الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش الإيمان بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ويؤكد على عدم نفي أي صفة من صفات الله. يشرح معنى المحكم والمتشابه في القرآن.
يتناول شبهات المعتزلة والجهمية حول إثبات صفات الله، ويرد عليها باعتبارها باطلة وقواعد ركيكة. يشير إلى أن إثبات الصفات لا يستلزم التجسيم أو التشبيه.
يؤكد أن أهل السنة يستدلون بخبر الآحاد في العقائد إذا صح عن النبي، ويرد على من يزعم أن خبر الآحاد لا يستدل به في العقائد مستندًا إلى أقوال أهل العلم.
يشرح معنى قول الإمام أحمد حول إثبات الصفات الإلهية دون الخوض في كيفية كنهها، ويؤكد على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى من والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى، إمام ابن قدامة، في كلام الإمام أحمد: قال ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، لا يبلغه وصف الواصفين. بل إنما هو كما وصف به نفسه سبحانه وتعالى، لأنه لا يعرف كنه الله وحقيقته إلا هو جل وعلا. كما ذكرنا قبل أن الأجسام لا يصف آخر إلا بأمرين، إما أن يراه أو يرى مثله، وربنا جل وعلا ليس كمثله شيء، فهذا لا يستطيع الإنسان أن يصف الله جل وعلا إلا بما وصف به نفسه جل وعلا. قال: نؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه. هذا كما ذكرنا، إن شاء الله تعالى، نذكره في درس لاحق، الكلام على المحكم والمتشابه، أن هناك محكم عام ومتشابه عام، ومحكم خاص ومتشابه خاص. قال: ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت. فمثلًا، المحكم، الله عز وجل قال: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾، فالقرآن كله محكم، أي أن معانيه واضحة، وكذلك متقنة، وليس فيه شيء من اللبس. وقال الله عز وجل: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها﴾، مثال متشابه، أي يشبه بعضه بعضًا في الإتقان والجودة، وأيضًا المحاسن للألفاظ وغيره، فهو يشبه بعضه بعضًا، أي تشبه القصص بعضها بعضًا في العبرة، وكذلك أيضًا في الفوائد التي استفاد منها. معنى أن قصصه ليس فيها تسلية، وإنما فيها عبرة وفوائد، ولهذا فهو متشابه، أي تشابه. فالمحكم العام والمتشابه العام واحد، لكن هناك محكم خاص، وهو الذي وضح معناه من الآيات، ومتشابه خاص، وهو الذي لم يتضح معناه، وهذا الذي قصده الله عز وجل في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾. قال: ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وهذا كلام عظيم. فلا نزيل عنه صفة من صفاته، أي لا ننفي صفته لعجل شناعة من شنع من أهل البدع أو من أهل الإلحاد أو من غيرهم، فإننا لا ننفي صفات الله عز وجل لأجل شناعاتهم. الآن تجد مثل هؤلاء المعتزلة والجهمية يشنعون في إثبات الصفات، وعندهم ثلاثة، أربعة أشياء يظنونها أدلة، وهي ليست أدلة أبدًا، وإنما كلام مثل كلام الوساوس. وأيضًا كما يقال: حجج واهية كالزجاج، كل كاسر مكسور. فهذه الشناعات التي ذكروها قالوا: بأن إثبات الصفات استلزم التجسيم، وهذا كلام باطل. وقالوا: أن إثبات الصفات استلزم التشبيه، وأيضًا أبطل من الأول. وقالوا: أن إثبات الصفات يخالف العقول، إثبات الصفات يخالف العقول. وأيضًا عندهم شبهة رابعة، وهي أيضًا من الشبهة الركيكة، قالوا: أن إثبات الصفات يستلزم تعدد الآلهة، إثبات الصفات يستلزم تعدد الآلهة، معناه: لو قلنا أن الله له صفة كذا، وله صفة كذا، وله صفة كذا، معناه هذا أكثر من إله، وهذا كلام باطل. فهذه الأربع الشبهات، أو ما يسمونها أنها قواعد مضطردة، أن المعتزلة يجعلون هذه قواعد مضطردة، وهي قواعد باطلة: أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، وأنه يستلزم أيضًا التشبيه، وأنه يستلزم تعدد الآلهة، وأنه مخالف للعقول، أي لعقولهم. فهذه الأشياء التي شنعوا بها على إثبات الصفات، هذه الأربع الأشياء التي شنعوا بها على إثبات الصفات، فيقولون مثلًا: كيف نثبت لله أنه مثلًا يضحك، الضحك يحتاج إلى كذا، يحتاج إلى كذا، ويقيسونه بالمخلوق. كيف نثبت أن الله عز وجل يغضب، والغضب هو احمرار الوجه وانتفاخ الأوداج وغيرها من صفات البشر، يأتون بها ويقيسون بها صفة الله عز وجل. ولهذا تجد المعتزلة والأشاعرة إذا جاءوا إلى صفة الغضب يقولون: معنى الانتقام، ولا شاعر يقولون: إرادة الانتقام. وإذا جاءوا إلى الضحك أو الرضا أو غيرها مما يشبهها يقولون: الجهمية والمعتزلة: الثواب، ولا شاعر يقولون: إرادة الثواب، وغيرها من هذه الشناعات التي أرادوا أن يشنعوا بها على إثبات الصفات، حتى يظهروا للناس أن مذهب أهل السنة مذهب فيه شناعة، ومذهب أيضًا يصف الله عز وجل بما هو منزه عنه. قال الإمام أحمد: ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث. لا نتعدى القرآن والحديث، نأتي بما جاء في كتاب الله، وبما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان متواترًا أو آحادًا، كله ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام يستدل به في الاعتقاد، سواء كان كما قلنا آحادًا أو متواترًا. وهذا قول عامة أهل العلم وأهل السنة جميعًا. لكن بعض ممن تعثر بمذهب هل الكلام يظن غير ذلك، ويحكي خلافًا على غير الصحيح. بل عندما يقرأ الإنسان في كتب أصول الفقه يجد العكس، يقولون مثلًا: هذه المسألة فيها خلاف، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الحديث الآحاد لا يستدل به في العقائد، ويذكرون ذلك عن جماهير أهل العلم أو جمهور العلماء، وهذا غير صحيح، بل باطل. وأثبت الإمام شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا القول غير صحيح، وذكر أقوال كثير من أقوال أهل العلم السابقين واللاحقين، بل من أئمة المذاهب ممن يقول بأن خبر الواحد إذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام فإنه يستدل به في العقائد. ولهذا كما قلنا اغتر بعض المتأخرين لأنهم تأثروا بالأشاعرة أو تأثروا بالمعتزلة، من الأشاعرة والماتريدية، فتجدهم يحكون أن خبر الواحد لا يستدل به في العقائد لأنه ظني، وهذا كلام باطل. بل كله ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من صفات الله عز وجل وأسمائه فإنها تثبت. قال: ولا نعلم كيف كنه ذلك، معنى يقول: أننا نصف الله عز وجل بصفاته التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا نتعدى ذلك، ولا نزيد على هذا، لكن نحن لا نعلم كيف كنه أي كيف حقيقة هذه الصفة، بل حقيقة الصفة نفوضها إلى ربنا جل وعلا لأنه أعلم بذلك. قال: ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول، على نحن ما علينا إلا تصديق النبي عليه الصلاة والسلام في إثبات الصفة وتثبيت القرآن، فهذا معنى كلام الإمام رحمه الله تعالى، نقله ابن قدامة، ونقله أيضًا غير واحد عنه، رحمة الله عليه. فإن شاء الله تعالى نكفي بهذا ونكمل في درس لاحق.