الدرس في شرح كتاب التوحيد 171، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح أهمية محبة الله ورسوله وفقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يُبين أن هذه المحبة من الواجبات الأساسية للإيمان. يُوضح أن نفي الإيمان في الحديث يشير إلى نفي كمال الإيمان وليس وجوده.
يُناقش المقطع مراتب المحبة المختلفة ويُبين أهمية تقديم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على محبة الأهل والناس، مشيرًا إلى ثلاثة أنواع من المحبة: الإجلال والإعظام، الرحمة والشفقة، والإحسان.
يُشدّد على ضرورة تقديم محبة الرسول على النفس والأهل في الإيمان الحقيقي، مستشهدًا بقول عمر بن الخطاب وآية من سورة الأحزاب، ويُبين أن الإيمان الكامل يتطلب طاعة الرسول فوق الرغبات الشخصية والعائلية.
يختتم الشرح بالتأكيد على أهمية محبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شخص آخر كدليل على الإيمان الحقيقي، ويُنهي بالدعاء للنبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». أخرجا هذا الحديث. وفي معرض كلامه على ذكر مقام المحبة الذي ينبغي أن يكون لله ولرسوله، إذ أنها من مكملات التوحيد، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث الذي جاء في البخاري ومسلم من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم»، وهنا نفي نفي الإيمان، والنفي تارة يراد منه نفي الكمال، وتارة يراد منه نفي الوجود، أي لا وجود. وهنا حمل العلماء هذا الحديث على نفي الكمال، أي لا إيمان كامل لمن لم يتصف بهذا الوصف. «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وهذه المسائل، نفي الكمال أو نفي الوجود، يُعلم بالدلالات العامة، وأيضًا بشروحات أهل العلم والقواعد المسطرة في كتب أهل السنة. وهنا على قول نفي الكمال، قال العلماء: المقصود بنفي الكمال أي في نفي أمر واجب، إذا قيل أن هذا الحديث يُحمل على نفي الكمال، إذا الكلام على أمر واجب قد حصل فيه القصور، وقد حصل فيه النقص. وقد حرر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه المسألة، فذكر أنه لا يعرف في أدلة الشرع أن يقال لأمر ما نفي الكمال، والمقصود به نفي أمر مستحب. قال: هذا لا يقول به عاقل، وإنما الأدلة الشرعية إذا قيل في حقها أن هذا الحديث فيه نفي كمال، أي فيه نفي لأمر واجب ينبغي أن تلتزم به. وقد مضى معنى إخواني في الله أن محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام من الواجبات، ومن الفرائض التي من نقص أو قصر فيها فإنه معرض لعقوبة الله، كما مضى معنى في الدرس الأخير في قوله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾، هذا توعد، انتظروا حتى يأتي الله بأمره، أي الهلاك والعذاب. فمحبة الله ومحبة الرسول من أوجب الواجبات، فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم»، إذن هذا في حق من ترك ما يكون من الإيمان الواجب. ما هو أن أكون أي عليه الصلاة والسلام أحب إليه من ولده؟ بدأ بالولد، إذ أنه أعز ما يكون عند الإنسان، من كان من صلبه، من كان من ولده ونسله، هذا أعظم ما يكون عند الإنسان من التعلقات التي يحبها جدًا. ولهذا جاءت الأحاديث في حق الرجل إذا أخذ الله جل وعلا ولده، فيقول الله لملائكته: أأخذتم فلذة كبده؟ لعظيم ما يكون من أمر الأب إذا ذهب عليه الابن، لأنه يتعلق بقلبه تعلقًا شديدًا. فالشاهد، فبدأ بالابن، فرسول الله محبته مقدم على محبة الأبناء، مع أنه من أشد الناس تعلقًا في قلوب الخلق، لكن اجعل لرسول الله المحبة الكبرى والعظمى أحب إليه من ولده ووالده، وفي ذلكم الآباء، ويدخل في ذلكم الأمهات كذلكم، ينبغي أن تجعل لرسول الله من المحبة ما هو أعظم للوالدين. قال: «والناس أجمعين»، ويدخل في الناس الأقارب، الأرحام، الجيران، الزملاء، الأصحاب، وقس على ذلك كل أحد. إذن هذه المراتب الثلاثة: الولد والوالد والناس، ذكر العلماء أن هذه الأمور الثلاثة إشارة إلى ثلاثة أنواع من أنواع المحاب. فمحبة الوالد إشارة إلى ما يسميه أهل السلوك بمحبة الإعظام والإجلال، الواحد