الدرس في ذو الحجة مسائل وأحكام 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشدد الخطيب على أهمية الاهتمام بالفرائض والواجبات في العشر من ذي الحجة، ويبين أن الله يحب الأعمال التي افترضها على عباده. يؤكد أن أجر الفرائض يتضاعف في هذه الأيام المباركة.
يشرع الإكثار من ذكر الله في العشر من ذي الحجة، ويشمل ذلك التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل وقراءة القرآن. ينبغي على المسلم أن يحرص على أداء الفرائض والواجبات ويكثر من ذكر الله في هذه الأيام الفاضلة.
ينبغي للإنسان أن يعتني بالقرآن في العشر الأوائل من ذي الحجة، كما ينبغي له أن يكثر من التكبير المطلق في هذه الأيام. كان السلف الصالح يحرصون على هذه الشعيرة ويكثرون من التكبير في الأسواق والبيوت.
ينبغي استغلال الأيام بذكر الله الذي يشمل التسبيح والتحميد والتهليل وقراءة القرآن والتكبير المطلق. أسأل الله أن ينفعنا بما قلنا ويصلي على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في المجلس السابق، إخواني في الله، كانت الإشارة إلى أهم فضائل هذه الأيام التي نحن مقلب فيها، معاشر أهل الإسلام، وما كان من ذكر مضاعفة الأجور، وأن العمل في مثل هذه الأيام يتضاعف، وأشرنا إلى العلة التي بسببها بارك الله عز وجل في الأعمال والأقوال والأحوال بمضاعفة الأجور والحسنات، وقلنا إن ذلكم لأن الله يحب هذا العمل من صاحبه، أضف إلى ذلكم أن هذا الزمان قد تشعبت فيه أمهات العبادات، وهي الصلاة والصيام والذبح والحج. وأشرنا، إخواني في الله، إلى أن المسلم عليه أن يحرص على أن يؤدي أهم العبادات والأعمال، وخاصة ما دلت عليها عمومات الشريعة، وهكذا ما جاء في حقها التنصيص والتخصيص. وأشرنا من هذه العمومات التوبة إلى الله جل وعلا من الكبائر ومن الذنوب والموبقات، وخاصة التي تؤول إلى إحباط الأعمال، وذا أشرنا إلى بعض الأحاديث المتعلقة بهذا الباب. وأيضًا مما يذكر من الأدلة العامة التي تدل على الاهتمام بشيء من الأعمال، ما دلت عليه الأدلة من الحرص على الفرائض وعلى الواجبات وعلى الأركان، فهذه الأس والأساس في الأعمال والأقوال، إذ لا يعقل، لا حسًا ولا شرعًا ولا عقلًا، أن الإنسان في مثل هذه الأيام يشتغل بالنوافل والمندوبات والسنن والمستحبات، بالمقابل هو متقاعس عن الواجبات، هذا لا يعقل، بل إن الذمة لا تبرأ إلا بالواجبات، بخلاف المندوبات، جئت بها أو لم تأت بها، فهي زيادة أجر وفضل، بخلاف الواجبات، فهي وزر إن غفلت عنها. ولهذا جاء في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، فأحب الأعمال إلى الله جل وعلا الفرائض، ولهذا أوجبها ربنا، ثم قال سبحانه: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»، فالنوافل تبع، فكونك يا عبد الله تشتغل بالنوافل والسنن وأنت مهمل للطاعات والواجبات، فهذا أمر لا يغتفر. وعندما جاء ذاك الرجل، كما في الصحيحين، وهو يسأل عن الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال الرجل: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تتطوع»، ثم أمره نبينا صلى الله عليه وسلم بصيام رمضان، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تتطوع»، ثم أمره نبينا بالزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تتطوع»، فدل على أن الإنسان الأصل أنه ملزم بالفرائض، هي الأصل وهي الأساس. ولهذا فعلينا في مثل هذه المواسم العظام، وفي هذه الأزمان الكرام، أننا نشتغل أعظم ما نشتغل بالحرص على الواجبات، الحرص على الفرائض، ومن ذلكم الحرص على الواجبات الخمس، على الفرائض الخمس، بأدائها على أكمل وجوهها، وإن أجرها ليضاعف، كما قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «وكذلك الفرائض في العشر من ذي الحجة، فإن أجرها مضاعف عن غيرها». فلا تظن أن صلاة العصر التي