التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 99

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 99

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 99، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تقسيم الناس في التعامل مع الطيرة وشرح حديث ابن مسعود

قسّم الشيخ ابن عثيمين الناس إلى ثلاثة أصناف في مواجهة الطيرة: من يمضي متوكلا لا يرده، ومن يحجم مستجيبا لها وهو شرك، ومن يمضي مع قلق وهم وهو آثم. وبيّن أن حديث «الطيارة شرك» يدل على الشرك الأصغر للتنكير، وأن التوكل يزيل أثر الطيرة.

أدب تجنب ألفاظ الشرك وحكم الطيرة وحقيقة التوكل

استعرض المقطع أدب الصحابة في تجنب النطق بألفاظ الشرك حتى عند الحكاية، ووضح أن خطرات الطيرة لا تؤاخذ إلا مع العمل بها، وأن التوكل الحقيقي هو صدق الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة. كما بيّن أن قول «الطيارة شرك» مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم للتأكيد، بينما تتمة الحديث من قول ابن مسعود، واستدل بحديث ابن عمر أن من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك.

كفارة التطير ودعاء التكفير ومعانيه التوحيدية

شرح حديث ابن عمر في كفارة من ردته الطيرة عن حاجته، وهي قول: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك»، وبيّن أن هذا الدعاء يقال بعد وقوع الطيرة بخلاف دعاء الاستخارة. وأوضح أن الدعاء يحقق توحيد الربوبية بقوله «لا خير إلا خيرك» وتوحيد الألوهية بقوله «ولا إله غيرك»، ليكون تكفيراً لشرك الطيرة الناشئ عن ضعف التوكل.

