شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 32

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 32

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 32، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تواضع الإمام الإلبيري في الرد على العيوب والنصيحة بالحسنى

يوضح المقطع كيف واجه الإمام أبو إسحاق الإلبيري نقد شاب له بتواضع جم، مستشهداً بقوله إن العيوب المذكورة قليلة مقارنة بما يعلمه عن نفسه. ويربط ذلك بهدي النبوي في العفو والصفح وأمر الله بدفع السيئة بالحسنة.

أثر ستر الله على العبد ووجوب التوبة وقبول النصيحة

يبين المتحدث أن ستر الله لعيوب العباد ينبغي أن يدفعهم للتوبة والحياء لا للغرور، مؤكداً على وجوب قبول النقد والنصيحة بتواضع وشكر. ويشير إلى أن الرجوع عن الخطأ خير من الإصرار عليه.

التحذير من المعايب والذنوب وعواقبها في الدارين

يحذر المقطع من الوقوع في المعايب والذنوب كونها عاراً في الدنيا وفضائح في الآخرة، مشدداً على أن صغر المعصية لا يغتفر مع عظمة المعصية. ويستشهد بكلام أنس بن مالك عن الأعمال التي كانت تعد من الموبقات.

الختام بالدعاء والاستغفار والصلاة على النبي

يختتم المتحدث الدرس بالدعاء إلى الله أن يبصرهم بعيوبهم ويرزقهم إصلاحها، ويتوب عليهم ويعفو عنهم. ثم يصلي على النبي محمد ﷺ ويحمد الله رب العالمين.

  • 20 جمادى الأولى 1445هـ - 02/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع أبياتي منظومة الإمام أبي إسحاق الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى. وكما تعلمون وتسمعون حول عظمة هذه النصائح وهذه التوجيهات التي تضمنتها هذه المنظومة، ولا زال رحمه الله تعالى يخاطب ذلكم الشاب المنصوح الذي تكلم فيه، وماذا رماه بالعيوب والمثالب الشيء الكثير، فقابلها أبو إسحاق بالتلطف في النصيحة، وهكذا الإحسان في العبارة والأسلوب، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم: ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. ومن صفات النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة قبل القرآن أنه لا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. قال رحمه الله تعالى: «ومهما عبتني فلفرط جهلي بباطنتي كأنك قد مدحت». وفي بعضها: «وماذا بباطنه»، والذي في النسخ المحققة المعتمدة: «وماذا بباطنتي كأنك قد مدحت». فلا ترضَ المعايب، فهو عار عظيم يورث الإنسان مقتًا. وهنا يا إخوان، من تواضع الإمام الإلبيري رحمه الله تعالى أنه يقول لهذا الشاب: مهما قلتَ فيّ من الذنوب، ومهما قلتَ فيّ من العيوب، فهذه المعايب، فهذه المعايب كأنك قد مدحتني بها؛ لأن ما ذكرتَ قليل من كثير، يعتبر قليلاً إلى جانب ما يعرفه من نفسه ومن باطنه. ولهذا قال: «ومهما عبتني» أي: ذكرتَ من عيوبي، «فلفرط جهلي» فلفرط جهلي بباطنتي، «كأنك قد مدحت». وماذا إن كان يا إخوان؟ الناس لا يعلمون عن عيوب الشخص كلها، بل ولا أكثرها، وإنما قد يطلع على بعضها، وقد لا يطلع أيضًا على هذا البعض. فلا يغترّ يا إخوان الواحد منا بستر الله عليه، بستر الله عليه. الله عز وجل قد يَسَّر هذه العيوب ويسَّر هذه الذنوب التي نفعلها بعيدًا عن أعين الناظرين وعن علم الناس أجمعين. لكن يا إخوان، ستر الله عز وجل ينبغي أن يورث عندنا توبة، وهكذا ندمًا، وهكذا حياء من الله تبارك وتعالى، حياء أنه سبحانه وتعالى يَسَّرنا، ونحن لربما نجاهر بهذه العيوب وهذه الذنوب، أو ماذا؟ أننا مستمرون عليها، أننا مستمرون عليها. فعلى العبد منا يا إخوان أن ينظر في تقصيره في جنب الله عز وجل، وهكذا ينظر في تفريطه في حق الله تبارك وتعالى. فإذا نقدك أحد من الناس، ونصحك أحد من البشر، فلا تكابر، ولا تعاند، ولا تَصِر، وإنما تواضع واستجب لهذه النصيحة، وأشكر من أسداها إليك وكلمك بها، وكلمك بها. فالرجوع عن الخطأ وإصلاح العيوب، وهكذا التوبة من الذنوب، خير من التمادي والاستمرار والإصرار عليها، والإصرار عليها. فهنا يقول: «ومهما عبتني فلفرط جهلي بباطنتي كأنك قد مدحت»، يعني: أكثر الناس لا يدري عن العيوب التي هي ماذا؟ خفية. فكونك حصرت ما عندي من عيوب في أربعة خمسة عشرة، هذا كأنه مدح، هذا كأنه مدح. «كفى المرأة نبلا أن تعدى معايبه». قال: «فلا ترضَ المعايب، فهو عار عظيم يورث الإنسان مقتًا». والمقصود يا إخوان من هذه الأبيات هو التحذير من الوقوع في المعايب، ومن هذه المعايب الذنوب والمعاصي، وهكذا أيضًا يدخل فيها ما لا يليق بالمسلم أن يفعله أو أن يتصف به من الأمور التي تخل بالأدب أو تنقص من قدر الشخص، فيبتعد عنها ويحاول أن يصلحها. لأن المعايب، المعايب يا إخوان، هي عار في الدنيا، عار في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها فضائح، فإنها فضائح. وربنا عز وجل قد يَسَّر الإنسان في الدنيا، وقد يعفو عنه في الآخرة، وقد يَسَّره في الدنيا ويؤاخذه على ذنبه وجرمه في ذلك اليوم العظيم. وكم من إنسان يا إخوان كان له سمعة طيبة وله ذكر حسن بين الناس، لكن سقط بسبب هذه الذنوب وهذه العيوب التي وقع فيها واقترفها، واقترفها. فما أجمل ما عبر عنه رحمه الله تعالى من التنبيه على أن يحرص العبد منا على أن يصلح العيب، وهكذا يكمل النقص، وهكذا يتوب عن الذنب الذي قد يكون اقترفه. ولا ينظر يا إخوان إلى صغر هذه المعاصي، وإنما ينظر إلى عظمة من يعصي. بعض الناس إذا نصح في أمر ومخالفة يقول لك: هي صغيرة أو كبيرة، هي صغيرة أو كبيرة. لا تنظر يا عبدالله إلى صغر المعصية، وإنما انظر إلى عظمة من نعصي. ولهذا قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه لمن بعدهم من التابعين: «إنكم لتعملون أعمالًا هي في أعينكم أدق من الشعر، كنا نعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات»، أي: من العظائم، ومن الأمور الكبيرة التي يجب على المسلم أن يحرص على التوبة إلى الله عز وجل منها. فأسأل المولى جل علاه أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يرزقنا إصلاحها، وأن يتوب علينا، وأن يعفو عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.