الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 57، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الدرس خمس فوائد عقدية من حديث أبي هريرة تثبت عظمة الله وخضوع الملائكة له، منها إثبات القول والعظمة لله والأجنحة والكلام والعقل للملائكة. كما يبين تمكين الجن من استراق السمع ابتلاءً للناس ودلالة بعد السماء على كثرتهم مع التحذير من تصديق الكهان والسحرة.
يحذر المقطع من تصديق الكهان والسحرة الذين يخلطون الحق بالباطل ويصورون للمسحور غير الواقع، مبيناً أن الساحر يكذب في دعوى علم الغيب. ويستعرض ثلاث مراحل لاستراق الجن للسمع: كثرته قبل البعثة، ومنعه عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم صيانة للوحي، وعودته بقلة بعد وفاته ابتلاءً.
يقرر المقطع ضعف حديث خوف الملائكة سنداً لتدليس الوليد بن مسلم وضعف نعيم بن حماد، لكن الشيخ ابن عثيمين استخرج منه فوائد ثابتة بأدلة أخرى. من هذه الفوائد: إثبات الإرادة لله نوعيها، وتسبيح الجمادات، وتعدد السماوات وملائكتها، وفضيلة جبريل بالأمانة، ومعاني العزة الثلاثة لله.
يُفسر الجلال بأنه العظمة التي لا تعلوها عظمة، فالله سبحانه هو العظيم المطلق الذي ليس فوقه عظيم ولا عظمة. ولا لأحد عظمة تفوق عظمته سبحانه وتعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي الدليل من السنة على باب قول الله عز وجل: ﴿ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ﴾ [سبأ: 23]، وعلمنا أن هذا الباب عقدي ليبين به المؤلف بطلان عبادة سوى الله سبحانه وتعالى، ما سوى الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، أو في صحيح البخاري: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها» إلى آخر الحديث، وعرفنا وجه الدلالة منه، وقلنا: الشاهد منه بيان عظمة الله، وبيان ضعف الملائكة مع أنهم خلق مقربون من الله سبحانه وتعالى، ومع هذا يخشون الله ويعظمونه، وكذلك يرجونه سبحانه وتعالى، فمن دونهم من الخلق من باب أولى. ثم ذكر الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله فوائد استنبطها من هذا الحديث: الفائدة الأولى: إثبات القول لله تعالى في قوله: ﴿ قَالُوا الْحَقَّ ﴾ [سبأ: 23]، أي: قال الله الحق، وفيه إثبات القول لله سبحانه وتعالى، وإثبات عظمة الله، فإذا كان هذا الخلق العظيم عندما يقول الله سبحانه وتعالى القول يغشى عليها وتضرب بأجنحتها خضوعاً لقوله، أي خضوعاً لله سبحانه وتعالى، فهذا يدل على عظمة هذا الخالق سبحانه وتعالى. قال: ولا يصدر عن الله تعالى إلا الحق. قال: ثانياً: إثبات الأجنحة والكلام والعقل للملائكة، وأنهم يخافون ويخضعون له، وهذا في قوله: «ضربت الملائكة بأجنحتها»، دل على أن الملائكة لها أجنحة، وهذا ما دل عليه القرآن كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [فاطر: 1]، والملائكة تتكلم، فلما فزع عنهم أي ذهب عنهم الخوف قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، إذن إثبات القول أيضاً للملائكة، والعقل لأنهم يخافون ويخضعون، وهذه الأفعال لا تصدر إلا من عاقل. قال: ثالثاً: أن الله يمكن هؤلاء الجن من الوصول إلى السماء فتنة للناس، الله قادر أن لا يمكنهم وأن لا يصعدوا إلى السماء، قادر لكنه مكنهم من ذلك ابتلاء للناس، من يصدق ومن لا يصدق، من يؤمن بأن الله هو الذي يعلم الغيب وحده ومن لا يصدق بذلك، ولذلك افتتن بعض الناس بهذه الكلمة الواحدة التي يسمعها الجن فيقرقرها في أذن وليه. قال: رابعاً: كثرة الجن، كم مسافة من الأرض إلى السماء؟ كل واحد يعلو الآخر، هذا دل على كثرتهم، ﴿ وَأَجْسَامُهُمْ خَفِيفَةٌ يَطِيرُونَ طَيَرَانًا ﴾، وهذا شيء معلوم كما في قول ذلك الجن لسليمان، قال: ﴿ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ﴾ [النمل: 39]، قال العلماء: لأن الله عز وجل أعطى هؤلاء الجن القدرة على الطيران، السرعة في الحركة، السرعة في الحركة. قال: خامساً: أن الكهان من أكذب الناس، ولهذا يضيفون إلى ما سمعوا كلمات كثيرة، فالعجب كل العجب ممن يصدقهم، تستعجب من هذا الأمر، كلمة واحدة فقط صدق، ومئات الكلمات كذب، ومع هذا يصدق بعض الناس بالكلمة الواحدة ولا يبالون بتلك الكلمات الكثيرة من الكذب، فالكاهن والساحر من أكذب الناس، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، لأن الكاهن والساحر يكذب، ويدعي علم الغيب، يدعي ادعاء، فمن صدقه فقد جعل مع الله عز وجل هذا الكاهن يعلم الغيب، ولا يعلم الغيب أحد إلا الله، ﴿ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [النمل: 65] سبحانه وتعالى. قال: سادساً: أن الساحر يصور للمسحور غير الواقع، فيجب الحذر منه، كيف يصور للمسحور غير الواقع؟ لأنه يكذب، يكذب، للساحر يأتي يقول: عندي مرض، يقول له: مرضك معروف، اذبح كبشاً أسود، وفعل كذا وكذا، وهذا المسحور مسكين يصدق كل هذا الكلام الذي يقوله له الساحر، كذب كذب، ولا حقيقة له، فلذلك حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من إتيان السحرة والكهان والعرافين. ثم ذكر فائدة أخرى، قال: مراحل استراق السمع من الجن: أولاً: قبل البعثة، قال: كان الاستراق بكثرة، يعني كان الجن يسترقون بكثرة، ولا يرمون بالشهب إلا قليلاً، ولذلك كان السحر منتشراً قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه المرحلة الثانية: عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا من استراق السمع، حتى تعجبوا من ذلك، ولم يعلموا لمبعث النبي عليه الصلاة والسلام، فبحثوا، بحثوا حتى علموا أن نبياً بعث إلى الناس عامة، فهذا كان سبب منعهم من استراق السمع، قالوا: العبرة والحكمة من ذلك حتى لا يخلط هؤلاء الجن بما يلقونه من تلك الكلمات على السحرة، لا يكون هناك الاختلاط بين ما يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما يلقيه هؤلاء الجن، فلا يختلط الوحي بغيره، بغيره، فمنع من استراق السمع، من استراق السمع، نعم، كما جاء في سورة الجن: ﴿ فَمَنْ يَسْتَرِقِ السَّمْعَ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ﴾ [الجن: 18]، نعم، هذا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ثالثاً: بعد موته صلى الله عليه وعلى عادوا يسترقون السمع، لكن بقلة، بقلة جداً، وهذا ما جاء في هذا الحديث، ما جاء في هذا الحديث، والحكمة من ذلك أن علة اختلاط الوحي بكلام هذا الجن الذي يسترق الكلمة من الغيب انتفت بعد موت النبي صلى الله عليه وعلى، لأن الوحي قد انقطع، قد انقطع، قد يقول قائل: ولماذا مكنهم الله من ذلك؟ نرجع إلى الفائدة التي ذكرها المؤلف: من أجل الاختبار والابتلاء، فتنة للناس، فتنة للناس، ليميز المؤمن من غيره، المؤمن من غيره، فلا يمنع أن الساحر يأتي أحياناً بشيء من الصدق، بكلمة من الصدق، لكن كما تقدم في الحديث يخلط معها مئة كذبة. ثم ذكر الدليل الثالث: وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات أخذت السماوات منه رجفة أو رعدة شديدة خوفاً من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا، خروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ أو يا جبريل، يجوز هذا وهذا، فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل». هذا الحديث حديث