شرح المنظومة الدالية في السنة 5

الدرس في شرح المنظومة الدالية في السنة 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات صفات الله عز وجل

يثبت المقطع صفة النزول لله عز وجل وتواترها عن النبي، ونفي معرفة كيفية هذا النزول. كما يتناول مسألة رؤية الله عز وجل في الدنيا والآخرة.

الرؤية يوم القيامة وصفات الله تعالى

الرؤية يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وأهل السنة يثبتون صفة العلم لله تعالى، ويعتقدون أن علم الله أزلي وأبدي.

صفات الله المتعلقة بالكلام والرد على الفرق المخالفة

يناقش صفة الكلام لله عز وجل، ويبين أن الله يتكلم بحرف وصوت، وأن كلامه حقيقي، ويستدل على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

بدء الكتابة في موضوع جديد

يشير إلى شروع في كتابة موضوع ما، حيث يتم الإعراب عن النية في البدء بالكتابة بإذن الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاه. بعد، قال المؤلف: قالوا: النزول، فقلت: ناقله لنا قوم تمسكوا بشرع محمد. قالوا: فكيف نزوله؟ فأجبتهم: لم ينقل التكيف لي في مسندي. وهنا المؤلف رحمه الله أثبت النزول، وأنها صفة لله عز وجل، وقد جاءت هذه الصفة كما قلنا في السنة، بل هي متواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام. يقول ابن القيم في الصواعق: إنه قد رواها أكثر من 28 صحابيًا روى هذه السنة. وقد أثبت أيضًا العلماء تواتر هذه السنة، كأبي زرعة والألكائي وغيرهم من أئمة الإسلام، بينوا أنها متواترة. كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ألف فيها شرح حديث النزول، وألف الدارقطني أيضًا جزءًا في النزول، وكذلك ذكر الذهبي أيضًا أن له جزءًا فيها، فهي متواترة. ثم ذكر الكيفية، فقال: لم ينقل التكيف لي في مسندي، نفى الكيفية، ومعنى نفى معرفة الكيفية، وهذا هو مذهب أهل السنة، يثبتون الصفة، لكن لا يثبتون لها كيفية، وإن كانت لها كيفية، لكن كما قال العلماء: أن الكلام في الصفات كالكلام في الذات، يحذو حذوه. معنى أنه ما تقوله في الذات قله في الصفات. إذا قال الجهمي: كيف نزوله؟ فقل له: صف لنا ربك، نصف لك نزوله. إذا قال: كيف نزوله؟ نقول له: صف الله عز وجل كيف حتى نصف نزوله؟ كيف نعرف نزوله ونحن لا نعرف ذاته؟ فالكلام في الصفات كالكلام في الذات. وجاء عن ابن المبارك أيضًا أنه قال: إذا قال لك الجهمي: كفرت برب ينزل من مكانه، فقل: آمنت برب يفعل ما يشاء. قل: آمنت برب يفعل ما يشاء. قال رحمه الله: قالوا: فينظروا بالعيون أبصرنا، فينظروا بالعيون أبصرنا. فأجبت: رؤيته لمن هو مهتدي. طيب الآن ذكر مسألة الرؤية، قالوا: فينظروا بالعيون، أي الله عز وجل هل يرونه الناس بأبصارهم؟ فقال: فأجبت رؤيته لمن هو مهتدي. وأيضًا يبين أنه يوم القيامة، أن هذا رؤيته تكون يوم القيامة، أما في الدنيا فهي مستحيلة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا، لن تروا ربكم حتى تموتوا». وأيضًا إنما اختلف العلماء في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه، والله عز وجل قد قال لموسى: «لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني»، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا. وهذا يبين لك عظمة الله عز وجل، وأن المخلوق لا يستطيع أن يرى الله. ولهذا الصحيح في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم ير ربه بعينيه، وقد جاء في صحيح مسلم في حديث أبي ذر أنه قال لما سئل: هل رأيت ربك يا رسول الله؟ قال: «نور أنى أراه». وجاء في لفظ: «رأيت نورًا». ولهذا يقول شيخ الإسلام: إن الخلاف الذي حصل بين الصحابة في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام إنما هو خلاف لفظي. فعائشة تقول: من أخبركم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم الفرية. وابن عباس يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه. فقال شيخ الإسلام: إنما أراد ابن عباس أنه رآه بقلبه، وليس بعينيه، وعائشة نفت رؤيته بعينيه. ويؤيد هذا كما قلنا حديث أبي ذر: «نور أنى أراه». فلهذا لم ير النبي عليه الصلاة والسلام بعينيه ربه جل وعلا، وإنما رآه بقلبه. وكذلك في المنام: «رأيت ربي في أحسن صورة». فلهذا الله عز وجل لا يرى في الدنيا، وهذا مذهب أكثر المسلمين، أو من ينتسب إلى أهل السنة، كما يقولون، أو أهل القبلة. لكن هناك من أهل التصوف من يقول: إن الله يرى في اليقظة وفي الدنيا. وجاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته». يرى أهل الإيمان ربهم جل وعلا. وقد جاءت أيضًا الرؤية في القرآن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي بعينيها إلى ربها. عديت بإلى، فهي المقصود بها النظر، وليس منتظرة كما قالت الأشاعرة والمعتزلة والجهمية. فلهذا الرؤية ثابتة، رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا أنهم يرونه يوم القيامة. وجاء في حديث صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، فيقول لهم: هل رضيتم؟ ثم يقولون: نعم يا رب. ثم يقول لهم: فأعطيكم أفضل أو أعظم ما في الجنة». فيرون الله جل وعلا. أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إليه جل وعلا». هذا حديث صهيب في صحيح مسلم. وقد رواه حماد بن سلمة عن ثابت، وحماد من أثبت الناس عن ثابت. صحيح، رواه بعضهم مرسلًا من مراسيل ثابت عن ابن أبي ليلى عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ذكر صهيب صحيح. وقد صحت الأحاديث المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤية، ومنها كما ذكرنا الحديث المتواتر الذي رواه جمع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، وقد رواه أيضًا عن قيس جماعة، ورواه أيضًا بعضهم أو بعض التابعين أيضًا عن جرير بن عبد الله البجلي. وجاء أيضًا عن أبي هريرة وعن جماعة من الصحابة، فالرؤية ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، إجماع أهل السنة. طيب وهناك مسائل في الرؤية اختلفوا فيها: هل غير المؤمنين يرون ربهم؟ فهذه فيها خلاف بين أهل السنة. قالوا: فهل لله علم؟ قلت: ما من عالم إلا بعلم. مرتدي هذا لا عندك؟ والله بيت آخر هذا. طيب هذا البيت فيه صفة العلم، وصفة العلم صفة من الصفات المعنوية الذاتية. قلنا الصفات الذاتية تنقسم إلى قسمين: صفات خبرية وصفات معنوية. الصفات المعنوية هي التي لها معان تتعلق بالذات، ولها معان مثل العلم، الحياة، القدرة، وغيرها من هذه الصفات. ومن ذلك العلم، العلم صفة معنوية ذاتية. فالله عز وجل بكل شيء عليم، وعلم الله عز وجل علم أزلي وعلم متجدد. فالعلم صفة ذاتية فعلية، يعلم ربنا جل وعلا كل شيء، ويعلم أيضًا الأشياء بعد وقوعها وقبل وقوعها. ولهذا القدرية نفوا علم الله الأزلي، بل حتى نفوا علم الله المتجدد، وهو قالوا أن الله عز وجل لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها. وهذا معنى قولهم أن الأمر أنف، أن يريدون خالد بن معبد الجهني وأصحابه القدرية، ويقولون أن الأمر أنف. فقال: أخبروهم أن عبد الله بن عمر بريء منهم، وهم براء منه، والذي نفس بيده لا يؤمنون حتى يؤمنوا بالقدر. فعلم الله عز وجل كما قلنا أثبته أهل السنة أنه بكل شيء عليم، يعلم الأشياء قبل وقوعها وبعد وقوعها، وفي وقوعها، وفي وقت وقوعها، بل يعلم الأشياء قبل أن يكتبها جل وعلا، فعلمه أزلي، وعلمه أيضًا أبدي. ولهذا جاء في الحديث الصادق المصدوق أن الله عز وجل يكتب النطفة قبل أن تخلق، أو قبل إذا خلقت. قال: يا ربي نطفة، ثم يقول: يا ربي علقة، ثم يقول: يا ربي مضغة، وهكذا. ثم إذا كمل الأربعين الثالثة جاءه الملك ونفخ فيه الروح، وكتب أربع كلمات: كتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. هذه أربع كلمات يكتبها، وهذا من علم الله عز وجل. قال: فهل لله علم؟ قلت: ما من عالم إلا بعلم. قال: فيوصف أنه متكلم؟ قلت: السكوت نقيصة. نقيصة المتوحد هكذا للسيدي. قلت: السكوت نقيصة للسيدي. معنى إذا كان نقيصة المتوحد، معنى إذا كان نقيصة في المخلوق، فكيف تكون للخالق؟ أن السكوت مثلًا إذا كان المخلوق أبكم لا يتكلم، تكون نقيصة فيه، وهو مخلوق، فكيف بالخالق جل وعلا؟ معنى أنهم يجعلون النقائص في الله عز وجل، هم يريدون أن ينزهوه عن النقائص، ويجعلون النقائص، وإن كان السكوت نقيصة للسيدي أيضًا، معناها أن السكوت نقص بالله عز وجل، وربنا جل وعلا منزه عن النقص، بل كله كمال سبحانه وتعالى، صفاته كمال، ليس فيها نقص بوجه من الوجوه. ومن جعل صفات الله عز وجل فيها نقص، فقد عاب الله جل وعلا. وأهل الإيمان يقدسون الله عز وجل وينزهونه عن كل نقص، لكن بما جاء في الشرع، ليس عن الهوى أو عن العقل كما يظنون. فيقولون أن الله عز وجل منزه عن الكلام، لماذا؟ قالوا: لأن الكلام صفة للمخلوق. طيب أيضًا السكوت صفة للمخلوق، كيف تثبتون السكوت ولا تثبتون الكلام؟ مع أن السكوت لم يأت في الصفات. فبعضهم يقول: نحن لا نثبت السكوت، نحن نقول: أنه لا يتكلم. طيب وإيش فرق بين عندما تقول: ما يتكلم، وبين أن تقول: أنه ساكت أو فيه صفة السكوت؟ لأنه لا يتكلم. وهم يقولون أن الله عز وجل له كلام نفسي، هؤلاء الأشاعرة والمتأخرة. وأما المعتزلة والجهمية فيقولون: فينفون الكلام. وكلام الله عز وجل قد جاءت النصوص المتكاثرة من الكتاب والسنة، لأنه جل وعلا متكلم، يكلم عباده، كلما آدم، وكلما موسى، حتى صار كليمه، وكلما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال: يا موسى، وقال: يا عيسى، وهذا كله يدل على كلام الله عز وجل، وأنه كلام بحرف وصوت، لأنه قال: يا موسى، وسمعه موسى، سمع كلام الله جل وعلا. سمع موسى كلام الله، وهذا بين في القرآن، لا يحتاج إلى تأويل ولا يحتاج إلى تكلف. الله عز وجل ذكر في أكثر من آية أنه نادى موسى وناداه ربه، وقال أيضًا في بعض الآيات: ﴿يَا مُوسَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. فلهذا كان بعض السلف كما قال قتادة وغيره: قال: من يستطيع أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾؟ ولهذا لما قال الماتريدية والجهمية: قالوا أن موسى إنما سمع صوت الله عز وجل، أو سمع صوت الهواء، ولم يسمع صوت الله. وقالت الأشاعرة: أن الله خلق صوته في الشجرة، أن موسى سمع الشجرة، ولم يسمع صوت الله، وإنما سمع صوت الشجرة. طيب هل الشجرة لها صوت؟ وهل الهواء له صوت يسمع؟ يقول: يا فلان، يا فلان. وهل أيضًا الشجرة تستطيع أن تقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾؟ وهل الهواء يستطيع أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾؟ كيف هذا؟ فلهذا هؤلاء أرادوا أن يفروا من شيء، فوقعوا بما هو أقبح منه. وهذا العقل أنه تكذيب للقرآن. فالله عز وجل تكلم بحرف وصوت، سمعه موسى، أنه قال له: يا موسى، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ إِنَّنِي أَنَا رَبُّكَ﴾. فلهذا فكلام الله عز وجل كلام حقيقي بحرف وصوت، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. وقد ألف أبو محمد السجزي رسالة سماها: كلام الله عز وجل بحرف وصوت، وذكر أشياء كثيرة من أدلة الكتاب والسنة، وكذلك من كلام العلماء أو من كلام السلف. وأيضًا ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك الإمام ابن القيم في الصواعق، وفي اجتماع الجيوش. فصفة الكلام صفة ذاتية فعلية، صفة الكلام صفة ذاتية فعلية، ذاتية كما ذكرنا قبل أن الله عز وجل متصف بصفة الكلام، أي أنه متكلم جل وعلا. وفعلية لأن الله عز وجل يتكلم متى شاء، تكلم موسى، وكلم عيسى، وكلم محمد صلى الله عليه وسلم، ونادى آدم، وكلم أهل الجنة، وكلم أهل النار توبيخًا لهم. قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾. قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. فهذا رب العزة سبحانه وتعالى هو الذي كلمهم بهذا، قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. ولهذا قال العلماء: في قوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾، أي كلام رحمة. ولهذا كلم أهل النار، فقال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. وكلم أيضًا أهل الجنة، كما جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله عز وجل لهم: يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: يا رب، كيف لا نرضى وقد أدخلتنا الجنة وبيضت وجوهنا؟ قال: فيقول الله عز وجل: فإني أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعدها أبدًا. يقول الله عز وجل: فإني أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعدها أبدًا. وهذا يدل على أن الله عز وجل يتكلم ما يشاء، وبما شاء. فصفة الكلام صفة ذاتية فعلية. وأما السكوت فلم يصف الله عز وجل نفسه بالسكوت أبدًا، فوصفه بالسكوت هذه نقيصة تنقص في حق الله عز وجل. وأيضًا صفة السكوت كما قلنا نقص في المخلوق نفسه، فكيف تثبت للخالق جل وعلا؟ طيب إن شاء الله نكتب بهذا.