الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 115، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرض كيف آتى الله قارون كنوزاً عظيمة أثقلت مفاتيحها العصبة، فبغى على قومه وطغى، ونصحوه بعدم الفرح بالدنيا والتكبر. يُبين أن الله لا يحب الفرحين وأن الفرح ينقسم إلى محمود ومذموم.
يُوضح أن الفرح المحمود يكون بالطاعة والقرآن والهداية ونصر الحق، ويجوز الفرح بالدنيا إذا صُرف في طاعة الله. أما الفرح المذموم فهو الذي يشغل عن الآخرة ويجر إلى المعصية والكبر، مستدلاً بآيات وقصة قارون وحديث فقراء المهاجرين.
يُبين أن المال نعمة يجب استغلالها في الطاعات والقربات لنيل الآخرة مع عدم إهمال النصيب المشروع من الدنيا. يؤكد أن الإسلام لم يوجب إنفاق المال كله بل فرض الزكاة اليسيرة، داعياً إلى الإحسان وتجنب الفساد بالتكبر.
لم يستجب قارون للنصائح واستمر في تكبره وطغيانه، وسيُذكر ما فعله الله به وبأمواله. انتهى الدرس على أن يكمل في وقت لاحق.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قصة قارون. قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عن حالة قارون وما فعل وفعل به، ونصح ووعظ، وربنا عز وجل إذ يذكر لنا هذا القصص لنأخذ منه الحكمة والعظة. قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، أي من بني إسرائيل الذين فضلوا على العالمين وفاقوهم في زمانهم، وامتن الله عليهم بما امتن به، فكانت حالهم مناسبة للاستقامة؛ لأن الله عز وجل إنما يعطي ليشكر لا ليكفر، فأحق من ينبغي أن يشكر الله عز وجل من زاده الله من فضله وأعطاه من جزيل عطائه، ومن أولئك قارون، فأعطاه الله عز وجل من الأموال ومن الكنوز ومن متاع هذه الدنيا الشيء الكثير، ولكن قارون هذا بغى على قومه وطغى بما أوتيه من الأموال العظيمة المطغية، وكما قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، إذا أعطي من أموال هذه الدنيا طغى وبغى وتكبر وتجبر على الله وعلى خلقه، وهذا أنموذج من هؤلاء المتكبرين الطاغين الباغين وهو قارون. ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾، يبين الله لنا عظيم ما امتن به على هذا الباغي من الكنوز والأموال، فوصف ملكه أو ثروته بهذا الوصف العظيم، وقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾، أي كنوز الأموال شيئاً كثيراً، ومما يدل على كثرة هذه الكنوز: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. قال: والعصبة من العشرة إلى التسعة إلى السبعة، يعني الجماعة من جنده ومن خدمه، تنوء بهم تلك المفاتيح، ومعنى تنوء بهم أي لتثقل بهم هذه المفاتيح، يعني ثقيل عليهم لا يستطيع الواحد ولا الاثنان ولا الثلاثة ولا الأربعة ولا الخمسة ولا الستة أن يحملوا مفاتيح الخزائن، مفاتيح الخزائن. ولذلك قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟ إذا كان المفاتيح الجماعة من الرجال ما يستطيعون حملها تثقل عليهم، فكيف بتلك الخزائن؟ فأشك أنها ستكون عظيمة وكبيرة، عظيمة وكبيرة، وهذا فيه بيان كثرة ثروة هذا الرجل، كثرة أمواله وكنوزه. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾، ناصحين له وحذرين له من الطغيان، وطغيان قارون الكفر والكبر على الله وعلى عباد الله، فكان فرح بهذه الكنوز متجبراً متبختراً طاغياً على عباد الله، فنصحه الناصحون من قومه، فقالوا له: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، أي لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة وتفتخر بها وتلهيك عن الآخرة، فإن الله لا يحب الفرحين بها، المنكبين على محبتها، أو المكبين على محبتها. وفي هذه الآية دليل على أن الفرح فرحان: فرح محمود وفرح مذموم. فالفرح المحمود هو الفرح بالخير، بالطاعة، بالقرآن، بالهداية، بالاستقامة، بصلاح الأبناء، بانتشار الدين، ولا بأس أن يفرح بالدنيا إذا كان يسخرها في الطاعة ليحج أو ليعتمر أو لينفق في سبيل الله أو ليبني به ما يعف به نفسه وأسرته، وكذلك ليأكل ويشرب بهذا المال ليتقو به على طاعة الله ولا يحتاج إلى غيره من الخلق، فلا بأس بالفرح في هذه المعاني والمقاصد الحميدة. ومما يدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، وفضل الله فسر بالقرآن، فسر بالإسلام، فسر بكذلك الهداية ونحو ذلك. ومما يدل على هذا النوع من أنواع الفرح قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، فهذا من الفرح المحمود، إذ ينتصر من هو أقرب إلى الحق إلى من هو أبعد، وهذه الآية نزلت في الفرس والروم، ومع هذا يفرح المؤمنون بنصر من هو أقرب إلى الحق وإن لم يكونوا من أهل الحق، لكن عدوهم... لكن عدوهم أشنع كفراً، والكفر مراتب، فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار بعظيم كفرهم، وهكذا، فهذا من الفرح المحمود، فكيف إذا انتصر المسلمون؟ لا شك أن المسلم يفرح بنصرة أهل الإسلام، وهذا أيضاً من الفرح المحمود. وأما الفرح المذموم فهو الفرح بالدنيا إذا كانت هذه الدنيا تشغل عن الآخرة، إذا كانت هذه الدنيا تلهي عن الطاعة، إذا كانت هذه الدنيا تجر إلى المعصية، إلى الكبر، إلى الفخر، إلى كذلك ترك الواجبات، ارتكاب المحرمات، هذا لا يفرح بها، وهذا هو حال قارون. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، لا يزال الناصحون ينصحون ويعظون قارون، فمن ضمن نصائحهم قالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، أي قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، الذي عنده الأموال لربما إذا سخر هذه الأموال في الطاعة سبق غيره من الفقراء، وما جاء في حديث أبي هريرة لما جاء فقراء المهاجرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا. أهل الدثور يعني أهل الأموال أهل الغنى. قال عليه الصلاة والسلام: «وما ذاك؟ ما الذي حملكم على هذا القول؟» قالوا: يا رسول الله، يصلون كما نصلي، الصلاة يصلي الغني والفقير يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، الصيام الكل يصوم الغني والفقير، قالوا: ولهم فضل من أموال، يعني معهم أموال زائدة يتصدقون ويجاهدون ويحجون، ونحن ما نستطع نفعل ذلك، ما عندنا أموال نحج بها أو نجهز الرواحل، الجهاد في سبيل الله، وما عندنا ما نتصدق به على غيرنا، فهم يسبقوننا بهذه الأفعال. فعلمهم عليه الصلاة والسلام دعاء يسبقونهم به، ولا أدلكم على شيء تسبقون به من قبلكم وتدركون من بعدكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «تسبحون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدون ثلاثاً وثلاثين، وتكبرون ثلاثاً وثلاثين». ففعل ذلك فقراء المهاجرين، فسمع أهل الدثور إخوانهم من أهل الغنى بما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم، ففعلوا مثلهم، أتوا بهذا الذكر، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا بما قلت لنا ففعلوا مثل ما فعلنا، إذن ما زالهم في سباق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». خلاص، هذا فضل الله، وفقهم الله إلى ذلك. الشاهد من هذا الحديث كما ذكر المؤلف ها هنا أن صاحب الأموال عنده من وسائل الآخرة ما ليس عند غيره من الفقراء، فمن وفق لاستخدام هذا المال في الطاعة والخير فإنه استغل هذا المال في الطاعة، تجده كل سنة يحج، كل سنة يعتمر، يكفل من الأيتام، من الفقراء، من المساكين، يبني دور الأيتام، لطلاب العلم، يتصدق، يفطر الصائمين، ما شاء الله يستخدم هذا المال في الخير والبر والطاعات والقربات، فلا شك أن هذا عنده من وسائل الآخرة ما ليس عند غيره، يستمر في طلب العلم، ما يحتاج إلى أن يكتسب ويضيع الوقت في معاشه لما منى الله عليه من الغنى، فعنده من وسائل الآخرة ما ليس عند غيره. فقالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، لا تبتغي الدنيا والشهوات والملذات والغفلة والمعصية والشهوة، وإنما ابتغي بهذا المال الدار الآخرة، فابتغي بها ما عند الله وتصدق، ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات وتحصيل اللذات. ثم قالوا له: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، أي لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعاً، بل أنفق لآخرتك واستمتع بدنياك استمتاعاً لا يثلم دينك، يعني لا يخدش الدين ولا يضر بآخرتك. وهذا فيه أن الإسلام لا يأمر المسلم أن يتصدق بماله كله، كما جاء في حديث سعد لما أراد أن يتصدق بماله كله، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، بنصفه أو بثلثيه؟ فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: بنصفه؟ فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: بثلثه؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». ولذلك جعل الله عز وجل في حق المال حقاً يسيراً، الحق الواجب، فأوجب في زكاة الأموال ربع العشر فقط، عندك مليون تخرج ربع عشره، في المليون خمسة وعشرين ألف فقط، ما قال لك اخرج مئة ولا مئتين ولا ثلاثمئة ولا نصفها خمسمئة أبداً، خمسة وعشرين، هذا الواجب، لتعلم أن الإسلام ما أمرك أن تنفق جميع مالك، وإنما بحسب جودك وبحسب إيمانك وبحسب كذلك ما يرى المسلم أنه أدى حقاً هذا المال وشكر الله عز وجل فيه، وشكر الله عز وجل فيه. ﴿فَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ﴾، يكون معك شيء من الدنيا التي تستمتع بها وتقضي بها حوائج دنياك من مسكن أو مركب أو مأكل أو مشرب أو نحو ذلك، لا ينهاك الإسلام عن ذلك. ﴿وَأَحْسِنْ﴾، أي إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بهذه الأموال، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ المال مال الله، كنت فقيراً، كنت معدماً لا مال لك، فجاءك المال وجاءتك الدنيا، ثم تبخل؟ من الذي أعطاك هذا المال؟ تذكر حال ضعفك، تذكر حال فقرك. ولذلك امتنى الله عز وجل على نبيه بما هو فيه من العز والرسالة والهداية والغنى في سورة الضحى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، هذا من الإحسان، كنت فقيراً لا تحب أحد أن ينهرك، كنت يتيماً أو كنت مسكيناً لا تحب أحد أن ينهرك أو أن يذلك، فإذا أغناك الله لا تنهر أحداً ولا تتكبر على أحد، أحسن كما أحسن الله إليك، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾، وبماذا يكون الفساد؟ بالتكبر، بالعمل بمعاصي الله، والاشتغال بالنعم عن المنعم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، بل يعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. فلم يستجب قارون لهذه النصائح، بل استمر على تكبره وطغيانه، فسيأتي معنا ما فعل الله عز وجل به وبقارونه وأمواله. نكتفي بهذا، انتهاء الوقت، ونكمل في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.