ضعيف، رواه ابن أبي عاصم في السنة، وابن خزيمة، والبيهقي، وفيه ضعف في سنده: الوليد بن مسلم، وهو شديد التدليس، وقد عنعن في هذا الحديث، فدل على ضعف سند هذا الحديث، وفيه علة أخرى أيضاً: فيه كذلك نعيم عن حماد، وهو كذلك ضعيف، ذو مناكير أو يتفرد بمناكير، فالحديث ضعفه علماء الحديث بهاتين العلتين، ولبعض ألفاظه شواهد من الحديث المتقدم كخوف الملائكة وقولهم: قالوا الحق وهو العلي الكبير، لكن غالب ألفاظه لا تثبت لأن الحديث ضعيف. طيب، ذكر الشيخ ابن عثيمين فوائد حول هذا الحديث، قد يقول قائل: كيف الحديث ضعيف ثم نأخذ هذه الفوائد؟ أولاً: أولاً، هذا الضعف ليس بشديد، ثانياً: أن غالب ما دل عليه هذا الحديث قد دلت عليه أدلة أخرى، قد دلت عليه أدلة أخرى، فالمعتمد والمعتبر في الأدلة الثابتة. قال: فوائد من الحديث: ثبوت الإرادة لله، وإثبات الإرادة، ما ثبتت بهذا الحديث فقط، بل ثبتت بأدلة كثيرة من القرآن والسنة، ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ [الإسراء: 16]، ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء: 27]، وآيات كثيرة تثبت الإرادة لله، سواء أكانت الشرعية أو الكونية، والفرق بين الإرادتين: أن الشرعية يحبها الله وقد تقع وقد لا تقع، والإرادة الكونية قد يحبها الله وقد لا يحبها الله، ولابد أن تقع. ثانياً: أن المخلوقات وإن كانت جماداً تحس بعظمة الخالق، يقصد السماوات، ذكر في هذا الحديث السماوات، وهذا أيضاً قد دلت عليه أدلة من القرآن ومن السنة، من القرآن ومن السنة، فمن القرآن: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44]، وتسبيح هذه الجمادات للخالق سبحانه وتعالى دليل عظمتها للخالق سبحانه وتعالى، إذا التسبيح معناه التنزيه ونفي النقص عن الله سبحانه وتعالى. قال: ثالثاً: إثبات تعدد السماوات، وأن لكل سماء ملائكة مخصصين، وقد ورد في القرآن أنها سبع، ﴿ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ﴾ [الملك: 3]، وغيرها من الآيات، فهي متعددة، وكذلك في حديث الإسراء مر النبي صلى الله عليه وسلم بعمار تلك السماوات من الملائكة ومن الأنبياء. قال: رابعاً: فضيلة جبريل، حيث أنه المعهود بأمانة الوحي، وأنه الأمين، وهذا في القرآن كثير، نعم. قال: إثبات العزة والجلال لله، لأنه قال في هذا الحديث: «خوفاً من الله عز وجل»، فيه إثبات العزة والجلال لله، ثم ذكر أن العزة بمعنى الغلبة والقوة، وذكر للعزة ثلاثة معانٍ أو ثلاثة معانٍ، ما معنى العزة لله؟ لها ثلاثة معانٍ: المعنى الأول: بمعنى العزيز، أي عزيز ممتنع أن يناله، أن يناله أحد بسوء، هذا معنى العزة، العزة أي أنه ممتنع أن يناله أحد بسوء، فهو عزيز سبحانه وتعالى، يغلب، يغلب ولا يغلب سبحانه وتعالى. والمعنى الثاني: عزيز ذو قدر لا يشاركه فيه أحد، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى، فهو سبحانه وتعالى عزيز لا يشاركه أحد في علو قدره سبحانه وتعالى. والمعنى الثالث: عزيز غالب وقاهر، غالب وقاهر، والفرق بين الأول والثاني أو الثالث: عزيز ممتنع يناله أحد بسوء، هذا عام في كل ما يكون من السوء، وعزيز غالب وقاهر، أي لمن حاربه، لمن حاربه وبارزه سبحانه وتعالى، فهو غالب وقاهر، فهذه ثلاث معانٍ للعزة. أما الجلال في قوله: «وجل»، فالجلال بمعنى العظمة التي ليس فوقها عظمة، هذا معنى الجلال، الجلال بمعنى العظمة التي ليس فوقها عظمة، فهو العظيم سبحانه وتعالى، ليس فوقه عظيم ولا عظمة، ولا لأحد عظمة فوق عظمته سبحانه وتعالى، فهذا معنى من معاني الجلال، أو هذا معنى الجلال. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.