طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 149

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 149

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 149، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير من الشهوات وآثارها

يتناول تحذير الإمام ابن القيم من الشهوات العابرة وآثارها السيئة وكيف أن الله يجعل أسبابًا لإعانة الإنسان على الطاعة. يُبين أن الانصراف عن الله إلى الشهوات يهوي بصاحبه إلى أسفل دركات المعصية.

عذاب الدنيا والآخرة لسالكي الحرام

يصف عذاب الدنيا والآخرة لمن يسلك طريق الحرام، ويبين أن الوصول إلى الحرام مشوب بالمخاوف والأحزان. بينما يكون الوصول إلى الحلال ميسرًا ومباركًا فيه، ويعاني سالك الحرام من الحسرة والحرص والذل والطمع.

عقوبة الإعراض عن الله والمعاصي

يشرح كيف أن الإعراض عن الله يؤدي إلى الشقاء والبؤس في الدنيا والآخرة، وأن الناس يتفاوتون في القرب من الله بحسب إقبالهم عليه. المعاصي تنقص من الإيمان وتؤدي إلى العقوبات، والانصراف عن الله يحول بين المرء وبين الوصول إلى ربه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «فلو توهم العبد المسكين هذه الحال وصورتها له نفسه، وأرته إياها على حقيقتها، لتقطع والله قلبه، ولم يلتذ بطعام ولا شراب، ولأخرج إلى الصعدات يجأر إلى الله ويستغيث به ويستعتبه في زمن الاستعتاب. هذا مع أنه إذا آثر شهواته ولذاته الفانية، التي هي كخيال طيف أو مزنة صيف، نغصت عليه لذاتها أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها أقدر ما كان عليها. وذلك إذا تفكر وتدبر العبد حقيقة هذه الشهوة الفانية، ما عظيم آثارها في العاجل والآجل، فإنه لو كان عنده شيء من التفكر والتدبر لما التذ بشهوة محرمة أبدًا، ولنغصت عليه شهوته ولذته، وخصوصًا إذا علم أنها كما قال: كخيال طيف أو مزنة صيف، يعني سرعان ما يمر، ثم بعد ذلك ماذا؟ جبال من التبعات التي تظلم عليه حاضره ومستقبله، وتوقعه فيما لا يمكن منه الخلاص منه إلا بعد شدة الأنفس. وقد مر معنا شيئًا كثيرًا من عظيم آثارها». قال رحمه الله: «وتلك سنة الله في خلقه، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَزَيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، هذه الآية مثل ضربه الله عز وجل لحال هذه الدنيا، فإذا كانت هذه الدنيا بطولها هي كحال هذا المثل، فكيف بلذة عابرة لحظة من اللحظات، وشهوة فانية؟ فإنه أعظم وأعظم. فإن ما يراه الإنسان من زينة ما في هذه الدنيا من أشجار وثمار وأموال وغير ذلك، مع طول عمر هذه الدنيا، مثلت بهذا المثل العظيم، فإنها كمثل الحصيد الذي كان أخضرًا يعجب من يراه، فإذا به يصير متحطمًا وفانيًا، كأنه لم يكن على ذلك الخضار الذي كان عليه والجمال الذي كان فيه. فكيف بتلك الشهوة الفانية العابرة؟». قالوا: «هذا هو غب وإعراضه وإيثاره شهوته على مرضات ربه، فيعوق القدر عليه أسباب مراده». وقوله: «فيعوق القدر»، والمعنى أن الله عز وجل جعل أسبابًا شرعية وكونية لإعانة الإنسان على الطاعة