الدرس في رمضان والمقامات الحسان - دور المرأة 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُناقش المقطع أهمية دور المرأة في شهر رمضان، حيث يجب عليها اغتنام هذا الشهر بالإكثار من الطاعات والعبادات وتجنب الأفعال التي قد تؤثر سلبًا على صيامها. ينبغي للمرأة أن تجعل نيتها صالحة وتقوم بأعمالها لله.
ينبغي للمرأة أن تجعل أعمالها اليومية في شهر رمضان لله، وتقوم على خدمة الصائمين في بيتها، وتشارك أفراد أسرتها في الخير بالتعليم والإرشاد والتوجيه. عليها أن تأخذ بيد زوجها وأفراد أسرتها إلى الطاعة والعبادة.
يُناقش المقطع أهمية قيام الليل وتربية الأبناء وتعليمهم العبادات، ويُشير إلى ضرورة تحسين العلاقات مع الجيران والأقارب وتجنب إيذائهم بالقول أو الفعل. ينبغي للمرأة أن تعتني بعلاقتها مع ربها وأسرتها وغيرها من خلال حسن التعبد وبذل الخير وكف الأذى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله إخواني في الله، في هذا المقام وأننا نتتبع المقامات الحسان، نود أن نخص الكلام حول طائفة من طوائف المجتمع، إذ أنه فرد من أفراده، بل هو نصف المجتمع. حديثنا إخواني في الله عن رمضان ودور المرأة، وما حديثي عن المرأة إخواني في الله إلا لعظيم أمرها وعظيم شأنها، فالمرأة هي الأم والزوجة، وهي الأخت والبنت، فما يكاد يخلو منها بيت، بل قوام البيوت عليها. نتحدث عن المرأة إخواني في الله لعظيم أثرها، وهكذا لما ينبغي عليها في شهر صومها، وإن من أعظم ما أذكره في هذا المقام عن دور المرأة في رمضان أولًا ما يتعلق بعلاقتها مع ربها جل في علا. فالمرأة عليها أن تحرص على اغتنام هذا الموسم الفضيل وهذا الشهر الكريم، وذلك بالإقبال على الله بالطاعات والعبادات والنوافل والسنن والقربات. فنحن في هذا الشهر الأجور فيه تتضاعف، كما مر معنا في دروس خلت، الحسن بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإلى ما لا يحد ولا يعد. فما ينبغي للمرأة أن تغفل عن هذا الموسم، قال إبراهيم النخعي رحمه الله: «تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة فيما سواه، وركعة فيه خير من ألف ركعة فيما عداه». تسبيحة واحدة توازي وتعادل أكثر من ألف تسبيحة إن جعلت في غير رمضان، وهذا إنما هو تقدير وإلا فإن فضل الله عظيم، وهذا تقريب، وشأن رمضان أعظم من هذا بكثير. فينبغي على المرأة أن تعلم فضيلة هذا الشهر الذي تضاعف فيه الأجور، بل ما من يوم إلا وينادي منادي: «يا باغي الخير أقبل». وهذا الحديث إخواني في الله «يا باغي الخير» يدخل فيه كذلكم مع المرأة «يا باغية الخير أقبلي»، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النساء شقائق الرجال»، فما يقوله نبينا في حق الرجال فإنه يدخل في ذلكم النساء كما أشار إلى ذلك العلماء كالخطابي وغيره. أنا ما من خطاب فيه خطاب للرجال إلا ويشمل فيه النساء، فالمرأة عليها أن تستغل هذا الشهر وأن لا يذهب عليها سدى. وإن مما أحب أن أشير إليه في هذه الخصلة خاصة ما يكون من ذهاب أوقات النساء فيما لا فائدة فيه، يذهب عليها اليوم على القيل والقال، لربما على الاتصال أو على المراسلة بالجوال أو على أخذ أطراف الحديث. وهذه ميزة في النساء أنهن لربما يسترسرن في الكلام، لربما أوصلهن هذا الاسترسال إلى ما لا تحمد عقباه في الوقوع فيما حرم الله كالدخول في الغيبة والنميمة، وهذا مما يؤثر على صيامها سلبًا وعيبًا. وقد مر ذلك معنا في أوائل ما تحدثنا عنه في مقامات رمضان وما يتعلق بمقام التقوى، وكيف أن من أعظم الذنوب تأثيرًا على أهل الصيام ما كان من الغيبة. قال مجاهد رحمه الله تعالى: «من أراد أن يسلم له صومه فليحذر الغيبة والكذب». بل ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الغيبة تفطر الصائم لشدة شناعتها وفحشها. فينبغي على المرأة أن تغلق هذا الباب وأن تقبل على الله جل وعلا بما فيه نفعها في طاعتها لربها وإقبالها لخالقها. قال ربنا: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، فالمرأة مخاطبة بهذا. ثانيًا مما ينبغي أن تعلمه المرأة من دورها في رمضان ما يكون في علاقتها مع نيتها، النية أمرها عظيم، حتى قال بعض السلف: «النية أبلغ من العمل». لربما الإنسان يتحصل على الدرجات بنيته أكثر من عمله، النية أبلغ من العمل، وذلك بأن الإنسان يتعاهد ما في قلبه في مقصده ومبتغاه ومطلبه، وأنه يريد من عمله ليس الديني بل حتى الدنيوي يريد بذلك وجه الله فيؤجر عليه. ومما يناسب ذكره هاهنا أن المرأة لربما من طبيعة عملها فهي ربة أسرة وهي ربة البيت، فبيتها هو سلطانها، فهي الآمرة والناهية، أعمال البيت كلها ملقاة على عاتقها، فلربما تنشغل ببعض أعمال البيت من التنظيف والتكنيس والطبخ والتربية والتغسيل إلى غير ذلكم. فهنا ينبغي للمرأة أن تجعل هذه الأعمال لله، فترجو بذلك وجه الله، فتفعل أمر النية فيكون مقصدها الإعانة على طاعة الله، الإعانة لأفراد أسرتها، الإعانة للصائمين، تعمل العمل وترجو به وجه الله. ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا الصائم ومنا المفطر، فنزلنا منزلا في يوم حار، قال: فسقط الصوام، ما تحملوا من شدة التعب وعناء السفر وشدة الحرارة، قال: فقام المفطرون بضرب الأبنية وسقي الركاب، قال: عليه الصلاة والسلام حينها: ذهب المفطرون بالأجر». كيف ذهبوا بالأجر؟ ذهبوا للأجر لما كان من عملهم وخدمة لإخوانهم الصائمين، جعلوا إخوانهم الصائمين يرتاحون. فقاموا وعملوا فأقاموا الأبنية والخيام وسقوا الركاب، فكان فعلهم هذا يؤجرون عليه، بل قال لهم نبينا: «ذهب المفطرون بالأجر». هذا إذا كان مفطرًا أعان صائمًا في أمره الدنيوي وفي خدمته، فما ظنكم بصائم يقوم على خدمة صائم؟ كحال المرأة الآن، هي صائمة ومع ذلك تقوم على خدمة من كان في بيتها. فينبغي للمرأة أن تفعل أمر نية، لا تتذمر وإنما تعمل بالعمل المعتاد وهي ترجو من هذا العمل من الخدمة ترجو وجه الله، وأنها تقوم على خدمة الصائمين، فيعطيها الله جل وعلا أجرًا على عبادتها، ويعطيها الله أيضًا أجرًا على خدمتها. الأمر الثالث إخواني في الله مما ينبغي أن تعتني به المرأة في شهر صومها ما يكون من علاقتها مع أفراد أسرتها، مع أفراد أسرتها وذلك بما يكون من النصيحة والتعليم والإرشاد والتوجيه. أحيانًا إخواني في الله قد يقع في بعض البيوت تجد أن المرأة لربما تتميز عن باقي أفراد الأسرة بالصلاح، يوجد هذا أو بالعلم، تجد أن أهل البيت عوام، وهذه الزوجة أو هذه الأخت أو هذه البنت أو هذه الأم قد حباها الله جل وعلا باستقامة، بطاعة وعبادة، أو أن الله جل وعلا حباها بعلم، فهي من رواد حلقات القرآن ومن مجالس العلم والذكر ومن طلاب العلم وطالباته. فلربما إذا كانت المرأة قد ميزها الله بشيء عن باقي أفراد الأسرة، هنا ما ينبغي أن تختص بالخير نفسها، وإنما عليها أن تشارك غيرها، تعمل في أفراد أسرتها بالعلم، وذلك ببثه ونشره وإرشاد غيرها. مثاله ما تقوم به المرأة مثلًا مع زوجها، كما قلنا لربما تكون المرأة أعلى تدينًا من زوجها، وزوجها يعتريه ما يعتري الناس من الكسل والخمول في هذا الشهر بالذات مثلًا. فلا تتركه على عواهنه وإنما تأخذ بيده، ترشده إلى الطاعة والعبادة، تحث على الصيام والقيام والنوافل والطاعات. قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى ثم أيقظ أهله، فإن أبت نضح على وجهها الماء». ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء. فهذه المرأة تقول: «صلي عندها من التعبد كما ذكرنا والتدين ما ليس عند باقي أفراد الأسرة». لكن هل تكتفي هذا بنفسها؟ لا تشارك غيرها، دعا لها نبينا بالرحمة: «رحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها». كهذه الليالي الفاضلات، قم يا فلان، قم يا فلان، قيام ليل، لا تتركه عشر أواخر رمضان، ليلة القدر، احرص على القيام، احرص على التهجد، وهو لا زال يتمسك بفراشه وهو يتسحب عليه الفراش، ولو أن تنضح على وجهه الماء تحسه على الخير. فهذه دور المرأة في بيتها، كذلك ما يكون من دورها مع أولادها مع بناتها، كما جاء في الحديث الصحيح، حديث الربيع بنت معوذ رضي الله تعالى عنها قالت: «كنا نصوم صبياننا ونصنع لهم اللعب من العهن، أي من القطن، يصنع لهم اللعبة اللعبة من القطن». قالوا: «فنخرج بهم إلى المسجد». انظر للتربية، كانوا يصومون الصبيان ويصنع لهم اللعبة من العهن ثم يخرجون بهم إلى المسجد. قالت: «فإذا بكوا لأجل الطعام، صبيان لربما يأتي عليه الوقت يبكون من الجوع، فماذا قال؟ ندفع إليهم اللعبة يلعبون بها حتى يأتي وقت الإفطار». انظر لعظيم هذه التربية، نعم التربية ملقاة على الوالدين على الأب والأم، لكن كذلكم الأم لا تتنصل من المسئولية، تربي كهذه المرأة الصالحة يصومون صبيانهم. فالمرأة زوجة أو أخت أو بنت أو أم إذا رأت من أفراد أسرتها من أولادها من ذهب بعيدًا يمنة أو يسرة تأخذ بيده ولا تخص الخير لنفسها وإنما تشارك غيرها. كذلكم مما أذكر من دور المرأة في شهر صومها ما يكون من علاقتها مع غيرها، غيرها يدخل في ذلكم الجيران الأقارب الأرحام. فهنا المرأة لها علاقة مع الغير في ناحيتين اثنتين، الناحية الأولى الإحسان إليهم، والناحية الثانية عدم الإساءة إليهم. الناحية الأولى وهي الأعلى كعبًا وأعلى شأنًا أن المرأة تحسن إلى غيرها، إلى الأرحام والأقارب بالصلة والزيارة، وما يكون من تعاهد الجيران بإطعام الطعام. قد مر معنا في دروس خلت ما يتعلق برمضان وبذل الندى، ما أشرنا أو ما يتعلق بإطعام الطعام، وذكرنا أن من العادات الحسنة الموجودة ولا زالت توجد في مثل هذه البلاد الطيبة ما يكون من التهادي بين الجيران. هذا من الذي يقوم به؟ الأب لا، الأب ما يقوم بهذا، هذا من خصائص النساء، المرأة هي التي تعد الطعام ثم تجعل جزء من هذا الطعام يذهب إلى دار بني فلان، واليوم الثاني دار بني فلان، وهكذا بين الفينة والأخرى يتهادون فيما بينهم. هذا من الإحسان ولو بالقليل، كما قال نبينا: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو كفر سنشا»، ولو كفر سنشا شيء ضئيل شيء يسير، لكن يكون به التهادي، هذا أمره عظيم عند الله، لا يحتقر يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو كفر سنشا. فهكذا المرأة عليها أن تحسن أن تحسن إلى غيرها، إلى جيرانها وأهلها وإلى من كان من صلتها وأقاربها، كما يقولون بحدود الشرع. والأمر الثاني إن لم تستطع المرأة في شهر صومها خاصة أن تحسن إلى الغير فلا تؤذيهم، لا تؤذي الناس، لا تكون مصدر إزعاج، وهذا الأمر مطالب على الدوام، لكن في رمضان أشد. أشد أن تكون المرأة صريحة اللسان تؤذي من حولها بالسباب والشتام والأذية. ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له امرأة ما بها، يذكر من كثرة صلاتها وصيامها إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها، الأذية الأذية باللسان بالتطاول والسب والتهم وغير ذلكم مما يكون من أثره القبيح على أهل الإسلام. إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال عليه الصلاة والسلام: «لا خير فيها، هي في النار». لا خير فيها تؤذي مؤذية ولو كانت تعبد الله، ولو معنا ذكر لأن نبينا ما كان من كثرة صلاتها وصيامها، لكن من عيبها أنها أحلت في تعاملها مع غيرها، فقال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار». فالشاهد إخواني في الله أن المرأة في رمضان ينبغي أن تعتني بمثل هذه المراتب العظام، ما يكون في علاقتها مع ربها من حسن تعبدها، وما يكون من علاقتها مع نيتها من طلب الثواب من أعمالها، وما يكون من علاقتها مع أفراد أسرتها وذلك بالنصح والتوجيه والترشيد، وما يكون من علاقتها مع غيرها وذلك في مضماري بذل الندى وهكذا ما يكون من كف الأذى. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلكم والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.