الخطبة بعنوان وقفات مع حديث الغار، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 رجب 1445هـ الموافق 9 فبراير 2024م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الخطيب بذكر حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم صخرة في غار، فدعوا الله بأخلص أعمالهم ففرج الله عنهم. ويركز على توسل أولهم ببر والديه وانتظاره لهما حتى استيقظا، مستدلًا بأحاديث تبرز مكانة بر الوالدين وكونه من أحب الأعمال إلى الله.
يتناول المقطع قصة الرجل الثاني الذي توسل إلى الله بعفته عن الزنا رغم قدرته عليه، وقصة الرجل الثالث الذي توسل بأداء الأمانات وإعطاء الأجير حقه قبل جفاف عرقه، مع التأكيد على الوفاء بالحقوق.
يسأل الداعي الله أن يصلح دينه ودنياه وآخرته، وأن يجعل الحياة زيادة في الخير والموت راحة من الشر. كما يطلب حفظه في دياره ووطنه، وأن يولّي عليه خيار الناس ويصرف عنه شرارهم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، ألا وإن من الأحاديث العظيمة التي جمعت علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، جمعت الحكمة والبيان، ما أخرجه الشيخان. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن كان قبلكم ثلاثة نفر، آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت عليهم صخرة، فسدت عليهم فتحة الغار، فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بخالص أعمالكم. فقام الأول، فقال: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأبي طلب الشجر يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، قال: فحلبت لهما غبوقهما، قال: فوجدتهما نائمين، قال: فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما، قال: والصبية يتضاغون عند قدمي، ولكن كرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، قال: حتى برق الفجر، قال: فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، قال: فانفرجت الصخرة شيئًا، لكن لا يستطيعون الخروج منه. قال: ثم قام الآخر، فقال: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها عن نفسها يومًا، فامتنعت، قال: حتى ألمت بها سنة من السنين، قال: فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومئة دينار، قال: فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، قال: ففعلت، حتى إذا قعدت منها مقعد الرجل من أهله، مقعد الرجل من أهله، قالت: اتق الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، قالت: اتق الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت عنها وهي من أحب النساء إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، قال: فانفرجت الصخرة شيئًا، لكن لا يستطيعون الخروج منه. قال: ثم قام الثالث، فقال: اللهم استأجرت أجراء، فأعطيت كل واحد أجره إلا واحدًا ترك الذي له وذهب، قال: فنميت له أجره حتى صار منه مال كثير من الرقيق والإبل والبقر والغنم، قال: ثم جاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله، قال: يا عبد الله، أدي إلي أجري، قال: فقلت: كل ما ترى من الرقيق والإبل والبقر والغنم هو أجرك، قال: لا تستهزئ بي، قال: لا أستهزئ بك، قال: فأخذه كله ولم يترك منه شيئًا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، قال: فانفرجت الصخرة، وخرجوا يمشون». أيها المسلمون، عباد الله، لنا مع هذا الحديث العظيم بعض الوقفات المختصرة، ألا الله عز وجل أن ينفعنا بما نقول أو نسمع، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا جميعًا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه. أيها المسلمون، عباد الله، يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة وحادثة وقعت فيمن قبلنا من الأمم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». ذكر عليه الصلاة والسلام قصة هؤلاء النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، والغار هي الفتحة التي تكون في الجبل، يأوي إليها الإنسان لأجل المبيت، ويأوي إليها الإنسان لكي تقيه حرارة المصيف وبرودة الشتاء، وهكذا تأتي إليها البهائم وتأوي إليها السباع. قال: فدخلوه، فانحدرت عليهم صخرة، فسدت عليهم فتحة الغار، فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بخالص أعمالكم. ونستفيد من هذا أنه لا ينفع من العمل إلا ما كان خالصًا لوجه الله الكريم، فالإخلاص شرط في صحة قبول العمل وقبول العبادة. قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وفي حديث أبي هريرة عند مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، تركته وشركه». فلا ينفع من العمل إلا ما كان خالصًا لوجه الله الكريم، وموافقًا لسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم. وهكذا نستفيد من هذا الحديث جواز التوصل إلى الله عز وجل بالعمل الصالح، وهو أحد أنواع التوصل المشروع، ومن ذلكم التوصل باسم من أسماء الله عز وجل، أو بصفة من