وإبعاده من باب المعصية. ولذلك لو تأمل الإنسان كل طاعة يريدها سهلة الوصول يسيرة، وأبوابها كثيرة. أما المعاصي فلا يصل إليها إلا بصعوبة ومشقة، حتى ولو كانت كثيرة، فإنه من حكمة الله جعل الوصول إليها ليس بالأمر السهل. وهذا من القدر الذي يعين الله عز وجل به العبد على أن يحمي نفسه. ومع ذلك فإن الناس يأبون، فإن من الناس من يأبى إلا أن يتسور تلك الحجب حتى يصل إلى ما فيه خسارة في العاجل والآجل. قال: «فيخسر الأمرين جميعًا، فيكون معذبًا في الدنيا بتنغيص شهواته، وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له، وإن قسم له منه شيء فحشوه الخوف والحزن والنكد والألم». فمثلًا لو أراد إنسان أن يأخذ أموال الناس بباطل، كيف يصل إليها بسرقة أو كذلك بغي وظلم وغير ذلك؟ وليس هذا بالوصول إليه بالسهل. ومع ذلك ففيه من المخاوف والأحزان والنكد والألم ما هو أضعاف ما إذا توجه بقوته إلى الطريق الحلال الطيب. ولو كان قليلًا لكن يجعل الله عز وجل فيه البركة. وهكذا كذلك الفرق بين الحلال والحرام في كل باب، فإن الوصول إلى الحلال ميسر، والوصول إلى الحرام تكتنفه مخاوف وأحزان ونكد وألم وغير ذلك، مما هو عظة و عبرة، وهو من العذاب العاجل، فضلًا عن العذاب الآجل. قال رحمه الله: «وحسرة لا تنقضي، وحرص لا ينفذ، وذل لا ينتهي، وطمع لا يقلع، وكل جملة منها تحتها معان عظيمة. حسرة لا تنقضي؛ لأنه إن كان عنده فطرة إنسانية وفطرة عادلة، لا رأى نفسه قبيحًا دنيئًا قذرًا بسلوكه المسلك المنحرف للوصول إلى ما يريد مما في هذه الدنيا. لو سألت كل من سلك طريقًا منحرفًا: أجبني جواب صدق، هل ترى نفسك إنسانًا طاهرًا شريفًا كريمًا بعد وصولك إلى ما أردت؟ لو أنصف لقال: لا، ما أرى نفسه إلا قذرًا دنيئًا حقيرًا. هذه الأوصاف التي تليق به تليق به. وهذا من ماذا؟ من الحسرة، من الحسرة العاجلة التي يعذب بها. فلذلك في وقت رجوع عقله وفطرته إليه، ينظر إلى نفسه، ينظر إلى غيره ممن سلك طريق الاستقامة، فينظر إلى غيره نظرة الإكبار، وينظر إلى نفسه نظرة احتقار، يرى نفسه إنسانًا حقيرًا دنيئًا قذرًا. وحتى لو كان ما عنده مما وصل إليه بالحرام، فإنه لو أنصف نفسه لن يتعدى هذا. وهكذا الحرص من سلك طريق الحرام لا يقف عند حد، فإنه يزداد ويزداد ويزداد حتى يأتيه عذاب الله وعقوبته. وهكذا كذلك الذل، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري. والطمع كذلك ليس له نهاية، يعني هل سيقف عند مظلمة أو شهوة ما؟ سيقف واحدة والأخرى حتى يزداد ظلمًا وذنوبًا وقذارة». قال: «هذا في هذه الدار، وأما في البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك، قد حيل بينه وبين ما يشتهي، وفاته ما كان يتمناه من قرب ربه وكرامته ونيل ثوابه، وأحضر جميع غمومه وأحزانه. وأما في دار الجزاء فسجن أمثاله من المعبودين المطرودين. فواغوثاه، ثم واغوثاه، بغياث المستغيثين وأرحم الراحمين. لكن من يعلم هذا؟ يعلم هذا من وفقه الله للتوبة، فإنه إذا نظر وأنصف، علم أن ما أصابه في الدنيا من آثار الذنوب والمعاصي، وما سيأتيه في البرزخ وما يكون بعده أعظم في يوم القيامة، لا يساويه أبدًا تلك اللذة التي أراد الوصول إليها أو المتاع الذي أراد أن يستمتع به من لذة الدنيا الفانية». قال رحمه الله: «فمن أعرض عن الله بالكلية أعرض الله عنه بالكلية. وهكذا بالمقابل، من كان إعراضه جزئيًا كان الإعراض عنه كذلك جزئيًا. ولهذا فالناس يتفاوتون في القرب من الله والبعد منه بحسب قربهم من الله وإقبالهم عليه. فمن أعرض إعراضًا كليًا كالكافرين والمشركين ونحوهم، كان الإعراض بالكلية. ومن أقبل في جوانب وأعرض في جوانب، فبحسبه. وسنة الله ماضية، وهو الحكم العدل سبحانه». قال: «ومن أعرض عنه لزمه الشقاء والبؤس والبخص في أحواله وأعماله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، هذه الحياة ضنكة، يتفاوت الناس فيها بتفاوت الإعراض». قال: «وقارنه سوء الحال وفساده في دنياه ومآله في دينه، بما يكون من نقصان الدين. لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها وهو مؤمن، ينقص من إيمانه بقدر معصيته. وهكذا مآله ما يقول إليه أمره؛ لأن هذه المعاصي تأول به إلى أضعافها من العقوبات، وكل معصية لها عقوبة خاصة كما جاءت بذلك الأحاديث. وكذلك للناس في هذه الدنيا شواهد حق وبراهن صدق». قال: «فإن الرب تعالى إذا عرض عن جهة دارت بها النحوس، وأظلمت أرجاؤها، وانكسفت أنوارها، وظهر عليها وحشة الإعراض، وصارت مأوى للشياطين وهدفًا للشرور ومصبًا للبلاء، فالشر يرد على الإنسان. وهذه هي النقطة التي يريد الوصول إليها، نحن في مبحث القدر، لأجل أن لا يظن أن القدر فيه جبر على الإنسان، وهذا ليس بصحيح، بل القدر سر الله سبحانه وتعالى، فما يقدره الله عز وجل للعبد ليس جبرًا له، بل هو إيكاله إلى نفسه الأمارة بالسوء. فنور الله عز وجل في دينه وشرعه وتوفيقه كالمصباح، الله نور السماوات والأرض، ولله المثل الأعلى، فإذا ذهب النور ذهبت الشمس، وأقبلت الظلمة، خرجت الدواب من مكانها، واشتغل كل صاحب شر بشره، بخلاف النهار. وهكذا كذلك بالنسبة لصاحب المعاصي، فإنه أبعد عن نفسه نور الإيمان ونور الطاعة، فأدخل نفسه في كهوف ومواضع الظلمات. فإذا أدخل نفسه في مثل هذا، فبعد ذلك ما أصابه بسبب ماذا؟ بسبب نفسه. وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير». قال رحمه الله: «فالمحروم كل المحروم من عرف طريقًا إليه ثم أعرض عنها، أو وجد بارقة من حبه ثم سلبها. وهذا لمن وفقه الله لطريق الإيمان والإسلام، فإنه حرم ضعفًا من حرمه من الكافرين؛ لأنه رأى النور فاستبدلها بالظلمة، ورأى كذلك الخير استبدله بالشر. قال: ثم أعرض عنها أو وجد بارقة من حبه ثم سلبها، لم ينفذ إلى ربه منها، خصوصًا إذا مال بتلك الإرادة لشيء من اللذات أو انصرف بجملة لتحصيل الأعراض والشهوات، عاكفًا على ذلك ليله ونهاره وغدوه ورواحه، هابطًا من الأوج الأعلى إلى الحضيض الأدنى. الأوج الأعلى درجات الإيمان والكرامة والفضيلة والشرف الذي يكون لصاحب الإيمان والطاعة، والحضيض ما يصل إليه من ترك ذلك بالشهوات الدنيئة والمعاصي السافلة». طيب، نقف لهنا، والله تعالى أعلم.