الدرس في مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام وتتفوق على الصيام ركناً رابعاً، وتشمل فوائدها الضرورية كإقامة الدين والكمالية كزيادة الإيمان وسعادة الدنيا. كما أن قراءة الفاتحة في كل ركعة تحقق حمد الله وتمجيده وتكون صلة بين العبد وربه.
السجود يعبر عن ذل العبد وخضوعه، والصلاة تعد أعظم غذاء وسقي لشجرة الإيمان فتنميها وتثمرها بالأعمال الصالحة. كما أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر فتحمي الإيمان من آفات المعاصي والذنوب.
الصلاة تمنع الفحشاء والمنكر فقط إذا أقيمت بخشوع وإخلاص، فهي أكبر معين للعبد في دينه ودنياه بتقوية الرغبة في الخيرات وتزكية النفس. عمارة المساجد الحقيقية تكون بالصلاة والقربات، والمحافظة على الصلاة عنوان الفلاح وشاهد الإيمان.
أعلن المحاضر انتهاء وقت الدرس وقرر تأجيل شرح عون الصلاة على المصالح الدنيوية إلى الجلسة القادمة. اختتم الجلسة بالحمد والشكر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، مما اخترناه من هذا الكتاب "الرياض الناظرة والحدائق الزاهرة النيرة" باب في فوائد الصلاة. وسبب اختيار هذا الباب: لأن كثيراً من المسلمين في هذا الشهر المبارك يحرصون حرصاً شديداً على الصيام، وعلى كذلك القيام بهذا الركن من أركان الإسلام، وفي المقابل يفرطون في الصلاة ولا يحرصون عليها ولا يحافظون عليها، مع أن الصيام إنما هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وأما الصلاة فهي الركن الثاني من أركان الإسلام. فلذلك فإن فوائد الصلاة وثمارها أعظم وأعظم بكثير من فوائد وثمار الصيام. ففرصة يا عبد الله أن يعينك هذا الصيام على المحافظة على الصلاة والحرص عليها، وكذلك التعرض لثمارها وفوائدها. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في فوائد الصلاة. فرض الله على الأمة خمس صلوات كل يوم وليلة، ومن النوافل والرواتب والوتر وغيرها ما هو تبع لها، بمعنى أن الحرص على الصلاة ونيل هذه الفوائد لا يقتصر على أداء الفرائض الخمس، وإنما كلما اعتنى المسلم بالصلاة فرضها ونفلها نال من ثمارها وفوائدها. قال: لما في ذلك من الفوائد الضرورية والكمالية، الدينية والدنيوية. الضرورية: يعني الذي لا يتم الإسلام إلا به، فلذلك الصلاة الصحيح من أقوال أهل العلم أن من تركها فقد كفر، لظاهر حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وكذلك الفوائد الكمالية: أي لما يكون في الصلاة من زيادة في الإيمان، ومن كذلك سعادة في الحياة ونحو ذلك مما سيأتي بيانه. وحتى الفوائد الدنيوية فسيأتي معنا من كلام المؤلف رحمه الله أن للصلاة فوائد دنيوية. قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. فهذه الآية تدخل فيها الصلوات الخمس، أي الأمر بالصلاة وأقم الصلاة، والآيات في القرآن كثيرة الآمرة بالصلاة كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ونحوها من تلك الآيات الكثيرة في القرآن. قالوا: قد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخمس وتفصيل أوقاتها وشروطها ومكملاتها، وفي فضلها وكثرة ثوابها. يعني كأن المؤلف يقول: وليس هذا الموطن موطن بيان هذه الأحكام، وإنما أراد من عقد هذا الفصل بيان فضائلها، أراد من عقد هذا الفصل بيان فوائدها وثمارها، لا بيان أوقاتها أو شروطها أو ما يتعلق بفضلها وكثرة ثوابها. قال: فمن فضائلها أنها أعظم عبادة يحصل فيها الخضوع والذل لله، وامتلاء القلب من الإيمان به وتعظيمه. فهذه أعظم فائدة وثمرة من فوائد وثمار الصلاة. فالصلاة من أولها إلى آخرها خضوع وذل ومحبة لله سبحانه وتعالى، منذ أن يقول المصلي: الله أكبر، فهو يترك الدنيا خلفه ويعظم الله عز وجل في هذه الصلاة، فهي عنده أكبر من كل شيء، عنده هذه الصلاة أكبر من كل شيء لأن الله عز وجل