شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 16

شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 16

الدرس في شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحكام التيمم عند وجود الماء وبعد الصلاة

يتناول المقطع وجوب إعادة الصلاة بالغسل أو الوضوء إذا وجد الماء بعد التيمم بإجماع العلماء، وحكم الجمع بين الماء القليل والتيمم للباقي. كما يبيّن جواز التيمم مع وجود ماء محتاج للشرب وتفصيل التيمم خوف فوات الوقت.

التيمم والوضوء عند ضيق الوقت وفرق الجمهور وابن تيمية في طهارة الطواف

يوضح المقطع حكم من لم يجد الماء إلا بعد خروج وقت الصلاة فيتوضأ ويصلي قضاءً، وتفصيل العلماء في التيمم عند اليأس من الماء في آخر الوقت. ثم يستعرض اشتراط الوضوء للطواف ومس المصحف مع خلاف الجمهور ورأي ابن تيمية بعدم اشتراط الوضوء للطواف من الحدث الأصغر.

أحكام مس المصحف وقراءة القرآن لغير المتطهرين

يناقش المقطع خلاف العلماء في جواز مس المصحف لغير المتطهرين مع ترجيح قول الجمهور للاحتياط. كما يتناول حكم قراءة القرآن عن ظهر قلب للحائض والنفساء والجنب وجواز مسه بحائل عند الحاجة.