يحب والده محبة إجلال وإعظام، ويدخل في ذلك كل من كان أعلى رتبة لك منك، فإنك تجله إعظامًا وإجلالًا، وقس على ذلك. وأصنافًا من المحبة محبة إجلال وإعظام. ومحبة الولد إشارة إلى ما يسميه العلماء بمحبة الرحمة والشفقة، إذ أن الإنسان إنما يحب ابنهم من هذه الحيثية محبة رحمة وشفقة، ويدخل في ذلك كل من كان دونك من الفقراء والمساكين وأهل الحوائج، تحبهم محبة شفقة ورحمة. وفي قوله: «والناس أجمعين»، إشارة إلى النوع الثالث من أنواع المحاب، وإيما يسميه العلماء بمحاب الإحسان، بمحاب الإحسان التي تكون بينك وبين الناس، بينك وبين الجيران، بينك وبين القرابة، بينك وبين الأرحام، هذه محبة تدوم بين الناس، وهي محبة إحسان متبادلة. إذن عندي ثلاثة أنواع في هذا الحديث أشار الشرع إليها: محبة إعظام، ومحبة إشفاق، ومحبة إحسان. ماذا نستفيد من ذلكم؟ نستفيد من ذلكم أن محبة الرسول عليه الصلاة والسلام ينبغي أن تكون أعظم من محبة الإشفاق، أعظم من محبة الإجلال، أعظم من محبة الإحسان، حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، أي أن جميع المحاب تذاب أمام محبة عليه الصلاة والسلام، حتى من أنفسنا؟ نعم، حتى من أنفسنا يصل التعظيم والإجلال برسول الله عليه الصلاة والسلام أن نقدمه أعظم من أنفسنا. ولهذا جاء في البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله، إنك لأحب إليه من كل شيء إلا من نفسي، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال: يا رسول الله، إنك الآن أحب إلي حتى من نفسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر، الآن قد بلغت التمام وبلغت الكمال في باب الإيمان»، أنك تجعل لرسول الله من الإجلال والإعظام أعظم من نفسك التي بين جنبيك. وقد جاء ذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾، نفسك التي تضطرب بين جنبيك، من أولى الناس بها؟ أتدري من أولى الناس بها؟ أنت لا، هناك من غيرك أولى الناس بها، هو رسول الله، رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أولى بنفسك منك، إلها أولى، إذا خيرت بين أمرين بين نفسك وبين رسول الله، يقدم رسول الله على نفسك. وفي غزوة بدر كما في الحديث، أصله في صحيح مسلم، عندما علم نبينا بتلك القافلة فخرج إليها مسرعًا، ثم إذ بالقافلة بعد ذلك أدبرت بجيش، بجيش ما توقعه الصحابة حينها، شاور نبينا الصحابة في هذا الأمر، لأنهم ليسوا على استعداد، ليسوا على كفاءة لا عددية ولا في العدة. فلما شاورهم قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، لو أمرتنا بأمر من الأمور لأمرتنا به، وهذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما شئت، وهذه أرواحنا، أنفسنا، وهذه أرواحنا بين يديك، إن شئت استعرضت بنا البحر نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن أمامك ومن خلفك، أنفسنا فدى لك يا رسول الله، تتحكم بها كما تشاء. هذا هو يا عبد الله كمال الإيمان والإذعان، بالإذعان بالمحبة الكاملة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، أنك لا تقدم شيء أمامه، لا أب ولا ابن، لا زوجة، لا مال، ولا أهل، ولا حتى النفس التي بين جنبيه. ولهذا إخواني في الله، فلنعلم أن محبة الرسول عليه الصلاة والسلام ليست عبارة عن كلمات تذكر، وليس عن هتافات ترفع، بل برهان، برهن يا عبد الله عن حبك لرسول الله، كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله: «إن كان حبك صادقًا لأطعته، إن المحبة لمن يحب مطيع»، هذا البرهان على المحبة. ولها ذكر العلماء مثال، كيف تعلم أنك مقدم لمحبة مقدم محبة الرسول على محبة غيره؟ قال علماء، كما قال حافظ بن حجر رحمه الله: مثاله لأن أباك أمرك بأمر، وهذا الأمر يخالف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنت الآن حدد أيهم تقدم، رغبات الأب الذي يأمرك بها أم طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ حينها يا عبد الله تعلم مقدار الإيمان الذي جعله الله في قلبك، «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.