الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 88، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الحديث النبوي الذي يدل على تفضيل العرب وتفاوت درجات الناس حسب قبائلهم وبيوتهم. يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم من خير الخلق وأفضلهم نسبا.
يناقش تفضيل العرب على العجم ويشرح حديثا ضعيفا حول محبة بني هاشم وقريش، ويبين اضطراب هذا الحديث في الإسناد والمتن. يظهر ضعف الحديث في سنده ومتنه.
يناقش اضطراب رواة الحديث ويستشهد بحديث الأوزاعي في اصطفاء الله لبني هاشم، ويبين دلالة الحديث على فضل قريش وبني هاشم. يكمل الكلام حول تفضيل جنس العرب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال وروى الترمذي من حديث الثوري عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن المطلب بن أبي وداعة -وهو تابعي- أو المطلب بن أبي وداع -وهو صحابي من مسلمة الفتح، وهو سهمي بن سهم- قال: جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه سمع شيئا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر: «من أنا؟» قالوا: «أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب». ثم قال: «إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا». قال الترمذي: هذا حديث حسن. كذا وجدته في الكتاب. والصواب: «فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا». وهذا الحديث أيضا فيه يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيف. قال رحمه الله: وقد روى أحمد هذا الحديث المسند من حديث الثوري عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن أبي وداعة قال: قال العباس رضي الله عنه: بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس، قال: «فصعد المنبر فقال: من أنا؟» قالوا: «أنت رسول الله». قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب». «إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقهم، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا». وهذا أيضا من طريق يزيد بن أبي زياد، وهو كما تقدم ضعيف. قال: وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه من قسم الخلق فرقتين إلا كان هو في خير الفريقين. كذلك جاء حديث بهذا اللفظ. وقولهم في الحديث: «خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلنا في خير فرقة»، يحتمل شيئين: أحدهما أن الخلق هم الثقلان من الجن والإنس، أو هم جميع ما خلق في الأرض، وبنو آدم خيرهم. وإن قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة، كان فيه تفضيل جنس بني آدم على جنس الملائكة، وله وجه صحيح. فإن جنس بني آدم أفضل من جنس الملائكة؛ لأن صالحي بني آدم أفضل من الملائكة. لماذا؟ لأنهم امتثلوا أمر الله مع ما كانت فيهم من العوارض والشهوة وغيرها. قال: ثم جعل بني آدم فرقتين -والفرقتان العرب والعجم- ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشا بيوتا، فكانت بني هاشم أفضل البيوت. ويحتمل أنه أراد بالخلق بني آدم، فكان في خيرهم أنا، إما أن يكون الجن والإنس ثقلين أو بني آدم. فكان إذا كان في بني آدم في خيرهم، أي في ولد إبراهيم، أو في العرب. ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل وبني إسحاق، أو جعل العرب عدنانا وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، في بني عدنان. ثم جعل بني إسماعيل وبني عدنان قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، وهم قريش. وعلى كل تقدير فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم. وأيضا له كلام طويل في منهاج السنة، أيضا بين هذه المسألة، وهو كما تقدم: أن جنس العرب أفضل من جنس العجم. وأما أحدهم فهذا بحسب التقوى. قالوا: قد بين صلى الله عليه وسلم أن هذا التفضيل يوجب المحبة لبني هاشم، ثم لقريش، ثم للعرب. فروى الترمذي من حديث أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد أيضا -وهو هذا الهاشمي الضعيف، وهو سبب ضعف هذا الحديث- عن عبد الله بن الحارث قال: حدثنا عن المطلب بن أبي ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. معنى الآن جعله المطلب بن ربيعة. وفي الرواية الأولى جعله المطلب بن أبي وداعة. وهذا تخليط عن هذا المطلب. ويقال: عبد المطلب. لكن الظاهر: هذا تخليط من يزيد بن أبي زياد. فوإلا هكذا رواه سفيان الثوري وأبو عوانة وغيرهما ممن روى هذا الحديث عن يزيد. الظاهر أن يزيد كان يخلط. ورواه أيضا إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد بن أبي زياد. وجماعة رواه عنه، وهو مضطرب بالحديث. قال: فروى الترمذي من حديث أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد أيضا عن عبد الله بن الحارث قال: حدثني المطلب بن أبي وداعة بن الحارث بن عبد المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا، وأنا عنده، فقال: «ما أغضبك؟» قال: «يا رسول الله، ما لنا ولقريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك؟» قال: «فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حمر وجهه، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل إيمان حتى يحبكم لله ولرسوله». ثم قال: «أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا الذي يدل على أن الترمذي تساهل. كيف يكون حديثا حسنا صحيحا وفيه يزيد بن أبي زياد الهاشمي القرشي، وهو ضعيف سيئ الحفظ؟ فعلى هذا كيف يكون الحديث صحيحا؟ قال: ورواه أحمد في المسند مثل هذا من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد. وهذا ورواه أيضا من حديث جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب بن ربيعة. قال: دخل العباس وعبد المطلب بن ربيعة -صحابي أيضا حضر وقت النبي عليه الصلاة والسلام، وأرسله ربيعة بن الحارث -وهو ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام- ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أرسله إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يزوجه، كما جاء في صحيح مسلم. قال: دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إننا نخرج ونرى قريشا تتحدث، فإذا رأونا سكت». فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه، ثم قال: «والله لا يدخل قلب امرئ إيمانا حتى يحبكم لله ولقرابتي». فهذا كله يدل على أن يزيد بن أبي زياد لم يتقن الحديث، بل اضطرب في الحديث من ناحية الإسناد ومن ناحية المتن. قال: فقد كان عند يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث هذان الحديثان: أحدهما في فضل القبيلة الذي منه النبي عليه الصلاة والسلام، والثاني في محبتهم. خلاهما رواه عنه إسماعيل بن أبي خالد. وهذا من إحسان الظن. وإلا مثل هذا ما يحتمل على الشيخ أن نكره. قد يكون من احتمال الظن به أنه عنده الحديثين من الطريقين. لكن الظاهر أنه كان يضطرب. وأعظم الغالب فيمن كان سوء الحفظ عنده، فهذا الاضطراب من يزيد بن أبي زياد اضطرب في هذا الحديث في إسناده وفي متنه. قالوا: ما فيه من كون عبد الله بن الحارث يروي الأول تارة عن العباس وتارة عن المطلب بن أبي وداعة، والثاني عن عبد المطلب بن ربيعة -وهو من الحارث بن عبد المطلب، وهو من الصحابة- قد يظن أن هذا اضطراب في الأسماء من جهة يزيد. وليس هذا موضع الكلام فيه. فإن الحجة قائمة بالحديث على كل تقدير، لا سيما له شواهد تؤيد معناه عن معناه العام. لكن هذا الاضطراب الذي نفاه الشيخ موجود، خاصة في رواية مثل يزيد. فإنه يضطرب في الحديث. قالوا: مثله أيضا في المسألة ما رواه أحمد ومسلم والترمذي من حديث الأوزاعي عن شداد بن أبي عمار -شداد بن أبي عمار أو شداد بن عبد الله عن أبي عمار- معنى: كنيته أبو عمار الدمشقي، مولى معاوية بن أبي سفيان، قال: عن شداد عن الوليد بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم». هكذا رواه الوليد وأبو المغيرة عن الأوزاعي. وأبو المغيرة -معنى: هو أبو المغيرة عبد القدوس- يقال له: عبد القدوس. قال: ورواه أحمد والترمذي من حديث محمد بن مصعب -وهو القرقساني- عن الأوزاعي، ولفظه: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة». قال الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، فيقتضي أنهم أفضل من ولد إسحاق. وقد بسط هذه المسألة لما يقيم في إعلام الموقعين. قال: ومعلوم أن ولد إسحاق الذين هم بنو إسرائيل أفضل العجم؛ لما فيه من النبوة والكتاب؛ لأن الله عز وجل فضلهم كما جاء في القرآن. فمتى ثبت الفضل على هؤلاء فعلى غيرهم بطريق الأولى. وهذا جيد، إلا أن يقال: الحديث يقتضي أن إسماعيل هو المصطفى من ولد إبراهيم، وأن بني كنانة هم المصطفون من ولد إسماعيل. وليس فيما يقتضي أن ولد إسماعيل أيضا مصطفون على غيرهم؛ إذا كان أبوه مصطفى، وبعضهم مصطفى على بعض. فيقال: لو لم يكن هذا مقتضى في الحديث لم يكن لذكر اصطفاء إسماعيل فائدة؛ إذا كان اصطفاؤه لم يدل على اصطفاء ذريته. إذ يكون على هذا التقدير لا فرق بين ذكر إسماعيل وذكر إسحاق. أن لما اصطفاه اصطفى ذريته كذلك. قال: ثم هذا مضافا إلى بقية الحديث دليل على أن المعنى في جميعها واحد. قال: وعلم من الحديث في فضل قريش، ثم في فضل بني هاشم كثرة. وليس هذا موضعها. وهي تدل أيضا على ذلك؛ إذ نسبت قريش إلى العرب كنسبة العرب إلى الناس. وهكذا جاءت الشريعة كما سنؤمي إلى بعضه. هذه بعض الأشياء التي ذكرها تكملة لما تقدم من تفضيل جنس العرب. ثم ذكر أيضا أشياء تابعة لهذا.