الدرس في كتاب الطهارة 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الحديث النبوي "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" ويتناول صحة الحديث وطرق روايته. يبين أن الاضطراب في السند لا يضر لكونه يدور على الثقات.
يتحدث عن تفسير الحديث وتأويله من قبل العلماء، ويبين دلالته على طهارة الماء الكثير وعدم نجاسته إذا لم تتغير أوصافه الثلاثة.
يتناول شرح مفهوم القلتين وتقدير كميتهما، ويبين حكم الماء الكثير والجاري عند ظهور النجاسة، مشيراً إلى أن الماء لا يتنجس إلا إذا تغيرت أوصافه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعلى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»، وفي لفظ: «لم ينجس»، أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان. وهذا الحديث أخرجه هؤلاء الأربعة: أبو داود، والنسائي، والترمذي، من طرق، من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر، ورواه بعضهم عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، وحصل فيه شيء من الاضطراب. هذا الحديث حصل فيه شيء من الاضطراب، ولهذا علّله بعضهم بالاضطراب، كابن عبد البر، وابن العربي، وابن القيم، لكن أئمة الحديث، كأحمد، ويحيى بن معين، وغيرهم، بيّنوا أنه صحيح، وأن أبا أسامة قد حفظ هذا الحديث، والاضطراب الذي فيه لا يضر؛ قد يكون من الوليد بن كثير، وهو ثقة حافظ، قد يكون رواه على الوجهين: رواه من حديث محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، ورواه كذلك عن محمد بن عباد بن الزبير، وكلاهما ثقة. فالحديث متى ما دار على ثقة، كذلك أيضا منهما من رواه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، ومنهما من رواه عن عبيد الله بن عبد الله، وكلاهما من ولدي عبد الله بن عمر، ممن هم ثقات، فلهذا فالحديث يدور على الثقات، فهذا لا يضر. وقد رواه أيضا حماد بن سلمة، عن عاصم بن منذر، عن عبد الله بن عمر، وليس فيه شيء من هذا الاضطراب، لكن حماد بن سلمة تغير في آخر عمره، وحصلت له بعض الأشياء التي قد تجعله يهم في الأحاديث، فلهذا بعض العلماء يقول: كما ذكر البيهقي وغيره، أن هذا لعله من أوهام حماد بن سلمة؛ أنه رواه هكذا، رواه عن عاصم بن منذر، عن عبد الله بن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا كان الماء قلتين أو ثلاث»، هكذا جاء بالشك، «لم يحمل الخبث». وذكره أيضا ابن سحاق، رواه عن بعضهم أنه ذكر فيه «قلال هجر»، جاء من طريق المغيرة بن سقلاب، عن ابن سحاق، والظاهر أن المغيرة منكر الحديث، فلهذا لم يثبت أن هذه القلال من قلال هجر، وإنما القلة هي الكوز، كما قال أبو عبيد: القلة هي الكوز. قال: وعلى عبد الله بن عمر، قال: هو ابن عمر بن الخطاب، أسلم عبد الله صغيرا من مكة، وأول مشاهده الخندق، وروي عنه خلائق، كان من أوعية العلم، وروى عنه خلائق. قال: وعمر بن عمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستين سنة، أو كما قال ابن عبد البر: بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستين سنة؛ لأنه مات سنة ست وسبعين، وظاهر أنه ما أراد التحديد، كأنه ما أراد التحديد؛ لأن ابن عمر في أحد وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو أحد، ابن خمس عشرة سنة، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، ابن ثلاث وعشرين سنة. فلو بلغ بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستين سنة، لكان سنه حين وفاته ثلاثا وثمانين سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات سنة إحدى عشرة، وعمر بعده ستين سنة، معنى ذلك أنه ليس بالتحديد، وإلا فهو أكثر من ستين؛ معنى ذلك خمس وستين سنة تقريبا بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مات سنة ست وسبعين، وسنه يقارب فوق الثمانين. قال: كانت وفاته في مكة سنة ثلاث وسبعين، معنى ذلك أنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم يكون اثنتين وستين سنة، ودفن بها بذي طوى في مقبرة المهاجرين. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»، بفتح المعجمة والموحدة، يريد الخبث، وفي لفظ: «لم ينجس»، هو بفتح الجيم وضمها: ينجس وينجس. أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، تقدم ذكره في أول الحديث، والحاكم هو الإمام الكبير، إمام المحققين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بيع النيسابوري، المعروف بابن البيع، صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وطلب هذا الشأن ورحل إلى العراق وهو ابن عشرين سنة، وحج، ثم جال في خراسان وما وراء النهر، وسمع من ألفي شيخ وأكثر. حدث عنه الدارقطني، وهو شيخه، وأبو يعلى الخليلي، والبيهقي، وخلائق، وأكثر عنه البيهقي، وأبو يعلى الخليلي، هذا صاحب الإرشاد، قالوا له التصانيف الفائقة، مع التقوى والديانة، ألف المستدرك، وتاريخ نيسابور، وغير ذلك، وتوفي في شهر صفر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، قاله ابن حبان. قال: وابن حبان هو الحافظ العلامة، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان البستي، صاحب التصانيف، سمع أمما لا يحصون، من مصر إلى خراسان، حدث عنه الحاكم وغيره، كان ابن حبان من فقهاء الدين، وحفاظ الآثار، عالما بالطب، والنجوم، وفنون العلم، صنف المسند الصحيح، وهو صحيح ابن حبان، الذي سماه التقاسيم والأنواع، والتاريخ، وكتاب الضعفاء، وألف أيضا كتابه في الضعفاء، ما سماه المجروحين، وألف في الثقات، ثقات ابن حبان، أو كتاب الثقات. قال: وفقه الناس بسمرقند، قال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم، والفقه، واللغة، والوعظ، من عقلاء الرجال، توفي في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو في عشر الثمانين. وقد سبقت الإشارة إلى أن هذا الحديث هو دليل الشافعية في جعلهم الكثير ما بلغ قلتين، وسبق اعتذار الحنفية عن العمل به بالاضطراب في متنه، لكن الصحيح أنه ليس مضطربا، لكن دلالته لا تدل على أن ما كان دون القلتين يتنجس بوقوع النجاسة، وما كان أكثر لا يتنجس بوقوع النجاسة؛ هذه ليست دلالة الحديث. لأنه لو كان دلالة الحديث، لكان أكثرهم قد تركوا دلالة الحديث، بل قد يكون كلهم؛ لأن الذين يقولون بهذا المفهوم هم أيضا متفقون على أن الماء الكثير إذا وقعت فيه النجاسة وغيرته، فإنه ينجس، ولو كان ماء كثيرا أكثر من القلتين، إذا وقعت فيه النجاسة وغيرت أحد الأوصاف الثلاثة، فإنه ينجس. فلهذا حمل هذا الحديث على أن ما كان أقل فإنه يحتمل النجاسة، وما كان أكثر فهو لا يحتمل النجاسة؛ هذا يفسر به هذا الحديث حتى يتفق مع حديث أبي سعيد الخدري، والقاعدة العامة أنه إذا تغير الماء تغير أحد أوصافه الثلاثة، فإنه ينجس، سواء كان قليلا أو كثيرا، سواء كان دون القلتين أو أكثر من القلتين، سواء كان جاريا أو لا، كما قال الشوكاني رحمه الله. قال: وسبق اعتذار الهادوية والحنفية عن العمل به بالاضطراب في مثله، وفي رواية: «إذا بلغ ثلاث قلال»، وفي رواية: «قلة»، قالوا: بجهالة قدر القلة، وباحتمال معناها؛ القلة حصل فيها اختلاف في تقديرها، فمن قائل: أن القلة هي خمسمائة رطل بالبغدادي، خمسمائة رطل بالبغدادي، وهذا قاله الشافعي رحمه الله، على أنها ستكون باللتر مائة وتسعين لترا، مائة وتسعين لترا، بالكيلو الظاهر مائة وثلاثة كيلو، أو ثلاثمائة كيلو. فبعض مقدرها بأنها مائة وتسعون لتر ماء، يعني مثل برميل مائتين لتر، يعني قريب البرميل، هذا المشهور الذي قاله الشافعي، وعلى أنه فسر القلة بأنها قلة من قلال هجر، قلال هجر هي أكبر القلال، لكن كما قلنا لم يثبت الحديث، لم تثبت هذه الزيادة: أن القلال قلال هجر، وإنما ذكرها ابن سحاق، أو ذكرها عن ابن سحاق المغيرة بن سقلاب، وهو منكر الحديث، فلهذا لم تثبت. ولهذا قال أبو عبيدة: أن القلة هي الكوز الذي كان يستخدمه العرب، هو الكوز الذي كان يستخدمه العرب، وهو رطلان أو ثلاثة أرطال، رطلان أو ثلاثة أرطال من الماء، شيء يسير، إذا كان قلنا الكوز عن ثلاثة أرطال من الماء، فهو سيكون قليلا، ليس بذاك الكثير، ستة أرطال من الماء، سيكون الظاهر كم لتر؟ ممكن خمسة عشر لترا أو نحو ذلك، أو أقل. قال: فإن قوله: «لم يحمل الخبث»، يحتمل أنه لا يقدر على حمل الخبث، ويحتمل أنه يتلاشى فيه الخبث، وقد أجاب الشافعي عن هذا كله، وقد بسطه في الشرح، إلا الأخير؛ فلم يذكره، كأنه تركه لضعفه؛ لأن رواية «لم ينجس» الصريحة في عدم احتمال المعنى الأول. والصحيح أن هذا الاضطراب لا يستقيم، والصحيح أنه رواية أكثر من روى هذا الحديث أنه جزم بالقلتين، في رواية الوليد بن كثير، وهو ثقة حافظ، ورواها عنه أبو أسامة، وهو أيضا من الثقات الحفاظ، فرواية القلتين: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، فالخلاص أن الحديث صحيح، ولكن مدلوله لا يدل على ظاهره: أنه يحمل الخبث، معنى يحمل النجاسة إذا كان أقل من القلتين، وما كان أكثر لا يحمل؛ ليس هذا على إطلاقه. والصحيح إنما أن ما كان دون القلتين يحمل معنى ينجس، أو فيه احتمال النجاسة، معنى إذا كان دون القلتين إذا أصابته النجاسة، فإنه غالبا يتنجس، وما كان أكثر فإنه لا يتنجس، لكن القاعدة العامة أن ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ينجس، سواء كان قليلا أو كثيرا، سواء كان دون القلتين أو أكثر من القلتين. قال: طيب، هنا مسألة الماء إذا كان كثيرا، مثلا المياه المستبحرة، هل يدخل فيها هذا؟ هل تنجس هذه المياه المستبحرة؟ العادة أنها لا تنجس؛ لأنها كبيرة ما تؤثر فيها النجاسة، لكن لو حصر منها شيء من الماء وأصيبت بالنجاسة وظهرت فيها النجاسة، فهذا يتنجس. وهذا حصل في المكلة، لما كانت المجاري تصب قرب البحر، قبل أن يفعلوا هذا الخور الآن الذي عملوه، كان يحجزونه بالحجارة، فكانت المجاري تصب فيه، وهو يظهر في بداية البحر، نجاسة ظاهرة، وبعض الناس يتوضأ منه؛ لأنه كان مسجد قريب، وما في حمامات، يتوضون من البحر، فبعض الناس يتوضأ من هذا المكان، وهذا خطأ؛ لأن النجاسة ظاهرة فيه، وهو غير محصور. فلهذا قال الشافعي رحمه الله في قول له: أن الماء الجاري والماء الكثير إذا ظهرت فيه النجاسة، فلا يجوز للإنسان أن يتوضأ في المكان الذي فيه النجاسة، وسيأتي إن شاء الله معنا في الكلام على الماء الجاري.