظ من هذا الكتاب العزيز. وكذلك جاء في صحيح الترغيب والترهيب عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن شافع مشفع وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار». قال شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه الشفاعة: الحديث حسن، أي حسن هذا الحديث. وكذلك حسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب. والشاهد من هذا الحديث: القرآن شافع مشفع، شافع مشفع، فدليل على أن من أسباب الشفاعة القرآن. كيف شافع؟ شافع لمن قام بهذا الكتاب، ليس لكل أحد، وإنما لمن قام بهذا الكتاب، جمعاً بين الأدلة. فقد جاء في الحديث الذي سمعت، هو الحديث قرأناه في هذا الباب، أن القرآن يقول: منعته النوم بالليل، أي أنه عامل بهذا القرآن، قائماً به في الليل. وكذلك من هذه الأدلة التي تدل على شفاعة القرآن ما جاء في سنن أبي داود وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في القرآن، إن في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾». هذا الحديث ثبت في فضل هذه السورة، فهو في صحيح سنن أبي داود للعلامة الألباني، صحيح في صحيح أبي داود، فهو حديث ثابت، ويدل على هذا السبب وهو أن القرآن يشفع لأصحابه، يشفع لأصحابه. بل ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه». اقرؤوا القرآن، ليس مجرد تلاوة، وإنما المراد بالقراءة هنا العمل، العمل بهذا القرآن، وكذلك تدبر هذا القرآن والانتفاع به. فالمراد بأصحابه هم الذين كانوا يقرؤونه في الدنيا ويعملون به، هم الذين كانوا يقرؤونه في الدنيا ويعملون به، فهؤلاء هم أصحاب القرآن. اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه. فكل هذه الأحاديث تحثنا على الاعتناء بالقرآن وأنه كتاب مبارك، ومن بركة هذا القرآن أنه يشفع يوم القيامة لأصحابه، أنه يشفع يوم القيامة لأصحابه. وكذلك من أسباب الشفاعة: الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى وسلم، وطلب الوسيلة له بعد الأذان، والحرص على هذا الدعاء. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، قال: ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة». فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة. يعني إذا أذن المؤذن لا تنشغل بالكلام، ولا تنشغل بالجوال، وعدم الانتباه للمؤذن، فهذه عبادة عظيمة ثوابها نيل الشفاعة، شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالذي ينبغي أنك إذا سمعت المؤذن، وهذا تفعله في اليوم خمس مرات في الخمس الصلوات، ينادى بها دون الأذان الذي هو لغير الصلاة كالأذان الأول لصلاة الفجر، نعم. فحاول أن تقول مثل ما يقول المؤذن، ولا تنشغل بشيء غير ذلك. فلذلك كان العلماء حتى لو استفتوا عند سماع الأذان لا يفتون، ويسجرون السائل، يسجرون السائل، كما نقل ذلك عن العلام ابن باز عليه رحمة الله، نقل ذلك عنه الشيخ عبد الرزاق البدر أنه قال: ذات مرة جئت لأسأل العلام ابن باز وقد أذن المؤذن، فلما بدأت بالسؤال قال له: أذان، أذان يا بني، قل مثل ما يقول المؤذن، بعد الأذان، أذان، وزجره، وبدأ يقول عليه رحمة الله مثل ما يقول المؤذن. فإذا كان هذا في استفتاء ففي غيره من باب أولى، أن تتحدث مع صاحبك في كلام جانبي، فلا حرج عليك أن تقول له: انتظر إلى أن يسكت المؤذن حتى تنال هذه الفضيلة، لا تزهد فيها ولا تتكاسل أو تتساهل في قولها. إذا أذن المؤذن تردد مثل ما يقول المؤذن، قال: الله أكبر، قل: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، قل: أشهد أن لا إله إلا الله، إلا إذا قال: حي على الصلاة، فتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك حي على الفلاح. وأما الباقي فتقول مثل ما يقول المؤذن. فإذا انتهى، صلي على النبي بأي صيغة يحصل بها المقصود من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو أن تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، يكفي هذا، هذا تسمى صلاة. والأفضل أن تأتي بالصلاة الإبراهيمية فإنها أتم وأكمل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. هذا الأفضل والأتم والأكمل. لكن إذا أنت مستعجل أو كذلك يعني لربما تتكاسل إذا رأيت طول هذه الصلاة، فلا حرج عليك أن تأتي بصلاة مختصرة، ولو أن تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. ثم تقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتي محمداً، آتي محمداً الوسيلة والفضيلة. وهذا يدل عليه أيضاً حديث آخر ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتي محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعة يوم القيامة». حلت له شفاعة يوم القيامة. فهذا هو الثابت في هذا الذكر بعد الأذان، بعد الأذان. وتعلمون أن الذكر في العبادات خصوصاً العبادات الخاصة موقوف، يعني لا يزاد عليه. ولذلك نبه العلماء على بعض زيادات يذكرها بعض الناس في مثل هذه الأذكار وهي لم تصح عنه عليه الصلاة والسلام، ومن نبه على ذلك العلامة الألباني عليه رحمة الله. فبعد ذكره لهذا الحديث قال: تنبيه، في الحديث زيادتان كلتاهما شاذة، والشاذ من قسم الحديث الضعيف. أي في هذا الحديث زيادتان شاذتان لا تثبت في هذا الذكر، فلذلك لا ينبغي للذاكر أن يأتي بهما. ما هما هاتان الزيادتان الشاذتان؟ قال: الأولى عند البيهقي: «إنك لا تخلف الميعاد». هذا كثير من الناس يأتي بها بعد ما يقول، يعني في هذا الذكر: «وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته»، يقول: «إنك لا تخلف الميعاد». هذه اللفظة لم تثبت في صحيح البخاري، وإنما جاءت عند البيهقي خارج الصحيح، خارج صحيح البخاري، وهي لفظة شاذة وزيادة شاذة، من الذي شد بها؟ قالوا: شد بها محمد بن عون الطائي، وقد خالف عشرة، خالف عشرة لم يذكر هذه الزيادة، فحكم أهل الحديث على هذه الزيادة بالشذوذ. هذه الزيادة الأولى. أما الزيادة الثانية فهي لفظة السيادة، أي: «اللهم آتي سيدنا» أو «آتي سيدنا محمداً». فالسيادة في هذا الذكر لم تثبت، لم تثبت، فهي أيضاً لفظة شاذة، شذ بها عبد الرحمن بن عمر الدمشقي عند الطحاوي، ليست في الصحيح، وإنما هي عند الطحاوي، فشذ بها كذلك عن عشرة من الثقات الأثبات، فحكم أهل الحديث أيضاً على هذه الزيادة بالشذوذ. ثم قال العلامة الألباني عليه رحمة الله: وهو بأبي وأمي، أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سيدنا، ولكن الأحوط في العبادات ألا نعمل بما إلا بما علمنا عليه الصلاة والسلام، فالدين ليس بالرأي وليس بالعاطفة. لأن بعضهم يقول لك: إيش في سيدنا؟ هو سيدنا محمد، ليش أنتم ما هو سيدكم محمد؟ سبحان الله. في غير الأذكار المقيدة لا بأس أن تقول: سيدنا، في غير الأذكار المقيدة: اللهم صل على سيدنا محمد، لا بأس أن تقول ذلك، نعم. أما في الأذكار المقيدة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبات أو في الصلاة أو كذلك بعد الأذان أو نحو ذلك، فمن كان يحب النبي عليه الصلاة والسلام ويتبع رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه يقتدي به في ذلك، يقتدي به في ذلك. فإذن هذا هو المشروع عندما تسمع المؤذن: تصلي على النبي أولاً، تردد مثل ما يقول المؤذن، إلا في: حي على الصلاة، حي على الفلاح، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تدعو بهذا الدعاء، تدعو بهذا الدعاء الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتي محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته». هذا الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك يرجى له أو ترجى له الشفاعة، إلا حلت له شفاعة يوم القيامة. فنحرص أيها الإخوة على مثل هذه الطاعات والعبادات التي بها ننال هذا الأمر العظيم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى، نسأل الله، اشتركوا في القناة.