ختم الدرس وتأجيل الباقي

أعلن المحاضر انتهاء الوقت المخصص للدرس واكتفى بما تم طرحه، مؤجلاً استكمال الموضوع المتبقي إلى درس قادم إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فما زلنا في باب التطير، وقد أطال المؤلف في هذا الباب، وذكر أحاديث كثيرة في هذا الباب لورودها فيه. وقفنا عند حديث عروة بن عامر، قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «ذكرت الطيارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أحسنها الفأل». وأخذنا شرح هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث فيه مقال، وقد ضعفه العلامة الألباني في الضعيفة، ولكن معناه صحيح، تدل عليه عمومات الأدلة. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: أقسام الناس مع الطيرة. هذه فائدة من كلام الشيخ ابن عثيمين، فالنوع الأول - يعني قسمهم إلى ثلاثة أقسام -: القسم الأول: لا ترده الطيارة عن حاجته، ويمضي متوكلا على الله، وهذا حال الموحد المؤمن، لا يتطير، ولا ترده إن وقع في قلبه شيء من الطيرة، لا ترده تلك الطيرة عن المضي في حاجته، بل يتوكل على الله لقوة يقينه وإيمانه. والقسم الثاني: من الناس مع الطيرة يحجم ويستجيب للطيرة ويترك العمل، وهذا كما تقدم دائر بين الشرك الأصغر إذا اعتقد أن هذه الطيرة سبب، وشرك أكبر إذا اعتقد أن هذه الطيرة مؤثرة بذاتها، وأن هذا الطائر هو الذي يؤثر على ذهابه أو على إحجامه، فإذا اعتقد ذلك فهذا من الشرك الأكبر. وأما إن اعتقد أن هذا سبب لا يؤثر بذاته فهذا من الشرك الأصغر، لأنه جعل ما ليس سببا سببا. القسم الثالث: يمضي لكن مع قلق وهم وغم، يخشى من تأثير هذا المتطير به، فهذا آثم، يعني يريد أن يسافر، فخرج من بيته فإذا بحادث أمامه، أناس انقلبت بهم السيارة وصار لهم ما صار، فتشاءم وقال: بدأنا في سفرنا بهذا المنظر، لكنه مشى ومضى في سفره، لكن بقي قلقا يخشى من تأثير هذا التطير الذي وقع منه، فربما يسوق سيارة وهو خائف قلق، هذا لا يجوز، وإن كان لا يصل إلى حد الشرك الأصغر لأنه مضى في سفره، لكن قلقه هذا وخوفه دليل على شيء في قلبه من التصديق أو من الظن أو نحو ذلك، فلذلك لا ينبغي ذلك، بل يتوكل على الله ويعلم أن الأمر بيد الله عز وجل. نعم، ثم ذكر بعض الأدلة الأخرى عند هذا الباب، قالوا: عن ابن مسعود مرفوعة: «الطيارة شرك، الطيارة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود. والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الطيارة شرك»، مرت معنا قاعدة لو تذكرون، أن الشرك إذا نكر دل على أنه شرك أصغر، وإذا عرف دل على أنه شرك أكبر، فقول هنا: «الطيارة شرك»، أي: من الشرك الأصغر، لأنه لم يقل هاهنا: الطيارة من الشرك، أو الطيارة الشرك، وإنما قال: الطيارة شرك بالتنكير، فكما تقدم أن الأصل في المتطير أن يعتقد أن هذا الذي تطير به سبب، هذا الأكثر، الله أعلم. لكن إذا كما تقدم اعتقد أن هذا الذي تطير به يؤثر بذاته، فهذا يكون من الشرك الأكبر. وقوله: «وما منا إلا»، والمعنى: أي وما منا إلا متطير، يعني تقع منه الطيارة، تقع منه الطيارة. وترك هنا المستثنى، لم يقل: «وما منا إلا متطير»، قالوا: «وما منا إلا»، قالوا: هذا من ترك ما يستقبح ذكره، والبعد عن الألفاظ الشركية، وتحقيق التوحيد في الألفاظ، مع أن حاكي الكفر ليس بكافر، لكن هذا نوع من أنواع الأدب، أنك لا تحاكي الكفر. يعني قوله: «وما منا إلا متطير»، لو قال: متطير، معنى أثبت الطيارة لجميع الصحابة، «وما منا إلا متطير»، وهذا فيه شيء، لأن الطيارة من الشرك. لكن المراد بهذا الحديث: أن ما يقع في النفس لا يكتب على صاحبه إلا إذا عمل أو تكلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم». فقد أحيانا مثلا يقع في نفسك شيء من هذا التطير، لكن ترجع إلى الله وتستعيذ بالله وتتوكل على الله وتترك ما وسوست به نفسك، ما وسوست به نفسك، فهذا معنى قوله: «وما منا إلا»، يعني قد تمر على خاطره الطيرة، قد تمر على خاطره وعلى قلبه الطيرة، لكن لا يعمل بها، لا يعمل بها، لا ترده عن حاجته، لا ترده عن حاجته، فهذا معنى قوله: «وما منا إلا». وهذا كما تقدم فيه أدب من الآداب، وهو عدم محاكاة الكفر. مثلا على سبيل المثال: أتوا بك شاهدا على شخص نطق بكلمة الكفر، من سب الدين أو سب الرب أو سب الذات الإلهية أو سب القرآن، فقيل لك: ماذا تشهد؟ قل: أشهد أنه سب الدين، لا تقول: أشهد أنه قال كذا وكذا، وتأتي بكلمة الكفر، مع أنك أنت ما أتيت بها معتقدا لها أو قاصدا لقولها، وإنما أتيت بها لأداء الشهادة، ومع هذا إن استطعت أن لا تتلفظ بها فذاك، فهذا من الأدب، فإنه يستقبح محاكاة الكفر. وقوله هنا: «ولكن الله يذهبه بالتوكل»، كما تقدم أن المؤمن إذا عرض له شيء من ذلك لا يتمادى ولا يعمل بهذه الطيرة، بل يذهب ما خطر له بالتوكل على الله، والتوكل هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، الذي يجلب لك النفع ويدفع عنك الضر هو الله، ليس هذا الطائر ولا ذاك الشهر ولا ذاك اليوم، وإنما الله عز وجل هو الذي يجلب لك النفع ويدفع عنك الضر، مع الثقة به سبحانه وفعل الأسباب التي جعلها الله أسبابا، الأسباب التي دل عليها الشرع أو دل عليها القدر، فهذا لا بأس من اتخاذها، بل هذا من أركان التوكل، من أركان التوكل على الله اتخاذ الأسباب الشرعية المأذون بها شرعا، هذا من التوكل على الله سبحانه وتعالى. وقوله هنا: «وجعل آخره»، أي: الترمذي، من قول ابن مسعود، أي: أنه حديث، أن آخره من قسم المدرجة، لا من قسم الموصول، أي: أن هذا القول: «وما منا إلا، ولكن الله يذهب بالتوكل»، هو من قول ابن مسعود، وليس من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «الطيارة شرك، الطيارة شرك»، وكررت هذه العبارة للتأكيد، وهو من باب تأكيد جملة بجملة، من باب تأكيد جملة بجملة، فالطيارة مبتدأ وشرك خبر، والطيارة الثانية مبتدأ وشرك خبر، والجملة الأولى لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية، والجملة الثانية كذلك لا محل لها من الإعراب لأنها توكيدية، جملة توكيدية. والشاهد من هذا الحديث هو التنصيص على أن الطيرة شرك. قال: ولأحمد من حديث ابن عمر: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». وهذا الحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، وفي غيرها من كتبه. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من ردته الطيرة عن حاجته»، يعني: عمل بهذه الطيرة، عمل بهذه الطيرة، سمع صوت غراب فأحجم عن السفر، أو عن الزواج، أو عن كذلك التجارة، أو نحو ذلك، عمل بهذه الطيرة، فردته عن حاجته، فقد أشرك، كما تقدم معنا على التفصيل المتقدم. فمن حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على محو سيئة التطير، فسألوه: فما كفارة ذلك؟ كيف يتاب من الطيرة؟ وكيف تدفع هذه الطيرة؟ كيف تدفع هذه الطيرة؟ كيف تعالج هذه الطيرة؟ فقال: «أن يقول»... وهذا يدل على أن هذا الدعاء أو هذا القول يقال بعد الطيرة. أما الحديث المتقدم الذي مر معنا، وهو حديث عروة بن عامر: «ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره»... هذا يقال قبل الطيرة: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك»، هذا يقال قبل عمل الطيرة، وإنما عند إرادتها والإقدام عليها. وأما هذا الحديث، حديث ابن عمر، فهذا الدعاء يقال بعد عمل الطيرة، بعد عمل الطيرة. فقالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك»، يعني: معنى «لا خير إلا خيرك»، يعني: لا قدر إلا قدرك، فهذه الأمور التي يتشاءمون منها، من مسموع أو من مرئي أو من معلوم، لا تملك شيئا، شيئا، لا ترد قدر الله عز وجل، لا ترد قدر الله سبحانه وتعالى، فهذا معنى: «لا خير إلا خيرك». نعم، أي: لا قدر إلا قدرك. وقوله: «ولا طير إلا طيرك»، أي: القدر الذي يتشاءمون منه، فإنه من عند الله وحده، ومعناه: لن يقع إلا ما قدرته يا رب، لا يقع، ولن يقع إلا ما قدرته يا رب. فمثلاً لو تشاءم شخص بشيء، فردته هذه الطيرة وهذا التشاءم عن سفره، فأصيب وهو لم يسافر بالأمراض وهجوم عدو، هذا دليل على أن ربما السفر كان خيرا له، ربما السفر كان خيرا له، هو الآن خائف من نزول البلاء والشر به إذا سافر، فإذا بالبلاء يأتيه وهو في بيته، وهو في بيته، فهذا معنى: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك». وقوله: «ولا إله غيرك»، قال العلماء: في هذا الدعاء إفراد الله بالربوبية، وإفراد الله بالألوهية. فمن يبين لنا ذلك؟ أين في هذا الدعاء توحيد الربوبية؟ أين في هذا الدعاء توحيد الربوبية؟ من يقول: أنا، نعم يا صالم: «لا خير إلا خيره»، قلنا: لا خير إلا خير، يعني: لا قدر إلا ما قدرته، والقدر من فعل الله سبحانه وتعالى، فهو من توحيد الربوبية، فهو من توحيد الربوبية. وأينما يدل على توحيد الألوهية؟ واضح وظاهر، وهو قوله: ماذا؟ «ولا إله إلا غيرك»، «ولا إله إلا غيرك». فهذا الحديث، وهذا الدعاء، فيه إفراد الله بالربوبية وبالألوهية، وهذا من أجل تكفير هذا الشرك، لأن الطير كما تقدم معنا من الشرك، فمن فعلها فقد وقع في الشرك، لأن فيها ضعف الإيمان والتوكل على الله، فتعلق بغير الله عز وجل من هذا السبب الذي لم يجعله الله سببا، فاحتاج هذا الأمر الذي هو من الشرك إلى تحقيق التوحيد، فجاء هذا الدعاء بإفراد الله عز وجل في ربوبيته وفي ألوهيته سبحانه وتعالى. هذا هو معنى هذا الحديث. طيب، لانتهاء الوقت نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم.