الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 561، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول الدرس تحذير النبي من الخوارج وبيان حكم الخروج على الحكام الظالمين مستندا إلى أحاديث نبوية. يشدد على ضرورة الصبر على ظلم الحكام ما داموا مسلمين.
يناقش المقطع النهي عن منازعة الأمر أهله إلا في حالة الكفر البواح، ويؤكد على الصبر على جور الأئمة كمنهج أهل السنة. يجب الجمع بين الأدلة الشرعية وليس الأخذ ببعضها دون الآخر.
يشدد المقطع على منهج أهل السنة في التعامل مع الحكام الظلمة، ويؤكد على ضرورة الصبر وعدم الخروج على الحاكم مهما كانت مظالمه. يبين أهمية النصيحة للسلطان سرا.
يختتم المقطع الدرس بالإشارة إلى طول الباب المناقش ولكن يتم الاقتصار على ما ورد في الحديث. يتم اختتام الكلام بالحمد والشكر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: وخذنا في الدرس الذي مضى حديث عبد الله بن أبي أوفى في الخوارج وأنهم كلاب النار. فقال سعيد بن جمهان: قال أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر، فسلمت عليه، فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا سعيد بن جمهان. قال: فما فعل والدك؟ قال قلت: قتلته الأزارقة. قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، وهم أتباع ابن الأزرق الخارجي. قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم كلاب النار. في حديث بأمامة: «كلاب أهل النار». قال قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بل الخوارج كلها. قال قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم؟ قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة، ثم قال: ويحك يا ابن جمهان، عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم. إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه، فإنك لست بأعلم منه. فهذا كما ذكرنا قبل، فيه ذم الخوارج. وإن شاء الله تعالى نتكلم على قوله: «فإن السلطان...». لما قيل له، قال سعيد بن جمهان: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم. وقد تكاثرت النصوص من الكتاب والسنة على عدة أمور في هذا الباب. أولا: إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيكون في هذه الأمة سلاطين وحكام يظلمون الناس. وأيضا يهتدون بغير هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا واقع ذكره النبي عليه الصلاة والسلام. ففي حديث حذيفة بن اليمان عند مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «يكون عليكم أمراء يهتدون بغير هدي ويستنون بغير السنة، تعرف منهم وتنكر». فقالوا: أفلا ننابذهم؟ «ويقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب شياطين في جثمان إنس». فقالوا: أفلا ننابذهم بالسيف يا رسول الله؟ قال: «لا، ما أقام فيكم الصلاة». وفي حديث عوف بن مالك في صحيح مسلم أيضا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وتدعون لهم ويدعون لكم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». فقالوا: أفلا ننابذهم بالسيف يا رسول الله؟ قال: «لا، ما صلوا». وغيرها من هذه الأحاديث التي تبين أن هناك أئمة يكونون في آخر الزمان يظلمون الناس. وجاء في حديث أم سلمة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا في حديث سلمة بن يزيد أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، كيف إذا كان فينا أمراء يسألون حقهم ويمنعون حقنا؟ يسألون حقهم -أي من الطاعة- ويمنعون حقنا -يمنعون حقنا أي من العدل- ليس عندهم عدل، بل عندهم ظلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أدوا الحق الذي لهم، وسألوا الله الذي لكم». أن طاعتهم أعطوها إياهم، وسألوا الله عز وجل الذي لكم. وجاء أيضا في حديث عوف -وهو أيضا جاء في الصحيح-: «من كان في سلطان يأتي معصية الله عز وجل، فلا ينزعن يدا من طاعة، وليكره عمله». فلهذا فالظلم واقع من أئمة المسلمين كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، إلا من رحم الله عز وجل. ولا شك أن الإنسان مهما بلغ لابد أن يقع في الخطأ والظلم، لكن يختلف أن هناك من الحكام من يسير سيرة عادلة ويحاول أنه يعدل في رعيته قدر ما يستطيع، ولا شك أن مثل هذا يوفقه الله عز وجل. وإن وقع في الأخطاء فهذا شيء من طبع البشر. وهناك من يتعمد الظلم، من يتعمد ظلم رعيته وعدم العدل بينهم ويأخذ الرشاوة... إلخ. وهناك من يخلط بين هذا، فالناس لا يستوون في هذا الباب والحكام لا يستوون في هذا الباب. لكن النبي صلى الله عليه وسلم جعل قاعدة أنه لا يخرج عليهم ما دام أنهم على الإسلام. وما جاء في حديث عبادة: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وعلى أثرة علينا -أثر علينا أي ظلم يحصل ومحاباة وعدم عدل- وعلى أثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان». فهنا إن حملنا قوله «كفرا بواحا» على المعصية، فالمراد أن لا ننازع أهله -أي أن لا نجتمع لأجل النزاع- نزاع من كان من كان أهلا في ذلك المكان، لكن حصلت منه المعاصي. وقوله: «أن لا ننازع أهلا» أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا. وهذا عند القدرة، فإذا كان هناك أناس مثلا من أهل الشورى أو من غيرهم يستطيعون أن يخرجوا هذا الحاكم دون فوضى ودون أيضا كذلك فتن، فلهم أن يخرجوه لأجل معاصيه ولأجل أيضا تفشي الظلم بين الناس. أو أن المراد أن لا ننازع الأمر أهله -أي أن لا نطلب الولاية من دونه- وأن لا ننازعهم في هذا الباب حتى لا تحصل الفتن، إلا إذا كان كافرا «إلا أن تروا كفرا بواحا» أي واضح، ليس «إلا أن تروا كفرا بواحا» لكم فيه من الله برهان، وعندكم فيه من الله برهان على أنه كفر. فحمل بعضهم المراد بالكفر هنا كفر المعصية وهو الفسق، وحمله بعضهم على الكفر الذي يخرج من الملة. وكلا الأمرين يجمع به بين الأدلة الأخرى. فلهذا فالظلم واقع، لكن عالج النبي عليه الصلاة والسلام هذا الظلم بأمرين اثنين أو بثلاثة أمور. أولا: الصبر على جور الأئمة، وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة. وكان أيضا يقول للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وأيضا النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عوف بن مالك وغيره، تدل أيضا على الصبر، أنه لا يحصل الفتنة ولا ينازع الأمر أهله، ولا أيضا كذلك يقام في هؤلاء أن يقام فيهم أن ينازعون على الحكم وتحصل الفوضى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لما قالوا: «أفلا ننابذهم بالسيف» -يعني نخرج عليهم بالسيف باليد- قال: «لا، ما أقام فيكم الصلاة». وجاء في حديث عوف: «لا، ما صلوا». فما دام أنهم يقيموا شعائر الإسلام وأعظمها الصلاة، فإنه لا يجوز الخروج عليه. وهذا قول عامة السلف. ومن ذكر أنه يجوز الخروج على إمام الظلمة، فهو لم يأت ببرهان صحيح لا من كلام الله ولا من كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ولا من فعل السلف. ومن استدل به على الخروج، فليس واضحا في خروجهم بعض الخوارج. وكذلك حتى بعض من يدعي معنى السنة كابن حزم وغيره، يرون جواز الخروج على إمام الظلم ويستدلون بأدلة ليست صلتها صحيحة. من ذلك مثلا حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وهذا الحديث كما هو معلوم عام. وحديث الإنكار على إمام جاء التخصيص فيها باليد، فيحمل هذا على غير الأئمة. أو كما حمله بعض العلماء كما ذكر النووي وغيره، أن المراد هنا اليد لعامة الناس، واللسان للأئمة النصيحة، والقلب لمن استضعف. وأيضا حديث عبد الله بن مسعود الذي يستشهد به المعتزلة وغيرهم ومن نحو هؤلاء في الخروج، حديث عبد الله بن مسعود: «يكون فيكم أمراء يأمرون بمعروف وينهون عن منكر، ويأمرون بمنكر وينهون عن معروف، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وذلك أضعف الإيمان». فهذا الحديث فهم خطأ كما قال الإمام أحمد، فهمت المعتزلة هذا الحديث خطأ. فليس المراد به إنكار على الحكام باليد والمراد به الخروج، وإنما من استطاع أن يغير شيئا بدون فتنة فله ذلك. ولهذا كان الإمام أحمد يكره نشر مثل هذا الحديث أمام العامة، حتى لا يأتي مثلا كلام هؤلاء الخوارج المعتزلة إليهم فيظنون أن هذا الكلام يحمل أو هذا الحديث يحمل على هذا، فينسونا تلك الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدم الخروج وعدم الإنكار باليد والصبر على جور الأئمة وغيره. فكل تلك الأحاديث تنسى ويأخذ هذا الحديث. وإنما لابد من الجمع. أهل السنة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «قال أهل البدع ينظرون إلى النصوص نظرة العوراء -نظرة عوراء معنى يأخذون فقط جهة ويتركون جهة أخرى- أو يأخذون أدلة ويتركون الأدلة مثل الخوارج أخذوا نصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد، والمرجئة أخذوا نصوص الوعد وتركوا نصوص الوعيد». قال: «وأما أهل السنة فيجمعون بين الأدلة، لابد من الجمع بين الأدلة». فإن بعض