شرح الأصول الثلاثة 17

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 17، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

وجوب الهجرة من دار الكفر وأحكام السفر إليها

يشرح المقطع وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام كفريضة باقية إلى قيام الساعة مستدلاً بآية النساء، ويبين أن الهجرة نوعان: هجرة القلب وهي الأصل، وهجرة البدن وهي تابعة لحفظ الدين. كما يذكر شروط جواز السفر إلى بلاد الكفر وهي العلم الواقي من الشبهات، والدين والتقوى الواقيان من الشهوات.

شروط الإقامة في بلاد الكفر وتشريع الأحكام في المدينة

يبيّن المقطع ثلاثة شروط مشددة لجواز إقامة المسلم في بلاد الكفر: أمنه على دينه، وإظهاره لشعائر الإسلام، ووجود ضرورة قاهرة، مؤكداً وجوب الهجرة المستمرة بآية الزمر. ويوضح أن شرائع الزكاة والصوم والحج والجهاد فُرضت تفصيلاً في المدينة بعد أن صارت دار إسلام وأمن.

كمال الدين وعالمية رسالة النبي الخاتم

يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته في مكة بالتوحيد وأكمل الله به الدين في المدينة فشرع الأحكام، وأن القرآن محفوظ من التحريف. كما يؤكد أن رسالته عامة للثقلين من الإنس والجن، وهو خاتم الأنبياء ودينه باقٍ كامل لا يحتاج إلى نبي بعده.