صفاته، وهكذا التوصل بالعمل الصالح: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وهكذا التوصل بدعاء الرجل الصالح. وهكذا نستفيد من هذا الحديث أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلربما بسبب معروف تسديه أو خير تقدمه إلى مسلم، يصرف الله عنك به مصيبة من المصائب، وكربة من الكرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». لربما تغيث ملهوفًا، أو تؤمن خائفًا، أو تطعم جائعًا، أو تحمل مسلمًا، فيجعل الله بسبب ذلك النجاة من المصائب، والسلامة من الفتن والآفات. قال النبي صلى الله عليه وسلم مخبرًا عن الأول أنه توسل إلى الله عز وجل ببره بوالديه وإحسانه إلى الوالدين، فقال: «اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا». والغبوق هو شرب اللبن في آخر النهار بالعشي، كما أن الصبوح هو شربه في أول النهار. قال: «فنأبي طلب الشجر يومًا»، أي أن المرعى كان بعيدًا، ولأجل ذلك فإنه تأخر في عودته، وبسبب تأخره في عودته وجد الوالدين قد ناما، فوقف والقدح اللبن في يديه ينتظر استيقاظهما، ما أيقظهما لألا يقطع عليهما لذة النوم وراحته، حتى برق الفجر وهو على ذلك الحال، فاستيقظ الوالدان فشربا هذا الغبوق. تأملوا رحم الله وإياكم إلى عظم الإحسان مع الوالدين، فإن الإحسان إلى الوالدين يعتبر من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، ففي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإحسان إلى الوالدين يعتبر سببًا من أسباب دخول الجنة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخلاه الجنة». وفي حديث أبي الدرداء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فاحفظ هذا الباب أو ضيعه». بل ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فالجزاء من جنس العمل، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فالوالدان كم تعبا لأجل أن نرتاح، وكم سهرا من أجل أن ننام، وكم جاعا لأجل أن نشبع. اليوم يرد الجميل إلى أهله، اليوم هو يوم الوفاء، قد يحتاج الوالدان إلى نفقتك، وقد يحتاجان إلى خدمتك، قد يحتاجان إلى أن تحملهما كما حملاك، وأن تغسلهما كما غسلاك، وأن تطعمهما كما أطعماك. نسأل المولى جل وعلا أن يعيننا على بر والدينا والإحسان إليهما، كما ربيانا صغارًا. والحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا من هذه الوقفات التي نقفها مع هذا الحديث العظيم، ألا وهي أن الثاني توسل إلى الله عز وجل بعفته، بعفته عن الحرام، وصيانته للأعراض، فقال: «اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها عن نفسها يومًا، فامتنعت، حتى ألمت بها سنة من السنين»، أي أنها احتاجت، قال: «فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومئة دينار»، والدينار يساوي أربعة جرامات وربع الجرام، قال: «فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت»، قال: «فلما قعدت منها مقعد الرجل من أهله»، أي أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى أن يقع في جريمة الزنا، عندها خرجت كلمات من أعماق قلبها فلم تستقر إلا في أعماق قلبه، قالت كلمة عظيمة تهتز لها الجبال، وتتشقق لعظمتها الأرض، قالت: «اتق الله ولا تفضن الخاتم»، وهذا كناية عن بكارتها، «إلا بحقه»، أي أنه لا يحل لك ذلك. ألا تستحي من الله أن يراك على هذا المنظر، وأن يراك في هذه الصورة؟ كيف بحالك إذا أوقف الله نبض قلبك؟ كيف بحالك إذا حبس الله الهواء عن رئتك؟ كيف بحالك إذا يبس الله الدماء في عروقك؟ اتق الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه. والمحافظة على أعراض المسلمين، وهكذا البعد عن الفواحش والمحرمات، باب عظيم من أبواب الخير، ومن أبواب الطاعة. ولك أن تقارن بين هذا الموقف، وبين من يتساهلون في النظر إلى الصور المحرمة، أو متابعة النساء في الأسواق، أو في الشواطئ، أو في غيرها من الأماكن التي لربما تنتهك فيها الأعراض. فقال هذا الرجل: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه»، قال: «فانفرجت الصخرة شيئًا، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منه». ووقفة ووقفة أخيرة مع الرجل الثالث، الذي توسل إلى الله عز وجل بأداء الحقوق إلى أهلها، والمحافظة على الأمانات. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، الأجير له حق عظيم يجب أن يؤدى له، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: قال سبحانه: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فلما استوفى منه لم يعطه أجره، لم يعطه أجره». هذا الأجير المظلوم، ربنا عز وجل ينتصر له ممن ظلم. وقد جاء عند ابن ماجه من حديث ابن عمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». فنسأل المولى جل وعلا أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم احفظنا في دورنا وأوطاننا، اللهم ولِّ علينا خيارنا، واصرف عنا شرارنا، اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.