الدرس في كتاب الطهارة 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول أهمية ذكر الله تعالى في جميع الأحوال، مستنداً إلى حديث عائشة رضي الله عنها. كما يتناول آراء العلماء حول قراءة القرآن في حالة الجنابة.
يناقش المقطع الثاني حديث 'العين وكاء السحر' ويحلل أسانيده، ويخلص إلى أن النوم ليس بناقض للوضوء بنفسه بل هو مضنة للنقض.
تناول المقطعان الثالث والرابع آراء العلماء حول نقض الوضوء بخروج الدم من غير السبيلين، وخلص إلى اختلاف العلماء في هذه المسألة مع ذكر بعض الأحاديث الضعيفة المتعلقة بها.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كل أحيانه، رواه مسلم وعلقه البخاري، وعلقه البخاري بصيغة التمريض. قال: يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يذكر الله على كل أحيانه، لكنه حديث صحيح. قال رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كل أحيانه، رواه مسلم وعلقه البخاري. قوله: الحديث مقرر للأصل، وهو ذكر الله على كل حال من الأحوال، وهو ظاهر في عموم الذكر، فتدخل فيه قراءة القرآن، ولو كان على جنوبهم، إلا أنه قد خصصه حديث علي رضي الله عنه الذي في باب الغسل: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ما لم يكن جنبا"، وهو حديث مقرر في معناه. وهو مخصص بحالة الجنابة، البول والجماع. هذا الحديث كما ذكر المؤلف أنه يدل على عمومه، وهو أيضا مقرر على الأصل أنه يذكر الله عز وجل في كل الأحوال. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب أن يذكر الله على طهارة، لكن هذا الحديث يدل أيضا أنه يذكر الله على كل أحيانه، قد يكون أيضا وهو جنب، يذكر الله عز وجل. عامة قد يدخل به تلاوة القرآن، وهذا من باب العموم. وذكر الشيخ هنا أن هناك تخصيصا بهذا العموم، لكن حديث علي الصحيح أنه لا يصح. رواه عمر بن دينار عن عبد الله بن سلمة عن ابن أبي ليلى عن علي. وعبد الله بن سلمة قال عمر بن مرة: كنا نأخذ منه الحديث فنعرف منه وننكر أنه كان يختلف. وروى عنه عمر بن دينار بعد الاختلاف، قال: لهذا في الحديث لا يصح. وذكره بعضهم موقوفا على علي، أنه من فعل علي رضي الله عنه، وهذا أيضا يزيد على ذلك أنه فعل ليس أمرا في الحديث. قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن إلا إذا كان جنبا، إذا كان جنبا لا يقرأ ولا آية". لكن هذا كما قلنا يدل على فعل فقط، وهذا إذا صح. والفعل لا يدل على التحريم. ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه: "القرآن في جوفه"، أنا لو كان مثلا يحرم عليه وهو في جوفه أيضا، أنا القرآن في جوفه فكيف يحرم عليه إذا مسه أو إذا قرأ منه وهو أيضا محفوظ في صدره: "من هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم"، لهذا لا دليل صريح صحيح فيه أن الجنب لا يقرأ القرآن أو أن المحدث لا يقرأ القرآن، بل يقرأ الإنسان القرآن في كل حالة. قال: "والمراد بكل أحيانه معظمها"، كما قال الله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. ونا أذكر وقت يذكر الله. والمصنف ذكر الحديث لئلا يتوهم أن نواقض الوضوء مانعة من ذكر الله تعالى، لكن استحب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كرهت أن أذكر الله عز وجل على غير الطهارة"، كرهت أن أذكر الله عز وجل على غير الطهارة، في حديثه بالجحيم، لما مر نبي صلى الله عليه وسلم على رجل أو مر عليه رجل وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام حتى فرغ من بوله، ثم جاء إلى الجدار وتيمم، مسح وجهه ويديه، ثم قال: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته". قال: "كرهت أن أذكر الله على غير الطهارة"، فلهذا يذكر الله عز وجل في كل حين وحال، حتى الحائض، حتى الجنب يذكر الله. قالوا عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العين وكاء السحر"، فإذا نامت العين استطلق الوكاء، رواه أحمد والطبراني، وزاد: "ومن نام فليتوضأ". وهذه الزيادة في هذا الحديث عند أبي داود من حديث علي دون قوله: "استطلق الوكاء"، وفي كل الإسنادين ضعف. قراءة حديث عن إسنادين، قراءة حديث عن إسنادين. عن إسنادين ممال أنا نبي صلى الله عليه وسلم... (نص غير واضح). قال الشارح: ومعاوية هو ابن أبي سفيان ابن أبي سفيان صخر ابن حرب، هو وابوه من مسلمة الفتح، ومن المؤلفة في قلوبهم، فأعطاهم نبي صلى الله عليه وسلم ليوثق قلوبهم. والله ولي الشام بعد موت يزيد بن أبي سفيان، ولم يزل بها متوليا أربعين سنة إلى أن مات سنة ستين في شهر رجب في دمشق، وله ثمانين وسبعون سنة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أراد الجنس والمراد العينان من كل إنسان وكاء"، بكسر الواو والمد، وكاء السهل. كيف تحسين المهملة وكسرها هي الدبر، والوكاء ما يربط به الخريطة أو نحوها، يعني ما يربط به القربة أو السقاء. قال له: وكاء الرباة، فقال: العينان وكاء السهل. قال: "فإذا نامت العينان استطلق الوكاء"، فأطلق الوكاء أي الحل. رواه أحمد والطبراني، وزاد الطبراني: "ومن نام فليتوضأ". وهذه زيادة في هذا الحديث، وهي قوله: "من نام فليتوضأ" عند أبي داود من حديث علي رضي الله عنه، ولفظه: "العين وكاء السهل فمن نام فليتوضأ" دون قوله: "استطلق الوكاء". وفي كل الإسنادين ضعف. إسناد حديث معاوية وإسناد حديث علي، فإن في إسناد حديث معاوية بقية، وأبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، وبقية مدلس. وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف. وفي حديث علي أيضا بقية، والظاهر أن بقية اختلط في الحديث، تارة يرويه عن الوضين بن عطاء، وتارة يرويه عن أبي بكر بن أبي مريم. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذين الحديثين فقال: ليس بقويين. وقال أحمد: حديث علي أثبت من حديث معاوية. وحسن المنذري والنووي بن الصلاح حديث علي. حديث علي صحيح، لأن البقية إذا روى عن بعض مشايخه كالوضين بالعطاء، وأيضا غيره من هؤلاء، وأيضا بحر، معنى هؤلاء مشايخ الشام، إذا روى عنه يقبلون روايته لأنه لا يتدلس عن مشايخه الذين أكثر عنهم. لكن الحديث الظاهر فيه معنى أيضا هناك أيضا إرسال. وحسن الشيخ للباني رحمه الله عليه، وكذلك حسّنوا هؤلاء المنذرين، النووي بن الصلاح، حسّنوا حديث علي. بحديث ما هو؟ لكن الطريق واحد، المخرج واحد، من طريق بقية. لكن قد يكون بقية حافظا، إلا أنه يدلس كثيرا، وإلا فهو حافظ من حفاظ الشام، فقد يكون عنده الحديث من الطريقين. قالوا: الحديثان يدلان على أن النوم ليس بناقض بنفسه، وإنما هو مضنة النقض فيه، فهما من أدلة القائلين بذلك. ودليل على أنه لا ينقض إلا النوم المستغرق. قوله: "العينان وكاء السهل"، أي لا يدري بنفسه إذا استطلق الوكاء، وأيضا خرجت الريح وكذا، إلا إذا نام نوما غشي عليه. وأما إذا كان وسنانا سيطلب هذا، يحس بخروجه. ولهذا حمل هذا الحديث على النوم الذي يغشى فيه على العبد. ويحمل أيضا حديث صفوان بن عسال على النوم وهو الغشوة. وحديث أنس أنه كانوا ينامون ولا يتوضؤون يحمل على النعاس، يحمل على النعاس أو السنن. وقد تقدم الكلام في ذلك في حديث صفوان بن عسال. قال: وكان الأولى بحسن الترتيب