أمر بها، ولأن العبد يتصل بخالقه سبحانه وتعالى عند وقوفه بين يدي الله سبحانه وتعالى. فالصلاة صلة بين العبد وربه، بين العبد وربه سبحانه وتعالى. والصلاة كذلك جعلت قراءة الفاتحة فيها من أركانها، من أركان الصلاة، بل من أركان كل ركعة من ركعاتها. وسورة الفاتحة فيها من حمد الله عز وجل، ومن تمجيده والثناء عليه سبحانه وتعالى، فيدخل في هذا المعنى. وفيه أيضاً معنى آخر من معاني الخضوع والذل: أن العبد في هذه الصلاة يضع أعلى وأشرف موضع من مواضع جسده في الأرض في السجود، ذلاً وانكساراً وانطراحاً بين يدي الله سبحانه وتعالى. فلا شك أن هذه الصلاة تملأ قلب المؤمن إيماناً وتعظيماً لله سبحانه وتعالى، فينبغي للمصلي أن يستشعر هذه المعاني. قال: وذلك مادة سعادة القلب الأبدية ونعيمه، ولا يمكن تغذيته بمثل الصلاة. الإيمان أعظم ما يغذيه الصلاة لما فيها من ذكر الله سبحانه وتعالى، وإنما تحيى القلوب بذكره كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وإنما شرعت الصلاة لذكر الله سبحانه وتعالى كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. فأعظم ما يسقي شجرة الإيمان الصلاة. ولذلك يقول المؤلف ها هنا: والصلاة أعظم غذاء، أعظم غذاء وسقي لشجرة الإيمان. والصلاة أعظم غذاء وسقي لشجرة الإيمان. فهذا الإيمان ما مثله إلا كمثل الشجرة، لها أصول، وأصول الإيمان أصول أركان الإيمان الستة. وكذلك هذه الشجرة إذا لم تتعاهد بالسقي لضعفت أو ماتت. هب أن عندك شجرة، وهذه الشجرة لا تتعاهدها بالسقي، ماذا سيحصل لها؟ ستضعف أو ستموت، أو ستموت. وهكذا شجرة الإيمان إذا لم يتعاهدها المؤمن فإنها تضعف، ولربما إذا عدم عنها السقي تماماً تموت وتذهب، تموت وتذهب. فهكذا الصلاة أعظم سبب لسقي شجرة الإيمان. قال: فالصلاة تثبت الإيمان وتنميه، وتنمي ما يثمره الإيمان من فعل الخير والرغبة. فما مثل الصلاة في سقي هذه الشجرة إلا كمثل الشجرة التي حات ورقها، حات ورقها، فسقيت بالماء فاخضرت وأزهرت، ونبتت أشجار أوراقها، نبتت أوراقها. وهكذا شجرة الإيمان تسقى بالصلاة فتثبت هذه الشجرة، وكذلك تنمو وتثمر. وثمار الإيمان وثمار الإيمان هي الأعمال الصالحة، الأعمال الصالحة هي فروع الإيمان، هي فروع الإيمان من فعل الخير والرغبة فيه. فهذه فوائد عظيمة من فوائد الصلاة. فكلما عظم العبد من قدر الصلاة نال من الإيمان بقدر تعظيمه لها، بقدر تعظيمه لها. ما مثلها كما تقدم إلا كمثل الشجرة، الشجرة إذا اعتنى بها الإنسان عمل لها حوضاً وتعاهدها بالسقي، وربما أتى لها بما يعني يكون سبباً في سرعة نموها من الأسمدة، ومن كذلك الأطعمة التي تغذيها وتقويها وتنميها. وهكذا شجرة الإيمان، وهكذا شجرة الإيمان، أعظم ما يسقي وأعظم ما يقوي وينمي هذا الإيمان هي الصلاة، هي الصلاة. فمن أداها كما أراد الله عز وجل وأكثر من النوافل، نوافل الصلاة، زاد إيمانه وقوي يقينه بالله سبحانه وتعالى، فتجده مقبلاً على الخير وكافاً عن المعاصي والشر. قال: وكذلك تنهى عن الشر. نعم، هذه الصلاة تقوي الإيمان حتى ينتهي صاحبها عن الشر والمنكرات، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. قال: فأخبر أن فيها الغذاء بذكر الله، والشفاء بنهيها عن الفحشاء والمنكر. وأي شيء أعظم من هذا وأجل وأكمل؟ الغذاء بمعنى الإقبال على الأعمال الصالحة، هذا هو الغذاء. والشفاء هو تركها لما يؤذي هذا الإيمان من الشرور والمنكرات. مثل هذه الشجرة، الشجرة عندك شجرة فتأتيها الحشرات الضارة تأكل منها. يقال: حتى الشجرة إذا زرعت بجانبها شجرة أخرى ربما تضرها، صح، ربما تضرها. وإذا جاءت الحشرات تضعفها، وإذا جاءت الآفات ربما تهلكها. فما هي آفات الإيمان؟ آفات الإيمان المعاصي والمنكرات والذنوب، هذه هي آفات شجرة الإيمان. فالصلاة تغذي هذه الشجرة فتنمو أوراقها وأثمارها وهي الأعمال الصالحة، وهكذا تبعد عن هذه الشجرة ما يضعفها أو ما يهاجم عليها ويدمرها، وهي ماذا؟ أن تبعد العبد عن المعاصي والمنكرات. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. قد يقول قائل: نرى فلاناً يصلي ولكن لا يزال مقيم على الذنوب والمعاصي. فيقال في مثل ذلك: انظر إلى إقامته لهذه الصلاة، هل هو خاشع فيها؟ هل هو مؤديها بإخلاص وإتمام وإكمال، وكذلك مؤدي لها بأركانها وشروطها وواجباتها، أم أنه ينقرها نقراً ويؤديها عادة لا إخلاصاً لله سبحانه وتعالى؟ فوالله من أقبل على الصلاة بصدق وإخلاص وإتمام فسيرى أثر هذه الصلاة في حياته، وفي إقباله على ربه سبحانه وتعالى، وفي بعده عما يغضب الله عز وجل. قال: ومن فضائلها أي الصلاة أنها أكبر عون للعبد على مصالح دينه ودنياه. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، أي على كل الأمور. أما عونها على المصالح الدينية: فإن العبد إذا داوم على الصلاة وحافظ عليها قويت رغبته في فعل الخيرات، وسهلت عليه الطاعات وبذل الإحسان بطمأنينة نفس واحتساب ورجاء للثواب. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. فالصلاة كما ذكر أكبر معين على صلاح كل أمورك يا عبد الله، كل أمورك ستصلح متى ما صلحت صلاتك، الأمور الدينية والأمور الدنيوية. الأمور الدينية: ذكر طرفاً من كون الصلاة سبباً في صلاحها، فمن حافظ عليها قويت رغبته في الخير، تجده مقبلاً على فعل الخيرات، ليس على الصلاة فحسب، بل على الصلاة وعلى الإنفاق في سبيل الله، وعلى البر والإحسان، وعلى الأخلاق الفاضلة، لأن الصلاة هذه تهذب، تزكي النفس. هذه الصلاة تزكي النفس كما قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: نعم، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، في صلاتهم خاشعون. فالفلاح وتزكية النفس وتطهيرها لا يتم إلا بالمحافظة على هذه الصلاة. فإذا تزكت النفس ورق القلب واطمأن بطاعة الله عز وجل، بادر هذا القلب وسارع إلى فعل الخيرات والطاعات. نعم، قال: وتذهب أو تضعف داعيته للمعاصي، أي هذه الصلاة تذهب ما قد يميل إليه القلب من دواعي المعاصي أو تضعفه، يعني يقل شره ويقل كذلك عصيانه بسبب هذه الصلاة. قال: وهذا أمر محسوس مشاهد، فإنك لا تجد محافظاً على الصلاة فرضها ونوافلها إلا وجدت تأثير ذلك في بقية أعماله. انظر: هل المصلون المحافظون عليها كالمضيعين المتساهلين فيها؟ لا يستوون أبداً. تجد أهل الصلاة فيهم من الخير، وفيهم من الإقبال على الخير والانكفاف عن الشر. هذا أمر له أثر ظاهر في أحوال الناس، له أثر ظاهر في أحوال الناس. قال: ولهذا كانت الصلاة عنواناً على الفلاح. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فالله عز وجل شهد بيئة الإيمان لمن عمر المساجد. قال المؤلف هنا: والمراد عمارتها بالصلاة والقربات. هذا من أول ما يدخل في معنى عمارة المساجد. فالعمارة المعنوية أعظم من العمارة الحسية. أرأيت لو أن إنساناً بنى مسجداً ضخماً جميلاً حسناً واسعاً، لكن لا يصلي فيه أحد، ولا يعبد فيه الله عز وجل، أو لا يعتنى فيه بالمكوث وقراءة القرآن وتعميره بالعلم والدعوة والذكر، ما فائدة هذا العمران إذا لم يكن فيه العمارة المعنوية؟ وتجد مسجداً متواضعاً صغيراً وهو مزدحم ممتلئ بالمصلين الذاكرين الراكعين الساجدين، في هذا المسجد لقراءة القرآن وطلب العلم، فلا شك أن العمارة المعنوية أعظم. فلذلك قال: والمراد عمارتها بالصلاة والقربات. فمن عمر المساجد نال هذه الفضيلة، وهو أن الله عز وجل شهد له بالإيمان. ورد حديث بهذا المعنى لكنه ضعيف، فالآية تغني عنه، الآية تغني عنه. ثم ذكر عون الصلاة على المصالح الدنيوية، ولكن لانتهاء الوقت نؤجل ذلك إن شاء الله إلى درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. شكراً.