الدرس في كتاب الطهارة 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث ضعيف عن عائشة رضي الله عنها يأمر من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مدي في الصلاة أن يتوضأ ويبني على صلاته، مع بيان ضعف سنده. وتناول حكم الاحتجاج بالمرسل من الأحاديث.
تناول آراء الفقهاء حول نقض الوضوء بسبب خروج النجاسات من غير السبيلين، مع شرح آراء مختلفة حول البناء على الصلاة عند انتقاض الوضوء.
المذي ينقض الوضوء كما يستفاد من الحديث الشريف، مع الإشارة إلى اختلاف العلماء في خروج النجاسات من غير السبيلين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال المؤلف رحمه الله: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مدي فليتوضأ، ومن يبني على صلاته»، وفي ذلك لا يتكلم. قال: أخرجه ابن ماجة، وضعفه أحمد وغيره. قال: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصابه قيء أو رعاف أو قلس -والقلس بفتح القاف وسكون اللام، وفتحها يعني القيء الذي لا يزيد عن ملء الفم يسمى قلس- أو مدي؛ أي من أصابه ذلك في الصلاة فلينصرف منها فليتوضأ، ثم ليبني على صلاته»، وهو في ذلك وفي حال انصرافه ووضوءه لا يتكلم. قال: أخرجه ابن ماجة، وضعفه أحمد وغيره. وحاصل ما ذكره أن الحديث ضعيف؛ لأنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم غلط، والصحيح أنه مرسل. قال أحمد والبيهقي: المرسل هو الصواب. ومعنا فيه إسماعيل بن عياش، وروايته عن المدنيين أو عن الحجازيين ضعيفة؛ إذا روى إسماعيل بن عياش عن الحجازيين فروايته ضعيفة. وقد بين الإمام الدارقطني في العلل طرقه، وبيّن أن الصحيح فيه الإرسال. فالصحيح أنه مرسل لا يصح. والمرسل مختلف فيه بين الفقهاء: هل يحتج به أو لا؟ احتج به مالك وأبو حنيفة، ورواية عن أحمد. والصحيح عدم الاحتجاج بمرسل إلا بشروط كما ذكر الحافظ الشافعي رحمه الله. هنا ذكر فيه بعض المسائل. معنى أراد من ذكر هذا الحديث بعض المسائل. أولًا: القيء، وهو تفريغ محتويات المعدة. أيضًا الرعاف الذي يخرج من الأنف، الدم الذي يخرج من الأنف. والقلس: هو القيء الذي لا يزيد عن ملء الفم، يسمى قلس. معنى ذلك أنهم يريدون أن هذه الأشياء تنقض الوضوء؛ لأن فيها الانصراف عن الصلاة. وهذا لا يصح؛ فلهذا الحكم ليس كما قال. معنى ذلك كما قلنا: لا يصح. فالصحيح أن القيء والرعاف ليست بناقض للوضوء. ما ينقض الوضوء لا القيء ولا الرعاف. والجمهور على أنه ينقض، لكن من باب القياس؛ قاسوه على الغائط، أي القيء والرعاف. وأنزل دمًا أيضًا. قوله في الحديث: «ليبني على صلاته»، البناء معناه أنه يكمل صلاته؛ أن ما كان باقيًا يصليه. وهذه مسألة البناء على الصلاة، هذه مسألة قال بها بعض العلماء الحنفية. قالوا: إذا انتقض وضوء شخص يذهب يتوضأ ويبني على صلاته. ويبني على صلاته؛ مثلًا الآن وهو في الصلاة انتقض وضوءه، خرج من الصلاة ورجع هنا هل يبني على صلاته أم يستأنف؟ قالوا الحنفية: يبني. معنى ذلك مثلًا لو صلى ركعتين يرجع يكمل بقية الركعات. فهذا الذي قاله الحنفية وهو أحد قولي الشافعي، وهو أيضًا قول مالك. والصحيح أنه لا يبني بل يستأنف؛ لأنه انقطع عن الصلاة أو صلى صلاة غير صحيحة. إذا كان ما يدري فالمهم أنه لا يبني بل يستأنف الصلاة. فالمهم أن هذا الحديث كما قلنا لا يصح، ومسألة البناء لا تصح أيضًا. هذا الحديث فيه معنى على حديث تقدم: الخارج النجس من غير السبيلين. الخارج النجس من غير السبيلين؛ أي غير البول والغائط. عاد عند الجمهور مثل القيء مثل الدم الصديد ونحوها: هل خروجها ينقض الوضوء أم لا؟ فالشافعي ومالك على أنه لا ينقض الوضوء ولو كثر. معنى ذلك: الخارج النجس من غير السبيلين عند كثير من العلماء أنه ينقض الوضوء. وهذا قول مالك والشافعي، وهذا اختيار جماعة من العلماء كالشيخ السعدي وغيره. حتى قالوا: ولو كثرت لا تنقض. ويدل على هذا أشياء كثيرة؛ منها أن الأصل في الأشياء الطهارة. وصل عمر وجرحه يثقب دمًا، لما طعنه المجوسي، وذكر البخاري: أن عمر كان يعصر الدم من عينه ويصلي ولم يتوضأ. وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم. وهذه ليست مسألة النجاسة وإنما مسألة الوضوء؛ هل يجوز أن نقول: معنى ليس المراد النجاسة وإنما المراد نقض الوضوء؟ هل ينقض الوضوء خروج هذه الأشياء؟ أما النجاسات فهو مختلف فيه أيضًا. لكن بعضهم يقول: إن الدم ليس هناك خلاف مجمعًا عليه. الإمام أحمد وأصحاب الحنفية أيضًا ذهب أحمد وهو مذهب الحنفية إلى أن خروج هذه الأمور وأمثالها ينقض إذا كان كثيرًا، ولا ينقض يسير منه. واستدل بحديث الدرداء: «قاء فتوضأ»، وهو حديث صحيح. لكن ليس فيه دلالة صريحة؛ لأنه فعل قاء فتوضأ. والصحيح أنه لا ينقض مثل هذه الأشياء إلا المذي لا شك أنه ينقض. هذا خلاصة ما يذكر من هذا الحديث. والله أعلم.