أن يذكر المصنف هذا الحديث عقب حديث أنس في أول باب النواقض، كما لا يخفى معنى هذا التصرف من بعض معنى التقديم. حديث أنس معنى التصرف من بعض معنى الصحابة المطابع، لكن أنا في أول باب النواقض، يظهر يريد حديث أنس: "كانوا ينامون ولا يتوضؤون"، يحتاج إلى تفريع ذلك النواقض. لكن الظاهر كأن الحافظ أحيانا يذكر بعض الأحاديث الضعيفة من باب الإتمام، يعني من إتمام الأبواب. وهذا ستجدها يؤخرها إلى آخر الأبواب، فيذكر بعض الأحاديث الضعيفة التي يحتج بها بعض الفقهاء من باب إكمال الأدلة، ولا يذكرها في موضوعها. قال: أولى أبي داود أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا: "إنما الوضوء على من نام متجمعا". وفي سناده ضعف أيضا. أخرجه أبو داود أيضا عن ابن عباس مرفوعا: "إنما الوضوء على من نام متجمعا"، في سناده ضعف أيضا، لأنه قال أبو داود: إنه حديث منكر، وبين وجه نكارته. وفيه القصر على أنه لا ينقض إلا نوم متجمع، لا غير. ولو استغرقه النوم فالجمع بينه وبين ما مضى لحديث أنه خرج على الأغلب، فإن الأغلب على من أراد النوم أن يتجمع، فلا معارضة. لكن الحديث لا يصح. تفرض به أبو خالد الدلاني عن قتادة، وأيضا قتادة رواه عن ابن عباس. وأبو العالية و قتادة لم يسمع من أبو العالية سوى أربع أحاديث كما قال أحمد وغيره. وأيضا أنكر هذا الحديث على أبو خالد الدلاني، إن كان أبو خالد الدلاني ضعيف أو يدخل الحديث بعضها في بعض. وأيضا قد أنكر العلماء سماعه من قتادة، عن أحمد وعن البخاري وغيرهما، قالوا: أنه لم يسمع من قتادة. قتادة لم يسمع من أبو العالية إلا أربع أحاديث، فالحديث لا يصح. قال: أخرج النسائي رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وصلى ولم يتوضأ. أخرجه الدارقطني، ولنا ذكر حديث النسائي، قال: أي قال هو ليل، وذلك لأن في سنده صالح بن المقاتل، وليس بالقوي. وذكره النووي في فصل الضعيف. على أن خروج الدم من البدن غير الفرجين لا ينقض، يعني إذا كان ليس من الفرجين خروجهم بقية البدن، وإن كان قال بعض العلماء أنه نجس، لكنه لا ينقض الوضوء. قال: وفي الباب حديث كعب بن مالك، وحديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث أبي أوفى. وقد اختلف العلماء في ذلك. فالحنفية على أنه ناقض بشرط أن يكون سائلا يقطر، أو يكون قدر الشعيرة يسيل في وقت واحد من موضع واحد، إلا ما يمكن تطهيره. وقال زيد بن علي والشافعية ومالك والناصر، وجماعة من الصحابة والتابعين: أن خروج الدم من البدن من غير السبيلين ليس بناقض، لحديث أنس هذا، وما أيدهم للآثار عن من ذكرناه. وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح". هذا الحديث صحيح، لكن اختصره شعبة، وقيل غيره. هذا الحديث: سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة صحيح، لأن سهيل هو الذي اختصره، فالاختصار مخل، ليس صحيحا، لأن الحديث أصله: "من أشكل عليه شيء في صلاته فلا يخرج حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"، هذا الحديث وليس بهذا اللفظ. قال: وخرجه أحمد والترمذي وصححه، وأحمد والطبراني بلفظ: "لا وضوء إلا من ريح إنه سمع". وهذا الرواية الأخرى أيضا لا ترسح في عبد العزيز بن عبيد الله، وقوة ضعيفة. ورواية الأخرى كما قلنا فيها اختصار، لكن اختصار مخل وغير صحيح. قالوا: لأن الأصل عدم النقض حتى يقوم ما يرفع الأصل، ولم يقوم دليل على ذلك، فالحديث لا ينصح من جميعه. ومسألة الدم إذا خرج من غير السبيلين لا ينقض، قد ذكرنا هذه المسألة في باب: لا يخرج من السبيلين أو من غيره، ترجمة ناسي قنقر.