صليناها، وقبلها الظهر التي أتممناها، ولله الحمد، لا تظن أن أجر الظهر كأجر من صلى الظهر في ذي القعدة، أو صلى العصر في ذي القعدة، أو في غيرها من الشهور، الصلوات هنا إذا أديناها يا عبد الله، فإن حسابها آخر، حسابها مضاعف، علمها عند ربي. فربنا عز وجل يجزل الأجر والمثوبة في كل عمل، ومنها الفرائض، فلا تستهين يا عبد الله، وأنت في هذا الشهر المفضل، في أن تؤدي الفرائض والواجبات والأركان. كذلك من الأعمال التي يشرع لكل مسلم ومسلمة أن يأتيها في مثل هذه الأزمان، ما يكون من الإكثار من ذكر الرحمن، الإكثار من ذكر الله، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، ويذكروا اسم الله هنا أمر ربنا، أمر إرشاد واستحباب وندب. ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، الأيام المعلومات على مذهب جمهور العلماء هي أيام العشر من ذي الحجة، وجاء ذلك مصرحًا عن ابن عمر، وهكذا عن ابن عباس، على أن هذه الأيام هي التي أمرنا ربنا عز وجل بالإكثار من ذكره سبحانه وتعالى. وإن ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام يدخل فيه عدة صور من ذكر الله جل وعلا، ما يكون من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، فهذه من الأذكار المشروعة في هذه الأيام. ويدل على ذلكم عموم الآية: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾، وأيضًا ما جاء في مسند الإمام أحمد، من حديث ابن عمر، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل من هذه الأيام، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير»، فأرشد نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وهو يحسنه جماعة من أهل العلم، على أن من ظفر بمثل هذه الأيام، فليكثر فيهن من ماذا؟ من أنواع الذكر: تسبيحًا، تحميدًا، تهليلًا، تكبيرًا. فهذه الأذكار من الأذكار العظيمة في شرع الله، وقال سماها نبينا عليه الصلاة والسلام أنها من أحب الكلام إلى الله: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، من أحب الكلام إلى الله سبحانه وتعالى، وأنها خير مما طلعت عليه الشمس، ما الذي تطلع عليه الشمس؟ الشمس تطلع على الدنيا بأسرها، فقولك هذه الكلمات خير من الدنيا وما فيها: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، إذن هذا من الذكر الذي يستحب فعله وذكره وقوله في هذه الأيام. إن شئت تأتي بها مجتمعة، وإن شئت جئت بها فرادى: «سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، الحمد لله»، وهكذا، جعلها وردك في أي وقت شئت، في ليلك ونهارك. وأيضًا مما يدخل في ذكر الله جل وعلا في هذه الأيام، ما يكون من الإقبال على قراءة القرآن، فإن قراءة القرآن هو من ذكر الله، بل هو أعظم ذكر لله، أعظم ذكر لله هو بتلاوة كتابه، وبقراءة قرآنه. فإن كان القرآن مستحب أن يقرأ على طيلة الأزمان، فإنه في مثل هذه الأزمان أشد استحبابًا، أنك تقبل على قراءة القرآن، ولو استطعت يا عبد الله أن تختمه، لمن استطاع لذلكم سبيلًا، فهذا خير وأي خير، وكل بقدر استطاعته. ولهذا قال العلماء: إن الإنسان لربما يستطيع على القراءة ما لا يستطيع عليه غيره. ولهذا ذكروا في مسألة قراءة القرآن أن المقدار يختلف من شخص إلى آخر، فربما العالم قد يقرأ من القرآن بحسب ما يعطيه من الوقت، بحيث لا يخل بالعلم الذي سيعطيه للناس، فلا شك أن دور العالم في هذه الأمة من أنه يقرأ ويبحث ويكتب ويسجل ويقيد ويبث وينشر، هذا سيأخذ عليه من الوقت ما لا يستطيع أن يتفرغ تفرغًا تامًا للقرآن، لكن يعطي للقرآن شيء من الوقت. قال: وهكذا القاضي، من يقضي في الحكومات، من يقضي في القضايا بين الناس، فعنده قد لا يستطيع أن يعطي من وقته الكامل لكتاب، لانشغال بما يعود نفع للأمة، فيعطي للقرآن شيئًا. قال: وهكذا كل إنسان بحسبه، أما من كان متفرغًا، ليس عليه لا في هذا الباب