الأدلة مشكلة -مشكلة معنى أنها فيها شيء مشتبه- وهذا المشتبه له أمران، إما أن يرد إلى المحكم فيعرف معناه، أو أنه إذا لم يعرف معناه يوكل إلى الله عز وجل. كما جاء ذلك في النصوص، فلهذا فالأدلة المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام بالأمر بالصبر على جور الأئمة وعدم الخروج عليها. ومن رأى فسقا وظلما فإنه يسأل الله عز وجل الذي له ويصبر على ذلك، ولا يخرج ولا ينزع يدا من طاعة. وكذلك أيضا النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أنس، قال: «اصبروا وإن تأمر عليكم عبد حبشي». وقال أيضا النبي عليه الصلاة والسلام: «اسمعوا وأطيعوا وإن أخذ مالك وضرب ظهرك». إن كان هذا في خاصتك، فالواجب هو الصبر، حتى ولو تعدى على مالك -أي تعدى على شيء من أموالك- لا تخرج طالبه بحقك، لك أن تطالب بحقك لكن لا تخرج ولا تهيج الناس على ذلك. وأيضا الأمر الثالث، وهو أن منهج أهل السنة النصيحة لحكام المسلمين. وهذه النصيحة لا تكون علنا، لا تكون من على المنابر، وإنما تكون سرا. معناه أنه يذهب إليه وينصحه، إن استطاع الإنسان أن يذهب إليه. وإن لم يستطع أن يذهب إليه يوكل من يدخل عليه أنه يبلغه هذا الشيء، أو يكتب له رسالة أو غيرها من هذه الأمور التي توصل إليه. ولهذا قال عبد الله بن أبي أوفى هنا: «إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه». وجاء في حديث تميم الداري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». وقال أسامة بن زيد أو أقصد زيد بن ثابت رضي الله عنه كما جاء في السنن: رأينا زيد بن ثابت خرج من عند عثمان في الظهيرة، فقال له مروان بن الحكم: ماذا قلت له؟ قال: تريدون أن أعلمكم؟ معنى كأنه ينكر عليهم مثل هذه الأشياء تكون سرا، ونصيحة ما تعلن أمام الناس. فهذه عدة أمور ينبغي أن تراعى في مسألة الحكام. وهناك أيضا المسألة العظيمة وهي مسألة الخروج على الأئمة الظلمة كما قلنا، وهو من الأمور التي تبنتها الخوارج المعتزلة ومن سار على نهجهم، ومن مشى على ما هم عليه من الفرق المعاصرة كالإخوان المسلمين وأيضا القطبية السرورية وغيرهم من هؤلاء الذين مشوا على هذا النظام وعلى هذا الخروج اقتداءا بالمعتزلة والخوارج الذين قرروا هذا المنهج. وقد ألف بعضهم كتابا سماه «الجماعة الأم» أو «الإمام العظمى» وهو رجل من المملكة، وقال له الدميجي وقرر فيه الخروج وأنه يجوز الخروج على إمام الظلمة، وذكر قضية عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير وغيره. وهذا خطأ، لأن عبد الله بن الزبير لم يخرج على أحد وإنما بويع، وإنما تنازع مع معاوية بن أبي سفيان، فهو لم يخرج لم يخرج على أحد. وأما سعيد بن جبير فهو ليس خارجيا ولم يخرج كذلك، وإن كان فعله الذي فعله بعض العلماء أنكر عليه. فقال الإمام محمد بن سيرين رحمه الله: «رحم الله سعيدا ومن مثل سعيد -رحم الله سعيدا ومن مثل سعيد- أي في فقه وعلمه وديانته، لكنه ظلم». وأما ما فعله ابن الأشعث -عاء عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندي- فهذا خطأ لا شك فيه، وقد أنكر عليهم السلف. وإن كان معه من الفقهاء كالشعبي وغيره، فقد أنكر عليهم السلف في ذلك الوقت. وقد جاء مثل هؤلاء إلى أنس بن مالك وأرادوا الخروج على الحجاج فمنعهم، فقام عبد الرحمن بن الأشعث وخرج ومن كان معه، وأيده من كان معه من الفقهاء، فحصل من الفتن ومن دماء المسلمين ما لا يحصى عقبه. وقد التقى ابن سيرين مع رجل يقال له أبو مسلم من الفقهاء فقهاء البصرة الذين خرجوا مع عبد الرحمن بن الأشعث، فذكروا قضية ابن الأشعث. فقال أبو مسلم: «الحمد لله أني لم أضرب أحدا بسيفي». قال: «ما ضربت أحدا أبدا بسيفي في تلك الواقعة». فقال له ابن سيرين: «لم يقل فلان معنا؟ -معنا يتكثرون بك- قال: لم يقل فلان معنا؟ فبكى أبو مسلم حتى أشفق عليه من كثرة بكائه». معنا تندم على أنه خرج. فالمهم كما قال الإمام أحمد: «فما خرج أحد إلا وكان ما بعده أعظم، أو كان ما بعده وبالا على المسلمين». ما استفاد شيء أهل الإسلام من الخروج. ولهذا كان الإمام أحمد كل من قال له: «نخرج على المأمون أو غيره»، فيقول: «الدماء الدماء الدماء». وكما قال الإمام النووي رحمه الله: «استقر مذهب أهل السنة منذ قديم -من أيام السلف- على أنه لا يجوز الخروج على إمام الظلمة، ولا يجوز منازعتهم في حكمهم». وهذا الباب طويل، وإنما ذكرنا شيء منه لعجل ما ذكره في هذا الحديث. والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدين.