الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 547، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل قصة بناء الكعبة المشرفة على يد سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، ثم تجديدها على يد قريش قبل البعثة النبوية. كما يذكر مشاركة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في البناء وحرصه على ستر عورته أثناء العمل.
يروي هذا الفصل تفاصيل إعادة بناء قريش للكعبة المشرفة قبل البعثة النبوية بخمس سنوات، حيث واجهوا عقبات وحية تحرس الموقع، ثم تمكنوا من هدمها وإعادة بنائها بمساعدة رجل رومي وخشب سفينة رومية غارقة.
يتناول هذا الفصل تاريخ تجديد الكعبة المشرفة عبر العصور، حيث جددتها قريش، ثم ابن الزبير، وأعاد عبد الملك بن مروان بناءها على هيئتها أيام قريش والنبي، وتركت على ذلك حتى يومنا هذا بناءً على مشورة الإمام مالك.
يشير هذا الفصل إلى حفظ الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من الفقر والعراء، حيث لم يظهر النبي عريانًا بعد حادثة البناء بفضل عناية الله وحمايته له من كل سوء.
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، بالتفصيل عن الطفيل عامر بن واثرة. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الرزاق، وهو بن همام صلعان أبو بكر، حافظ أهل اليمن، فقد رحل إليه أئمة الإسلام. قال: حدثنا معمر، وابن راشد أبو عروة، ممن نشر السنة في اليمن. هناك ثلاثة من العلماء نشروا السنة في اليمن: معمر بن راشد، وعبد الله بن مبارك، وسفيان الثوري. سفيان جلس في اليمن فترة عندما كان قد هرب من المهدي عندما أراد توليته القضاء، فهرب إلى اليمن وجلس فيها فترة من الزمن، وكان يعلم الناس السنة حتى أنه كان يعلم الأطفال. قال عبد الرزاق: رأيت سفيان الثوري يحفظ طفلًا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته بكيت، لأن هذا الرجل الذي يطلبه الناس في كل مكان وهو يجلس ويعلم الأطفال. قال: أخبرنا معمر، وعبد الله بن عثمان بن خثيم، واعتبر في عداد الكوفيين، عن أبي الطفيل، وهو عامر بن واثلة، قال: لما بني البيت كان الناس ينقلون الحجارة، والنبي عليه الصلاة والسلام ينقل معهم، فأخذ الثوب فوضعه على عاتقه، فنودي: لا تكشف عورتك. فألقى الحجر ولبس ثوبه. صلى الله عليه وسلم، قال: هذا حديث حسن، وهو مرسل من مراسيل الصحابة، فإن أبا الطفيل لم يكن ولد آنذاك. وأبو الطفيل كما ذكرنا من صغار الصحابة، وهو أخو عائشة من أمها، أمه أم رومان، أم عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر. فأدرك النبي عليه الصلاة والسلام وسمع منه، لكنه سمع وهو صغير، وهو يعتبر مرسلًا من مراسيل الصحابة التي اتفق العلماء على قبولها. هناك من الصحابة من يعد في الصحابة من لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو صغير، أو رعاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، مثل محمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الله أو يوسف بن عبد الله بن قيس، ويوسف بن أبي موسى، وكذلك أيضًا يوسف أو ابن وغيرهم من هؤلاء صغار الصحابة الذين لم يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يروه، لكن رآهم النبي عليه الصلاة والسلام أو حنكهم، فهؤلاء يعدون من الصحابة لشرف رؤية النبي عليه الصلاة والسلام، ويعدون من الصحابة، لكن حديثهم كحديث كبار التابعين، كما قال أبو حاتم الرازي رحمه الله، وأيد هذا القول الحافظ بن حجر، على أن حديثهم من مراسيل الصحابة، لأن روايتهم غالبًا عن الصحابة، بل منهم من يروي عن التابعين. قال: وقال الإمام إسحاق بن إبراهيم، وقال الإمام محمد: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن أبي الطفيل، وذكر بناء الكعبة في الجاهلية. قال: فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رقابها، أن يأتون بها من الوادي، وادي مكة، ويبنون بها البيت، ولم يدخلوا فيها شيئًا من مال الحرام. قال: فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبي عليه الصلاة والسلام يحمل حجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فيرى عورته من صغر النمرة، فنودي: يا محمد، خمر عورتك. فلم ير عريانًا بعد ذلك. والنمرة ثوب رقيق، غالبًا يكون أحيانًا قصيرًا، وكان ضيقًا، فلما اتزر به النبي صلى الله عليه وسلم رآه ضيقًا، فوضعه على عاتقه يعصبه على عاتقه، فارتفع الثوب من تحت. قال: وقال الإمام إسحاق بن إبراهيم بن راهويه في مسنده: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن أبي الطفيل، قال: كانت الكعبة مبنية بالرضم، ليس فيها مدر، وكان قدر ما يقتحمها العناق عن الرزم، الحجارة الكبيرة، وليس فيها مدر، والمدر يكون بالطين. قال: وكانت قدر ما يقتحمها العناق، العناق صغير الغنم، وكانت لأن الحجارة كبيرة، فتكون فيها فتحات، فيمر هذا العناق. قال: وكانت غير مسقفة، إنما كان يوضع ثيابًا عليها يسدل سدلا، وكان الركن موضوعًا على سورها، باديا على سورها، على السور، معنى الركن هو الحجر الأسود، كان موضوعًا على سورها. قال: وكانت ذات ركنين، كهيئة الحلقة، مربعة من جانب، ومدورة من جانب، لأنه نقصت بهم النفقة، فلم يكملوا، فصارت مثل الدائرة، فهي مدورة من الركنين الشماليين، وفيها ركنان جنوبيان، هذا مربع عنده، وأما عند الركنين الشماليين فهي مثل الدورة. قال: ومدورة من جانب، فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبًا من جدة انكسرت، فخرجت قريش ليأخذوا الخشب، وكانت السفينة تريد الحبشة، فوجدوا فيها رجلًا روميًا، فأخذوا الخشب، فأعطوه مالًا، وكان تاجرًا، فأقبلوا بالخشب وبالرجل الرومي الذي كان في السفينة، فقالوا: نبني بهذا الخشب بيت ربنا. فلما أرادوا هدمه، فإذا هم بحية على سور البيت، بيضاء البطن، سوداء الظهر، أنا بطنها بيضاء وظهرها أسود، فجعلت كلما دنا أحد منهم إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته فتحت فاها وسعت نحوه، فخرجت قريش حتى أتوا المقام، فعجوا إلى الله عز وجل، أي دعوا الله بتضرع وخشوع، فقالوا: ربنا لم نرع، إنما أردنا تشريف بيتك وتزيينه. وهذا قوله: لم نرع، أي لا لم نخف، ولماذا نخف، وإنما أردنا تشريف بيتك وتزيينه، معناه يقولون: نحن ما أردنا إلا الخير، ولكن الله عز وجل قد يكون جعل مثل هذا، جعل مثل هذا لأجل تخويف الناس أنهم يتجروا على بيت الله الحرام. فقالوا: فإن كان ذلك وإلا فما بدا لك فافعل. فسمعوا جوابًا في السماء، فإذا هم بطائر أعظم من النسر، أسود الظهر، أبيض البطن والرجلين، فغرز بمخالبه في قفا الحية، فانطلق بها يجرها، ساقط ذنبها، أنا جرها من رأسها وأخذها بمخالبه. قال: حتى انطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، وكانت قريش تحملها على رقابها تحمل الحجارة. وذكر ابن إسحاق أن هذا كان قبل البعثة بخمس سنوات، أنا والنبي عليه الصلاة والسلام قد كان سنه خمسًا وثلاثين، هكذا ذكره ابن إسحاق. قال: وكانت قريش تحملها على رقابها، فرفعوه في السماء عشرين ذراعًا، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يرى ويحمل حجارة، إذ سقط الحجر وضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها أي على كتفه، فبدت عورته من صغر النمرة، فنودي: يا محمد، خمر عورتك. وكان بين بنيانها وبينما أنزل عليه الذكر خمس عشرة سنة، أنا والنبي صلى الله عليه وسلم خمس وعشرون، وهذا صحيح. قال: فلما كان جيش الحصين بن نمير، قدم لتحريقها في زمن ابن الزبير. قال ابن الزبير: أخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لهدمتها، فإنهم تركوا منها سبعة أذرع في الحجر، قصرت بهم النفقة والخشب». قال: هذا حديث حسن، حديث عائشة في الصحيح، هذه قصة بناء الكعبة في زمن قريش. وهذه الكعبة أول ما بنيت، ما جاء في الحديث أن أول من بناها هو إبراهيم، لكن هل هي كانت مبنية قبل نبي الله إبراهيم؟ ذكر هذا في القصص الإسرائيلية وغيرها، لكن لم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على ذلك. وإلا فقد ذكر أهل الأخبار أن البيت قد بناه آدم، وقيل: أنه بناه أحد أبنائه، وقيل: أنه شيث، وغيرها من هذه الأقوال التي لا دليل عليها. لكن عندنا اليقين أن نبي الله إبراهيم قد بنى الكعبة، قد بنى الكعبة مع إسماعيل، وأراهم الله عز وجل مكان البيت، صحيح أن الآيات وكذلك الأحاديث تدل على أن مكان البيت معلوم. لكن هل كان قبل إبراهيم، قبل نبي الله إبراهيم قد بني؟ فهذا الله أعلم، ممكن أنه كان قد بني كما قال بعض أهل الأخبار، وأنه لما جاء الطوفان في زمن نوح تكسر البيت حتى بناه إبراهيم بعد، كما ذكر الله عز وجل. ومن ثم أيضًا بناه أيضًا بعض من جاء بعد إبراهيم، والأخبار ليست بتلك الصحة. ثم بني في عهد قريش، يعني يقال أن إسماعيل جدده، لكن لم يأت في النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا كذلك في الآثار، والذي جاء في الأحاديث أن قريش هي التي جددت البيت. ثم لم يجدد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، خشي النبي عليه الصلاة والسلام أن تحدث فتنة، فقال لعائشة: «لولا أن قومك حديث عهد بإسلام لهدمت الكعبة وبنيتها على مقام إبراهيم، ولجعلت لها بابين، باب يدخل منه الناس، وباب يخرج منه الناس». لكن لم يفعل النبي عليه الصلاة والسلام لأجل خشي الفتنة، ففعل بعد ذلك ابن الزبير، لكن لما جاء عبد الملك بن مروان أو هشام ابنه، فإنه هدمها وبناها، أو عبد الملك بن مروان هدمها وبناها على ما كان عليه بناؤها أيام قريش وأيام النبي عليه الصلاة والسلام. فلما جاء وقت الوليد بن عبد الملك استشار الإمام مالك على أنه يهدم الكعبة ويبنيها على ما قال النبي عليه الصلاة والسلام، لأن عبد الملك تندم أنه هدمها وبناها على ما كانت في زمن النبي، فسمع بعد ذلك بالحديث، أخبره عروة بذلك، فتندم أنه فعل هذا الفعل. ثم بعد ذلك لما أراد الوليد وغيره أن يهدمها ويبنوها على ما قال النبي عليه الصلاة والسلام، منعه الإمام مالك رحمه الله عليه، وقال: لا تفعل، حتى لا يكون بيت الله العوبة للملوك، من جاء هدمه وبناه مرة أخرى، وجاء يأتي الآخر ويهدمه ويبنيه مرة أخرى، وهكذا. فقال له: تركه على ما كان على زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فترك إلى يومنا هذا، فترك إلى يومنا هذا، وهو ناقص البناء. ومن ذهب إلى هناك يجد، بل وأيضًا يراها في الصور، وكذا يجد ذلك الحجر الذي محوط، فهذا مكان الحجر هو الناقص من الكعبة، أنا أقصد الأمتار التي نقصت من بنائها، فعملوا لها حاجزًا حتى يقف الإنسان خارج هذا الحجر. وأما تسميته بحجر إسماعيل، فهي تسمية من عند العامة، وإلا ليس هو حجر إسماعيل، ولا تعلق له بإسماعيل، وإنما هو حجر الكعبة، حجر الكعبة بنته قريش لما نقصوا في المؤنة، ونقصوا في أيضًا البناء، وهم كانوا أرادوا أن يبنوا الكعبة على معنى بأموال حلال، بأموال حلال لا يدخلها شيء من الحرام، فلهذا نقصوا، ولوجود المعاملات المحرمة في الجاهلية، والسرقة، ويأكل القوي الضعيف، فلهذا لم يوضع فيها شيء من الأموال المحرمة، فنقصوا بعد ذلك. وأيضًا في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام شارك مع أعمامه في نقل الحجارة، وقد ذكر ابن إسحاق أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره عمه أن يخرج إزاره ويضعه على عاتقه، فلما فعل سقط مغشيًا عليه، قال: ثم إنه لم تر عورته، وهذا الحديث صحيح، على أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما وضعه على عاتقه وعصبه أو شده في عاتقه، فرؤيا أنه ارتفع، فقيل له: خمر عورتك، أي غط عورتك، قال: فما رؤيا بعد ذلك، أو فلم ير عريانًا بعد ذلك عليه الصلاة والسلام، وهذا من حفظ الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم. فهذا خلاص ما يذكر بهذا الحديث، الله تعالى أعلم.