ولا في ذاك الباب، فهذا عليه أن يقبل قدر الإمكان على القرآن. وقد ذكر العلماء أن هذا الموسم من المواسم التي ينبغي أن يعتنى فيها بالقرآن، كما صرح بهذا الإمام النووي رحمه الله تعالى، في كتابه «التبيان في فضائل القرآن»، وهو يعدد لنا المواسم التي ينبغي أن يقرأ فيها القرآن، قال: «وينبغي الاعتناء بقراءة القرآن في شهر رمضان، وفي العشر الأخيرة منه»، إلى أن قال: «وفي العشر الأول من ذي الحجة»، أي هذا هو زمانه من الأزمان المحمودة التي ينبغي للإنسان أن يعطي للقرآن قدره وحقه. فأكثر يا عبد الله من قراءة القرآن في هذا الموسم بالذات. كذلك مما يدخل في ذكر الله جل وعلا، ما يكون من التكبير المطلق، التكبير المطلق، العلماء قسموا التكبير في أيام ذي الحجة إلى قسمين اثنين: إلى تكبير مقيد، وإلى تكبير مطلق، التكبير المقيد هو الذي يكون بعد الصلوات، عقب الصلوات، وهذا تحديدًا على القول الصحيح يبتدئ من يوم عرفة، من يوم عرفة إلى أيام التشريق، إلى نهاية أيام التشريق، فهنا يكبر ربنا عز وجل بعد الصلوات، وفي كل الأوقات، هذا يسميه العلماء التكبير المقيد. وعنده ما يقابله التكبير المطلق، المطلق صمي مطلقًا، لأنه غير مقيد لا بزمان، لا بمكان، لا بحال، لا بصلاة، ولا بشيء، وإنما تكبر الله عز وجل في كل آن، وفي كل حين، وهذا الذي يسميه العلماء بالتكبير المطلق، وهذا وقته يبدأ منذ أن أهلت علينا العشر الأول من ذي الحجة، من أول يوم، ويبدأ معنا، وتبدأ معنا هذه الشعيرة. وقد كان هذا مما حرص عليه سلفنا الصالح، من لدن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد روى الإمام البخاري من فعل ابن عمر، ومن فعل أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، أنهما كانا يكبران في العشر، بل أثر عنهما أنهما كانا يذهبان إلى الأسواق، لا لقصد البيع والشراء، لا وإنما لقصد نشر التكبير بين الناس، فكان الناس يتذكرون بتكبيرهم التكبير، فيكبرون، فيكبرون. وعلى هذا جار عمل السلف، يقول يزيد بن أبي زياد رحمه الله تعالى: «لقد رأيت سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهدًا، وهم يكبرون في العشر، يقولون: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»، هكذا ينقل يزيد رحمه الله تعالى عن أئمة التابعين، عن سعيد بن جبير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن مجاهد، وعن غيرهم. بل قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: «لقد أدركت الناس، لقد أدركت الناس في أزماننا، وهم يكبرون العشر، وشبهتهم بالأمواج»، أي لكثرة من كان يكبر في تلكم الأوقات، فكان الناس يحرصون على هذه الشعيرة، فكانوا يكبرون الله سبحانه وتعالى. فهذا يا عبد الله مما يدخل في عموم قول الله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، فاحرص يا عبد الله، وأنت في هذه الأيام، أنك تشغل نفسك بالتكبير، وأنت في مدخلك، وأنت في مخرجك، وأنت في بيتك، وأنت في منزلك، وأنت على فراشك، وأنت في سيارتك، وأنت في مركوبك. فإذا لم تستطع، أو كمغل انشغالك، فلا بأس أن تستعين بالمذياع، أو الإذاعة، أو الصوتيات، حتى يعج التكبير، فإن ذلك من التكبير الذي يحبه الله جل وعلا، وهكذا يعلم عليه الصغار والكبار، والذكور والإناث، وحتى ربات الأسر في البيوت، المرأة تتعلم هذا الذكر، وتأتي به في مدخلها، في بيتها، في فترة شغلها، في عملها، وهذا مما تعم به البركة، أن يصدع التكبير في أرجاء البيوت، بل في أرجاء المجتمع. فالشاهد إخواني في الله، أن من الأعمال المندوبة التي ينبغي أن تستغل به هذه الأيام، أن تستغل بذكر الله، وأشرنا أن ذكر الله يدخل فيه التسبيح والتحميد والتهليل، وغيره من أنواع الذكر، ويدخل في ذكر الله قراءة القرآن، ويدخل في ذكر الله أيضًا التكبير المطلق. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.