خاتمة الدرس والاستشهاد بتفسير ابن كثير

يختتم المتحدث الدرس بالتأكيد على أن الدين الذي أحبه الله ورضيه هو الذي بعث به أفضل الرسل وأنزل به أشرف الكتب، مستشهداً بتفسير ابن كثير. ويعلن استكمال ما تبقى في الدرس القادم داعياً الله أن يوفق الجميع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرحبًا بكم مرة أخرى في الدرس الماضي، كان الكلام حول الإسراء والمعراج، وهذه المعجزة العظيمة التي أيد الله بها نبينا صلى الله عليه وسلم. وهكذا الهجرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالهجرة إلى المدينة، وأن الهجرة هي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وسبق معنا أن من أهل العلم من ذكر أن الهجرة وقعت في الإسلام على وجهين، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه "فتح الباري". الوجه الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمان، ومثلوا لذلك بالهجرة من مكة إلى الحبشة، وهكذا أيضًا الهجرة من مكة إلى المدينة في أول الأمر، قبل أن ينتقل النبي صلى الله عليه وسلم وتصبح المدينة دار إسلام. الوجه الثاني: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، سواء كانت المدينة هي دار الإسلام أو كان غيرها، ومثلوا لذلك بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وهجرة الصحابة من مكة إلى المدينة. وذكرنا كذلك أن الهجرة هجرتان، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "الرسالة التبوكية"، ذكر أن الهجرة هجرتان: الأولى: هجرة القلب إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي الأصل. الثانية: هجرة البدن والجسد من بلد إلى بلد آخر، وهي تابعة للهجرة الأولى. ما هي الحكمة يا إخوان من مشروعية الهجرة؟ لماذا أمر الله بالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ومن بلاد الخوف إلى بلاد الأمان؟ ما هي الحكمة من الهجرة؟ نعم، يحافظ على دينه. أحسنت. فالمقصود والحكمة من الهجرة يا إخوان هي الفرار بالدين، والمحافظة عليه؛ فإن المحافظة على الدين مقدمة على المحافظة على النفس والمال والوطن والأهل وغير ذلك. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾. قال رحمه الله تعالى: "قال: والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. قال: والهجرة فريضة على هذه الأمة". ما معنى فريضة يا أبا عبد الله؟ واجبة. فريضة أي واجبة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. قال: "وهي باقية إلى أن تقوم الساعة". قال: "والدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾". وكان الله عفوًا غفورًا. أحسنت. وهذه الآية من سورة النساء، جاء في حديث ابن عباس في صحيح البخاري وغيره بيان سبب نزولها: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل. فأنزل الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾. قال الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى: "فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين". كم يضايقون يا إخوان في بلاد الكفر! يضايق الواحد منهم على إقامة الشعائر والفرائض، وهكذا لربما يبتلى بالشبهات، وهكذا بالشهوات في بلاد الكفر. كم منهم من لا يستطيع أن ينصح أبناءه أو يمنع أبناءه من الإلحاد ومن الفواحش والمحرمات، من الزنا واللواط وشرب الخمور وتناول المخدرات؟ لا يستطيع أن يمنع ابنته من ممارسة الزنا مع أولئك الكفار، وغير الكفار. فماذا يفعل؟ وليس متمكنًا من إقامة الدين، لا يستطيع أن يحجب ابنته أو زوجته، كما في بعض الأنظمة والقوانين كفرنسا وغيرها ممن يمنعون الحجاب ويحاربونه. قال: "فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع". أكذا يقول ابن كثير: "مرتكبًا حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية". إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى وغفر له. وذكر العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية قال: "وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات". لاحظوا: قال "من أكبر الواجبات"، وتركها من المحرمات، بل أكبر الكبائر. ويا إخوان، نص العلماء على أنه لا يجوز الذهاب إلى بلاد الكفر، لا يجوز الذهاب إلى بلاد الكفر إلا بشروط ثلاثة، إذا وجدت لذا المرء جاز له أن يذهب: الأول: قالوا: علم يحرسه من الشبهات. هناك يا إخوان شبهات لدى القوم لا يستهين بها الشخص. هذه الشبهات يا إخوان تجعل الواحد يتشكك في أمر دينه، وكم يا إخوان ارتد من ارتد عن الإسلام بسبب هذه الشبهات. بل اليوم البعض لربما يرتد عن الإسلام بسبب هذه الشبهات وهو في بلاد الإسلام، يدخل عبر الشبكة ويقرأ ويطلع ويسمع ويتحاور مع بعض النصارى مثلًا، فيورد عليه شبهات، وهو يحاول يدفع، لكن ليس عنده العلم الذي يستطيع أن يفند به هذه الشبهة ويردها. سهام ماذا؟ تنخلب على العدو؟ لا، كل ما رماه بشبهة اخترقت قلبه ووقعت في فؤاده، فيصبح بعد ذلك يتشكك، وما هي إلا فترة وإذا بالشك يقوى، وإذا به يرتد عن دين الإسلام، ويأخذ له إنجيلًا ويعلق له صليبًا، ويدعوه الكفار إلى بلادهم، فسرعان ما يذهب إليهم. فلابد أولًا من علم، وهذا العلم يحرسه من الشبهات. الأمر الثاني: دين وإيمان وتقوى تحرسه من الشهوات. عنده دين، تقوى، إيمان تحرسه من الوقوع في الشهوات المحرمة هناك. هناك عري، هناك يعني مجون، هناك خمور، هناك بيوت للدعارة والفسق، هناك غير ذلك. بعض الناس يا إخوان في بلاد الإسلام ما يستطيع يصبر، في بلاد الإسلام ما يستطيع يصبر عن هذه الشهوات، تجده يتتبع النساء في الأسواق وينظر إلى الصور الخليعة في الجوال أو التلفاز أو غير ذلك. طيب، كيف هذا لو ذهب إلى تلك البلاد، وجد الأمور الأبواب مفتوحة على مصراعيها والحبل على الغارب؟ ماذا سيفعل؟ سينزلق له من هذه الدلاء التي فيها هذه المحرمات. وللأسف يا إخوان، أكثر من يذهب إلى بلاد الكفار ليس عنده تلك الاستقامة والإيمان والتقوى والدين في بلاد الإسلام، ينام عن صلاة الفجر ويتخلف عن الصلوات الأخرى، لا يحضر مجالس العلم ولا حلقة الذكر، وليس عنده إلمام ببعض جوانب هذا الدين، ويخاطر بنفسه إلى بلاد الكفار، بحثًا عن دراهم معدودة وهكذا أغراض دنيوية وغير ذلك. الأمر الثالث أو الشرط الثالث: قالوا أن يكون مضطرًا للذهاب إلى تلك البلاد، كالذهاب من أجل العلاج، أو الدعوة إلى الله عز وجل يدعو أهل تلك البلاد إلى دين الإسلام، أو يعني يبحث عن الأمن. لربما البعض لم يجد الأمن في بعض البلاد المسلمة، الأصل أنه ينتقل إلى بلاد أخرى مسلمة، فإن اضطر وذهب إلى بلاد كافرة فيرجى أن يكون ذلك عذرًا. وعلى هذا، لا يجوز الإقامة في بلاد الكفار، لا يجوز الإقامة في بلاد الكفار إلا بالشروط السابقة، إلا بالشروط السابقة: أن يأمن على دينه، وهكذا أيضًا يتمكن من إظهار شعائر الإسلام، وهكذا أيضًا أن يكون مضطرًا إلى ذلك. قالوا: لا يجوز الإقامة في بلاد الكفر إلا إذا كان يأمن على دينه، وهكذا أيضًا أمر آخر وهو أن يتمكن من إظهار دينه، الأمر الثالث قالوا: أن يكون مضطرًا إلى ذلك. قال رحمه الله تعالى: "قال وقوله تعالى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾". قال البغوي رحمه الله تعالى: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان". قال: "نعم، باسم الإيمان". والبغوي رحمه الله تعالى أو لعل الشيخ رحمه الله تعالى نقل كلام البغوي من حفظه، فنقله بما معناه، والذي هو في كلام البغوي رحمه الله تعالى قال: "نزلت في قوم تخلوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع". نخشى إن هاجرنا أي إلى المدينة، نخشى من الجوع وضيق المعيشة. ويا إخوان، هذا الذي يقوله المسلمون الذين يقيمون اليوم في بلاد الكفار، يقولون: إذا أتينا إلى بلاد الإسلام كيف سنأكل، ومن أين سنكسب معيشتنا؟ سنخسر دولارات وجنيهات وإلى غيرها من الأموال. قال: "وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة، فأنزلت هذه الآية، ولم يعذرهم بترك الهجرة". أكذا في تفسير الإمام البغوي رحمه الله تعالى. قال: "والدليل على الهجرة من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها»". وهذا الحديث أخرجه أبو داود وأحمد والدارمي وغيرهم من حديث معاوية، وهكذا أيضًا جاء من حديث غيره، وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى كما في "إرواء الغليل" و"صحيح الجامع". وهذا الحديث يا إخوان فيه دليل على أن الهجرة مستمرة إلى قيام الساعة، حتى تطلع الشمس من مغربها. واليوم يا إخوان، مع الفتن التي يتعرض لها المسلمون في بلاد الكفر، تكون المحافظة على الدين وإقامة شعائر الدين من أهم المهمات التي يجب أن يحرص عليها المسلم في بلاد الكفر. فما أحوج الكثير منهم إلى الهجرة! قال رحمه الله تعالى: "قال: فلما استقر بالمدينة... من هو؟ يا أبا محمد: الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام". ولما أمر بهذه الشرائع في المدينة؟ لأنها صارت... محمد... لماذا لم يؤمر بهذه الشرائع في مكة؟ وإنما أمر بها في المدينة؟ المدينة أصبحت دار... دار ماذا؟ بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهجرة الصحابة إليها أصبحت دار... أحسنت، نعم، يعني دار إسلام أو دار كفر؟ دار إسلام. أصبحت دار إسلام، وأصبحوا فيها آمنين على أنفسهم، ومتمكنين من القيام بما أمرهم الله به سبحانه وتعالى، بخلاف ما كان عليه الحال بمكة. بمكة ماذا؟ ما كانوا يستطيعون أن يقوموا بكثير من هذه الشعائر وهذه العبادات. قال: "أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والحج والجهاد والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام". من معي منتبه عندك يا أبا البراء؟ لماذا لم يذكر الصلاة؟ قال: "أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة..." لماذا لم يذكر الصلاة؟ لم يقل مثل الصلاة؟ أين؟ أحسنت. لم يذكر الصلاة لأن الصلاة قد فرضت في مكة كما في حادثة الإسراء والمعراج، لكن هذه شرائع أمروا بها بعد ذلك في المدينة، مثل الزكاة والصوم. والزكاة والصوم يا إخوان فُرضا أو ماذا؟ يعني الزكاة فُرضت في مكة، لكن بيان الأنصب والمقادير كان بالمدينة. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ في أي سورة هذا؟ ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ في أي سورة؟ سورة... نعم، ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ في أي سورة؟ الأنعام. أحسنت. وسورة الأنعام مكية. سورة الأنعام مكية. في سورة المعارج: ﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾، هذه مكية، وفيها الأمر بماذا؟ أو فيها بيان أن للفقراء والمساكين حقًا في أموال الأغنياء. ففُرضت الزكاة في مكة، لكن بيان الأنصب والمقادير وتفاصيل الزكاة كانت بالمدينة. بالنسبة للصوم: فُرض في السنة الثانية من الهجرة في المدينة، وصام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة رمضانات. والحج: الصحيح أنه فُرض في السنة التاسعة من الهجرة، في قول الله عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾، هذه سورة آل عمران نزلت في عام أو السنة التاسعة من الهجرة. وأما قوله عز وجل: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾، هذا في السنة السادسة بعد صلح الحديبية، وأمر بماذا؟ أن من شرع في نسك وجب عليه أن يكمله، وليس فيه الأمر بالحج. وهكذا بالنسبة للجهاد: ربنا عز وجل يقول: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾، قال غير واحد من المفسرين: إنها أول آية نزلت في الجهاد، أول آية نزلت في الجهاد، وهذا كان في المدينة. والأذان: الأذان يا إخوان فُرض بالمدينة كما في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، لما هاجر الرسول إلى المدينة، ففي السنة الأولى أو في السنة الثانية شُرع الأذان، ونسخت القبلة إلى الكعبة المشرفة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هذا كذلك أيضًا فُرض بالمدينة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة يا إخوان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأعظم معروف كان يأمر به هو التوحيد، وأعظم منكر كان ينهى عنه هو الشرك، هو الشرك، لكنه لم يكن ظاهرًا ولم يكن متمكنًا إلا في المدينة. في المدينة قامت دولة الإسلام فأصبحوا قادرين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ﴾. أكذا يقول الله تبارك وتعالى. وماذا؟ وغير ذلك من شرائع الإسلام التي فُرضت بالمدينة. أكثر الشرائع فُرضت في المدينة، ولهذا تلاحظون أن السور والآيات المدنية تميزت بماذا؟ ببيان الأحكام وبيان الشرائع، بخلاف السور والآيات المكية، غالبًا ما تتحدث عن التوحيد وأهميته، والشرك وخطورته، تتحدث حول صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا صدق القرآن الذي أنزله الله تعالى عليه، تتحدث حول البعث والحساب والقيامة، إلى غير ذلك. وقد يوجد في بعضها كلام حول الأحكام والشرائع، لكنه قليل بالنسبة لما كان بعد ذلك في المدينة. قال: "أخذ على هذا عشر سنين، عشر سنين، أين؟ بمكة أو بالمدينة؟ بالمدينة، عشر سنين. قال: وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه، وذِينُهُ باقٍ، وذِينُهُ باقٍ. وهذا دينه: لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه". قال: "والخير الذي دل عليه: التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه: الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه". وقوله ههنا: "أنه توفي عليه الصلاة والسلام ودينه باقٍ": ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾، ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. ذكر المفسرون فيها قولين مشهورين: الأول: أنها ترجع إلى الذكر، وهذا قاله الأكثرون. قال قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي رحمه الله تعالى: "أنزله الله ثم حفظه، أنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلًا أو ينقص منه حقًا، ما يستطيع أحد، لا إبليس ولا غير إبليس، أن يزيد أو ينقص أو يغير أو يبدل منه ولو آية، ولو آية". القول الثاني في تفسير الآية: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾، أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمعنى: إنا له لحافظون من الشياطين والأعداء، من الشياطين والأعداء. قال: "وهذا دينه، وهذا دينه: لا خير إلا دل الأمة عليه". لا خير، ويدخل في هذا جميع أنواع الخير، جميع أنواع الخير، فهي نكرة "خير" نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم». وهكذا قوله: "ولا شر"، شر هنا نكرة في سياق النفي، فيعم جميع الشرور. يا إخوان: «تركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». قال: "قال: بعثه الله، أو بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على جميع الثقلين". من هم الثقلان؟ قال: الجن والإنس. والدليل قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾. فإذن ماذا؟ فإذن النبي صلى الله عليه وسلم دعوته دعوته عامة. كما قال في حديث أبي هريرة وجابر: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي»، وذكر الخامسة: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، يعني نبي في الشحر مثلًا، نبي آخر في المكلة، نبي في الديس، وهكذا أنبياء متفرقون، وبعث إلى الناس عامة». كما قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾، أي ومن تبلغه هذه الدعوة. هذه الدعوة، وماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، لكن ماذا؟ لكن دينه باقٍ، ودعوته باقية، يقوم بها بعده ورثة الأنبياء، من العلماء، من العلماء. وهكذا قوله سبحانه وتعالى عن الجن: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ ﴾. انظر، بعث إلى الإنس وإلى الجن أيضًا، وإلى الجن أيضًا. ذكر الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى كما في شرحه على العقيدة الطحاوية قال رحمه الله تعالى: "قال: كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثًا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة، هذا من الأمور التي لا نزاع فيها ولا خلاف فيها، ولا خلاف فيها". وكأن الشيخ رحمه الله تعالى بإرادته لهذا الأمر أراد أن يرد على قول من يقول: أنه عليه الصلاة والسلام إنما هو مبعوث للعرب خاصة، بالعربي خاصة، كما يقول اليهود والنصارى وغيرهم: "هذا نبي العرب، أما نحن فلسنا ملزمين بالإيمان به واتباعه". أراد أن يرد عليهم ببيان عموم دعوته وشمولها، وشمول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "وأكمل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾". ذكر الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: في أي سورة هذه الآية إخوان؟ ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾، سورة المائدة، وهي من أواخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير: "هذا أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، هذا أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم، حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا لنبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه". قال: "ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الجن والإنس، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به، أي النبي صلى الله عليه وسلم، كل شيء أخبر به، قال: فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف، ولا خلف، كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾، قال: أي صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، وعدلًا في الأوامر والنواهي. قال: فلما أكمل الله لهم الدين تمت عليهم النعمة، فلهذا قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾، لما أكمل الله لهم الدين تمت عليهم النعمة. قال: أي فارضوه أنتم لأنفسكم، إن الدين أو فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه". وهذا يراجع في تفسير ابن كثير لهذه الآية. ونكمل ما تبقى وهو مسك الختام إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.