الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 102، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الصبر هو أكبر معين على أداء الطاعات واجتناب المحرمات، والعلم بفضل الأعمال وعقاب المعاصي هو المحرك الأساسي الذي يرسخ الصبر في قلب العبد.
العلم أصل كل فضيلة؛ به يعرف المسلم ثمرات الطاعات فيصبر عليها، وقبح المعاصي فيجتنبها، وحكمة الأقدار فيرضى بها، والانحراف في الصبر سببه قصور العلم.
أعلن المحاضر انتهاء حصة اليوم مع الوعد باستكمال القاعدة في الدرس القادم، مختتماً بالشكر والحمد لله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فقوله: "الصبر أكبر عون على كل الأمور"، هذا أمر معلوم، أمر معلوم من أدلة الكتاب والسنة الكثيرة. وأصرح آية في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. فالصبر أكبر عون على كل الأمور. من لم يوجد عنده صبر فلا يستطيع أن يقضي حوائجه، وأن يستكمل أعماله أبداً. فالصبر أكبر عون على كل الأمور؛ لأن الصبر معناه: حبس النفس على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة. والصبر ثلاثة أنواع: فمن حبس نفسه على ذلك أدى الواجبات، وترك المحرمات، وصبر عند نزول المصائب والملمات. لكن هنا أراد أن ينبه على أمر آخر، وهو أن الإحاطة بشيء علماً وخبراً هو الذي يعين على الصبر. يعني: ذكر أمراً مهماً جداً في الإعانة على الصبر. لماذا الناس يتفاوتون في الصبر؟ تفاوت الناس في الصبر في قدر تفاوتهم بالشيء الذي يصبر عليه علماً وخبراً. يعني خبراً: ما عنده من خبر هذا الشيء، من خبر هذا الشيء. مثال ذلك: مثلاً الصلاة تحتاج إلى صبر. فالعبد إذا عرف فضل الصلاة، وفضل التبكير إليها، وفضل إسباغ الوضوء من أجلها، وفضل صلاة الجماعة، وفضل هذه الصلاة في تزكية النفوس ونحو ذلك، فهذا العلم بفضل الصلاة يدفعه دفعاً إلى القيام بهذه الشعيرة، والاهتمام بها. مثال آخر: لماذا الناس في زهد عن طلب العلم، وبعض الناس في إقبال على العلم؟ الفرق هو أن المقبل على العلم علم وخبر فضل العلم عنده، خبر وعنده علم بفضل العلم. فهذه الفضائل هي التي حثته، وكذلك جعلته يسارع ويسابق لطلب العلم حتى ينال هذه الفضائل: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، وأن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، إلى غير ذلك من فضائل العلم. فيريد المؤلف من هذا أن يبين لنا أن من أعظم أسباب العون على الصبر هو ماذا؟ هو العلم بهذا الشيء المصبور عليه. ولذلك قال هنا: "وهذه القاعدة عظيمة النفع، قد دل القرآن عليها صريحاً وظاهراً في أماكن كثيرة". قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. هذا دليل صريح في أن الصبر أكبر عون على كل الأمور. هذا صريح: أي استعينوا على جميع المطالب، وفي جميع شؤونكم بالصبر. فإن الصبر يسهل على العبد القيام بوظيفة الطاعات. من كان عنده صبر وفق للقيام بالطاعات، وأدى حقوق الله: من القيام بالتوحيد، بالصلاة، بغيره، وحقوق العباد: من بر الوالدين، صلة الأرحام، حسن الجوار. وبالصبر يسهل عليه ترك محارم الله، وتزكية نفسه من الحرمات. لأنه قلنا: الصبر على ثلاثة أقسام: الصبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله. فالمعصية كذلك تحتاج إلى صبر: صبر نفسك عن أن تقدم على هذه المعصية. قال: "فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها". يعني: حتى تحذر من الشقاء. فكأنه يقول: أن مما يعين على ترك المحرمات أن يستشعر من أراد الإقدام عليها عقوبة هذه المعاصي. من علم عقوبة هذه المعاصي يعني: حجزته هذه المعرفة عن ارتكاب المعصية. إذا عرف أن المعصية سبب لعدم التوفيق، سبب لظلمة القلب، سبب لذهاب بركة العلم وبركة المال، سبب للفقر، سبب لضيق الصدر... سبب... إذا علم هذا فسيصبر عن المعصية حتى لا يتضرر بفعله لهذه المعصية: "حذر شقاءها، وطلباً لرضى مولاها". لو علم ما له عند الله عز وجل إذا ترك هذه المعصية، لكان هذا كافياً في ردعه ومنعه عن ارتكاب هذه المعصية. وقال: "وبالصبر تخف عليه الكريهات". يعني: الأشياء المكروهات. بمعنى: مثلاً المصائب والأقدار المؤلمة. لو علم ما في الصبر عليها من جزيل الثواب... "ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه". إذا استشعر هذه، فهذه المكروهات تخف عليه، تخف عليه. ولكن هذا الصبر، وسيلته وآلته التي ينبني عليها، ولا يمكن وجوده بدونها، هي معرفة الشيء المصبور عليه. أن تعرف فضل هذا الشيء، أو خطر هذا الشيء إن كان معصية، أو خطر الجزع إن كان مصيبة. إن كانت مصيبة، قال الله عز وجل في الحديث... نعم، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». فلو تستحضر مثل هذه النصوص، فلا شك أن هذا الاستحضار وهذا العلم يدفعك إلى أن تحجز نفسك عن الوقوع في التسخط، عن الوقوع في التسخط. فهذا مراده بقوله: "وبالصبر تخف عليه الكريهات". ولكن وسيلته التي ينبني عليها، ولا يمكن وجوده بدونها، هي معرفة الشيء المصبور عليه، وما فيه من الفضائل، وما يترتب عليه من الثمرات. فمتى عرف العبد ما في الطاعات من صلاح القلوب... الطاعات كلها خير، أقبل على هذه. "صوم يوم واحد يباعد الله عز وجل وجهك عن النار سبعين خريفاً". هذا سيجعل العبد يصبر على الصيام، ولو كان في يوم حار، ولو كان في يوم طويل، سيصبر على ذلك رغبة في نيل هذا الأجر، وزيادة الإيمان. لأن الإيمان عند أهل السنة يزيد وينقص. يزيد بماذا؟ بالطاعات. ويستكثر من الطاعات رجاء أن يزداد إيمانه، واستكمال الفضائل، وما تثمره من الخيرات والكرامات. يعني: هذه الطاعات، وما في المحرمات من الضرر والرذائل. الضرر يعني: عدم التوفيق، وكذلك المرض، وكذلك قسوة القلب، والهموم والغموم، وأعظمها دخول النار، والعياذ بالله. فهذه: ما في المحرمات من ضرر ورذائل، وما توجبه من العقوبات المتنوعة. عقوبات المعاصي معروفة. وعلم ما في أقدار الله من البركة: يعني أقدار الله المؤلمة، لا تتسخط، لعل الخير فيما اختاره الله لك. الخير فيما اختاره الله لك. وما لمن قام بوظيفته فيها من الأجور: يعني وظيفة الصبر على الأقدار. هذا هان عليه الصبر على جميع ذلك. هان عليه الصبر لأنه يعمل لهدف، ويرجو ما عند الله سبحانه وتعالى. ثم قال: "وبهذا يعلم فضل العلم، وأنه أصل العمل والفضائل كلها. أصل العمل والفضائل كلها". يعني: هذا فيه فضل العلم. من يتوصل إلى الإحاطة بالشيء علماً الذي يتعلم، أما الجاهل فلا. ولذلك هذا وجه من أوجه أن العلم من أسهل الطرق لدخول الجنة، من أوجه أن العلم أسهل طريق لدخول الجنة. لأن العالم... لأن العالم يعرف الفضائل ويعرف الزواجر. فالفضائل تدفعه إلى العمل الصالح، والزواجر تمنعه من ارتكاب المعاصي، من ارتكاب المعاصي. فهنا يتبين لنا فضل العلم. قال: "ولي هذا كثيراً يذكر في كتاب: أن المنحرفين في الأبواب الثلاثة إنما ذلك لقصور علمهم". أيش الأبواب الثلاثة؟ الصبر على الطاعة، الصبر عن المعصية، الصبر على أقدار الله المؤلمة. وهذه آيات كثيرة سينبه على بعضها الآن. قال: "إنما ذلك لقصور علمهم، وعدم إحاطتهم التامة بها". قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. لماذا صار العلماء من أخشى الناس؟ لأن بعلمهم أقبلوا على الطاعات وصبروا عليها، لما علموا من عظيم أجرها. وكذلك لعلمهم بقبح المعاصي والضلال والانحراف، حجزهم ذلك عن ارتكابها، حجزهم ذلك عن ارتكابها. ولذلك صاروا أخشى الناس، أخشى الخلق هم العلماء: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. يعملون السوء بجهالة. قال بعض أهل العلم: كل من عصى الله فهو جاهل، وإن كان عالماً. إنسان يعلم بحرمة الزنا، لكنه يزني. لماذا يزني؟ لأنه ما علم عظمة الله. لو علم عظمة الله، لما جعل الله... أو لما جعل نظر الله أهون عليه من نظر الخلق، أهون عليه من نظر الخلق. ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: ليس مع أنهم لا يعترفون أنها ذنوب سوء، هم يعترفون أنها ذنوب سوء. لكن إنما قصر علمهم وخبرتهم بما توجبه الذنوب من العقوبات. يعني: ما يدرون عقوبة مثلاً الزنا، وأن الله يطمس على قلب صاحبه، وأن الله لا يوفق صاحبه. وهم يعرفون حرمة هذا. فكل من عصى الله فهو جاهل: جاهل بعقوبة هذه المعصية، جاهل بعقوبة هذه المعصية، لا بحكم هذه المعصية. وإلا فالعاصي يعترف: الزنا معروف عنده حرام، شرب الخمر حرام، السرقة حرام. لكن لماذا يرتكب هذا؟ لجهله بالعقوبات المترتبة على هذه المعاصي. طيب، لعلنا اليوم نكتفي بهذا. نكمل إن شاء الله القاعدة في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً لكم.