خاتمة الدرس ومسألة الحدث الأكبر ودخول الحائض المسجد

يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى مسألة من أحدث حدثاً أكبر في المسجد دون وضوء. ويربطها بمسألة دخول الحائض المسجد التي سيبحثها في الأسبوع القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فأخذنا في الدرس الماضي الكلام على باب التيمم، وأخذنا ما ذكره المؤلف، مع ذكر بعض أدلة ما ذكر. وبقيت هناك مسائل فرعية مهمة تتعلق بهذا الباب. منها: إذا صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء، يعني: كان لا يوجد ماء، ثم صلى، وبعدما انتهى من صلاته فإذا بالمطر -ما شاء الله- ينزل، والماء من حواليه عن يمينه وعن شماله. فهل يكتفي بالصلاة بالتيمم، أو يتوضأ ويعيد الصلاة؟ جمهور العلماء نقلوا في ذلك الإجماع على أنه يجب عليه الغسل أو الوضوء والإعادة. نقل الإجماع ابن عبد البر والنووي: «من صلى جنبًا بالتيمم ثم وجد الماء فقد وجب عليه الغسل». الغسل، وكذلك في الوضوء. ونقلوا في ذلك الإجماع. ودليلهم التعليل: فإن الله سبحانه وتعالى جعل التيمم بدلاً من الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم. قد يقول قائل: طيب، هذا تيمم لأنه لا يوجد ماء. طيب، وجد الماء الآن، فنسخ الحكم الأول. مسألة ثانية: كذلك يذكرها العلماء، هذه المسألة: إذا وجد المحدث ماء لا يكفي لطهارته، وجد نصف صاع أو نصف مد أو نصف صاع في الغسل، لا يستطيع أن يتوضأ به أو أن يغتسل به. كيف يفعل الآن؟ أهو يتوضأ بالماء حيث ما وصل ثم يتيمم، أو يترك الماء ويتيمم؟ هذه مسألة أيضًا وجد فيها خلاف قوي بين العلماء على قولين: القول الأول: يقول بأنه يستعمل الماء أولاً ثم يتيمم لما بقي من أعضائه. مثلاً: توضأ بالماء، غسل وجهه ويدًا واحدة، هذا الماء بقي. ماذا بقي؟ اليد، وبقي مسح الرأس، وبقي غسل الرجلين. قالوا: لا بد يستخدم الماء؛ لأنه الآن حكمه حكم الواجد للماء. فإذا انتهى الماء ينتقل إلى البدل، ينتقل إلى البدل. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وبه قال ابن عثيمين وابن باز. واستدلوا بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فالآن يصدق عليه أنه واجد للماء، وإن كان قليلاً، فيستخدم الماء. فإن لم يكمل، أو فإن لم يكمل الوضوء، عوض ذلك بالتيمم. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. والقول الثاني: يتيمم ولا يلزمه استخدام الماء؛ لأن الماء هنا غير كافٍ، فحكمه حكم غير الواجد. لا فرق بين من يجد الماء، وبين من لم يجد الماء، وبين من وجد ماء قليلاً لا يكفي لوضوئه أو لغسله. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وهو قول الشافعي في القديم. فجعلوا حكمه حكم غير الواجد. ومثلة اجتهادية، ودليل الكل الآية. صاحب القول الأول استدلوا: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. صاحب القول الثاني استدلوا: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. لكن اختلفوا في فهم الآية. فمن قال بأنه يجمع بين الماء القليل وبين التيمم، قال: الآن يصدق عليه أنه واجد للماء، إذن يستخدمه قدر استطاعته. فإذا لم يكمل وضوءه انتقل إلى التيمم؛ لأن الوضوء لا بد فيه من الإتمام. إذا ترك إذا ترك المتوضئ عضوًا من أعضاء الوضوء بطل وضوءه. صح. فإذن قالوا: يتمم بالوضوء، فيجمع بين غسل شيء من الأعضاء وبين الوضوء. وأصحاب القول الثاني قالوا بالآية نفسها، استدلوا بالآية نفسها: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فقالوا: الآن الذي معه قليل، حكمه حكم غير الواجد، حكمه حكم غير الواجد. وهذه المسألة نادرة. صح، نادرة، يعني: أن يكون معك ماء قليل لا يكفي. لكن قد تقع، ولذلك العلماء يذكرون هذه المسائل؛ لأنهم يريدون أن يبينوا الحكم الشرعي في مثل هذه المسائل. والراجح -والله أعلم- من هذين القولين، القولين: الجمع بين الوضوء وبين التيمم، بين الوضوء وبين التيمم. لماذا؟ لأن من جمع فإنه عامل بجميع الأدلة: استخدم الماء فلم يكفِ، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فانتقل إلى التيمم، فهو عامل بكلا الدليلين. أما من قال بأنه يتيمم ولا يستخدم الماء، فيخشى أنه واجد للماء، وإن كان قليلاً، وهو واجد للماء. فالأحوط -والله أعلم- أنه يجمع بين الأمرين. وهذا كما تقدم قول للشافعية والحنابلة، وذهب إليه ابن عثيمين وابن باز، واستدلوا بالآية. طيب، مسألة شبيهة بهذا، وهي أوضح منها: إذا وجد ماء يحتاجه للشرب، معه مثلاً في سفر، معه قربة ماء أو دبة من الماء، وهو يحتاج أن يشرب في الطريق، وجاء وقت الصلاة، ما يوجد الماء. وهذا الماء، هل يتوضأ؟ يقول: نتوكل على الله، لعلي أجد. أو نتوكل على الله، أو أنه يتيمم ويترك هذا الماء لشربه؟ هذه المسألة، الصحيح فيها أنه يتيمم، لعموم الأدلة بالنهي عن قتل النفس، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. يعني: لو استخدم هذا الماء في الوضوء، ثم احتاج للشرب فلم يجد، ربما يؤدي إلى وفاته. صح، ربما يؤدي إلى وفاته. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. فالصحيح في هذا أنه يتيمم ويترك هذا الماء لشربه. مسألة أخرى كذلك يذكرها العلماء، وهي: التيمم خوف خروج وقت الفريضة. يعني: الآن يبحث عن الماء، ما وجد، دخل وقت الفريضة، وهو مستمر في البحث، أو شارف الوقت أن يخرج، وقت الفريضة، ولم يجد الماء. فهل يتيمم ويصلي، أو يستمر ولو خرج الوقت في البحث عن الماء؟ هذه المسألة أيضًا من المسائل الشائكة، والمسائل التي الخلاف فيها قوي. فذهب جمهور أهل العلم أنه يبحث عن الماء ولو خرج الوقت، ويجب عليه الوضوء. طبعًا هذه المسألة إذا كان متيقنًا أنه سيصل إلى الماء بعد خروج الوقت. مثلاً: بقي من الوقت نصف ساعة، وبينه وبين الماء ساعة. هو متأكد أنه بعد ساعة سيصل إلى الماء، ليس بالظن. أما إذا كان بالظن، فهذا قول واحد أنه يتيمم، إذا ما... يعني ما ينتظر ماء، ولا يعرف أن الماء يستطيع الوصول إليه، فهنا يتيمم. لكن لو كان الماء موجودًا لكنه بعيد عليه، وهذا يقع لأهل البوادي خصوصًا. في أهل البوادي يكون الماء مسافة منهم، ويذهبون في طلبه. فهم بين أمرين: إما أن يخرج عليهم الوقت ويصلون إلى الماء، وإما أن يتيمموا ويصلوا في الوقت. فجمهور أهل العلم يقولون: بأن يبحث عن الماء إلى أن يجده، ولو خرج الوقت. وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة، وقول للمالكية، وقول للمالكية. واستدلوا بعموم قول الله عز وجل: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وأن الصلاة تفوت إلى بدل. لو فاتت الصلاة يوجد هناك بدل، ما هو البدل؟ القضاء. القضاء. فقالوا: إذن يبحث ثم يقضي هذه الفريضة، لكنه بوضوء، لا بتيمم، لا بتيمم. والمسألة -والله أعلم- فيها تفصيل. فإذا كان مفرطًا، مفرطًا بمعنى أنه تكاسل وتهاون في الإسراع للبحث عن الماء، فهنا نقول له: تيمم؛ لأنك أنت الآن مفرط، أنت الآن مفرط. لكن إذا لم يكن مفرطًا، إذا لم يكن مفرطًا، اجتهد ولكن ما استطاع الوصول إلى الماء، فهنا يعمل بقول الجمهور، يعمل بقول الجمهور. مثله مثل الذي عليه جنابة ثم قام من نومه، وبقي وقت يسير من الفريضة، فلو اغتسل خرج وقت الصلاة. فهنا يقال له: اغتسل، اغتسل، ولو خرج الوقت، حتى تصلي بطهارة. وهكذا في مسألة الوضوء لمن يبحث عنه، ولو خرج الوقت. والله تعالى أعلم. لأنه في حكم الواجد للماء. وأما خرج الوقت، فيستطيع أن يقضي هذه الصلاة، يستطيع أن يقضي هذه الصلاة. هذا أيضًا المسألة التي يذكر العلماء. وما هو سؤالك بالأمس؟ الأخ أمس سأل سؤال، ما هو هذا السؤال؟ ها... إذا يعني علمت أن هناك إمكانية للعثور على الماء. مثلاً: أنت تعرف أن في هذه الجهة ماء، تبحث، فإذا يئست وأوشك الوقت أن يخرج، ولست متيقنًا أنه يوجد ماء، فهنا يجب عليك أن تتيمم، لكن في آخر الوقت. وهذا مستثنى من الصلاة في وقتها. فمثلاً: أذن العصر، ما عندك ماء، وأنت في سفر، في طريق. بحث عن الماء، ذهبت يمين، ذهبت شمال، ذهبت شرق، ذهبت غرب، ما وجدت ماء. طيب، وأوشك الوقت أن يخرج. فهنا تصلي، ولو في آخر الوقت. ولا يشمل صلاة في وقت الكراهة، أو في وقت صلاة المنافقين؛ لأنك ما فعلت هذا متعمدًا، ما فعلت هذا متعمدًا. واضح. ولكن مثلاً: لو دخل الوقت وما عندك ماء، مهم، مباشرة تتيمم. وهذه أيضًا مسألة يذكرها العلماء، وهي مسألة: الصلاة، أو التيمم، متى يكون؟ متى يكون التيمم؟ بل بعضها للعلم: منع أن يتيمم قبل دخول الوقت؛ أنه قد يجد الماء، قد يجد الماء. فيتيمم بعد دخول الوقت، ولو بعد دخول الوقت. إذا في ظنه أنه سيجد الماء، يبحث، لا يتعجل ويتيمم في أول الوقت، يؤخر شيئًا ما ويبحث. فإذا يأس ولم يجد، وخشي أن يخرج عليه الوقت، فهنا يتيمم ويصلي، يتيمم ويصلي. أما إذا هو متأكد أنه سيصل إلى الماء، كما في هذه المسألة، ولو خرج الوقت، فإنه يصل إلى الماء، يتوضأ ويصلي، ولو خرج الوقت، فيصليها قضاء، ويصليها قضاء. مثل حكم الجنب كما تقدم؛ لأنه غير مفرط. أما المفرط، فهذا له حكم آخر؛ لأنه فرط وغير مبالي. فهنا يتيمم، ولا يلزمه البحث عن، أو الوصول إلى الماء؛ لأن أصلاً حكمه حكم من تعمد عدم الوضوء، عدم الوضوء. والله تعالى أعلم. وذكروا أيضًا مسألة، وهي أيضًا مسائل نادرة، لكن يذكرها العلماء: لو خشي فوات الجمعة، خشي فوات الجمعة. مثلاً: جاء وقت الجمعة، وبينه وبين الماء ساعة، وبقي من الجمعة نصف ساعة. فهل يحضر الجمعة ويتيمم، أو أنه يفوت الجمعة ويذهب إلى الماء ويتوضأ؟ هذه قريبة من المسألة التي أخذناها، لكن الفرق أن الجمعة يبقى الوقت، وقت الظهر لا يزال موجودة، فهي أخف من المسألة التي بعدها. فلذلك ذهب جمهور العلماء أنه يذهب ويتوضأ، وإن فاتته الجمعة؛ لأنهم قالوا: صلاة الجمعة تفوت إلى بدل، ما هو بدل صلاة الجمعة؟ صلاة الظهر. صلاة الظهر. والفوات قالوا: والفوات إلى بدل، الفوات إلى بدل. كلا فوات، كأنها ما فاتت في الصلاة. واضحة، كأنها ما فاتت في الصلاة. فأيضًا المثلة قد يقع فيها بعض الناس. يقوم من النوم، بقي دقائق، إن اغتسل فاتته الجمعة. عليه مثلاً جنابة. أما إذا كان يعني عليه وضوء فقط، يتوضأ سريعًا ويدرك. لكن الغسل، كانت جنابة. فهنا يغتسل للجنابة، وإن فاتته الجمعة، وإن فاتته الجمعة. هذا أيضًا من المسائل التي يفرع لها الفقهاء، يفرع لها الفقهاء. طيب، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ومن عليه حدث أصغر لم يحل له أن يصلي، ولا أن يطوف بالبيت، ولا أن يمس المصحف». هذا: من عليه حدث أصغر، يعني: يحتاج وضوءًا، كأن يكون قام من نوم، أو أحدث ببول أو غائط أو ريح، أو نحو ذلك. قال: أنه لا يحل، يعني: يحرم عليه أن يصلي. ودليل ذلك حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». لا يقبل، عنها الصلاة غير صحيحة، فلا يحل. ومن صلى متعمدًا بغير وضوء، فقد وقع في أمر عظيم وجرم كبير. وأما من صلى ناسيًا غير وضوء، فهنا يجب عليه الإعادة إذا ذكر. يجب عليه الإعادة إذا ذكر. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». ونسيان الصلاة يشمل نسيان شرطها ونسيان أصلها. هكذا ذكر الجمهور. يعني: لو نسيت الغسل من الجنابة، أو نسيت الوضوء، ها وصليت، ثم ذكرت أنك بغير وضوء، فهنا يجب عليك أن تذهب تتوضأ أو تغتسل لذلك جنابة، وتعيد الصلاة. لهذا الحديث، واضح. وأما قوله: «ولا يطوف، ولا أن يطوف بالبيت»، هذه المسألة من المسائل الخلافية التي الخلاف فيها قوي بين العلماء، بين العلماء. فذهب جمهور العلماء إلى شرطية الوضوء في الطواف بالبيت، وأن الطواف بالبيت لا يصح إلا مع الوضوء والطهارة. واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا الحديث في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة توضأ ثم طاف. وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». «خذوا عني مناسككم». ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت من غير طهارة. هذا دليلهم. ومن أدلتهم أيضًا: أثر رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام». فقوله: صلاة، يعني: يشترط له ما يشترط بالصلاة، ومنها الطهارة، ومنها الطهارة. هذا هو مذهب جمهور أهل العلم، وهو الصحيح، وهو الأقرب للصواب لهذه الأدلة. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، بل وذهب إلى ذلك الشيخ ابن عثيمين من المعاصرين، أنه لا تشترط الطهارة الصغرى في الصلاة... الطهارة الصغرى، الكلام عن الطهارة الصغرى. يعني: من الحدث الأصغر. أنت تطوف، وخرج شيء مثلاً من بطن، كريح. تذهب وتتوضأ. الجمهور يلزمونك، يقول لك: لا بد تخرج تتوضأ؛ لأن الطواف من شرطه الوضوء، الطهارة من الحدث الأصغر. وكذلك الحدث الأكبر يختلف؛ لأن فيه إجماع. لكن الكلام هنا على الحدث الأصغر والطواف. تمام. أما في الحدث الأكبر: لك جنابة، أو الحائض، أو النفساء. هذا جاءت الأحاديث بمنع طواف المرأة الحائض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما علم أن صفية قد حاضت، قال: «أحابستنا هي؟» يعني: يمكن أن تطوف، تتأخر إلى أن تطهر، ثم تطوف. والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما أتتها الحيضة: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت». هذه أدلة صريحة فيها. طيب، فالعلماء يفصلون. لكن جمهور أهل العلم على التعميم، جمهور أهل العلم على التعميم: أن الطهارة، سواء كانت من الحدث الأصغر أو من الحدث الأكبر، شرط في صحة الطواف. وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن عثيمين يقولون: خصوصًا في العصر الحاضر، خصوصًا ابن عثيمين يقول: الآن مشقة على الناس إذا ألزمناهم بالطهارة. تعرف الآن الزحام الموجود في الحرم، ها، والمشقة الحاصلة عند الخروج، ربما ما تدخل إلا مشقة الأنفس إلى الطواف. الشيخ ابن عثيمين يقول: وهذا القول أيسر للناس في هذا الزمان، أنه ما تشترط... من أحياناً الإنسان قد يخرج منه شيء، قد يخرج منه شيء ريح أثناء الطواف. طيب، فهنا أخص بعضها. لكن الصواب -الله أعلم- أنه يذهب ويتوضأ. وبالنسبة... وبالنسبة للريح، يستطيع أن يتوضأ بالقرب من الطواف. هناك فيه مثلاً بعض الأماكن فيها برميل القمامة، يأخذ كاسات من الماء، ويتوضأ في برميل القمامة. يفعل ناس كثير مثل هذا. بل في المسجد، بعضهم ينام في المسجد، ويشق عليه الخروج، يذهب، يأتي بماء، ويذهب في برميل القمامة، أو في أماكن تأتي لشرب فيها حنفيات، ويتوضأ للطواف، ليدفع المشقة، فلا بأس بهذا. فالله أعلم، الأقرب قول الجمهور، لعموم الأدلة، ولفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأثر ابن عباس، وأثر ابن عباس. وأما قوله: «ولا يمس المصحف»، هذه المسألة أيضًا من المسائل الخلافية التي اختلف فيها العلماء على قولين قويين. القول الأول: وهو ما ذهب إليه المؤلف، أن من حدثه أصغر لا يمس المصحف. يعني: أنت من غير وضوء لا تمس القرآن من غير حائل. أما بحائل، فقد رخص فيه جماعة من أهل العلم. لكن الكلام هنا بغير حائل. وهو مذهب الأئمة الأربعة، ومذهب علماء نجد جميعًا: الشيخ ابن باز، الشيخ ابن عثيمين، أئمة الدعوة النجدية، كلهم يذهبون إلى هذا القول. ويستدلون بقول الله عز وجل: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، في سياق ذكر القرآن، في سياق ذكر القرآن، في سورة الواقعة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. وكذلك يستدلون بحديث عمر بن حزم، لما كتب له النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا، وفي هذا الكتاب: «لا يمس القرآن إلا طاهر». «لا يمس القرآن إلا طاهر». قالوا: وهذا فيه... فهذا المعنى. والحديث وإن جاء مرسل، لكنه كتاب، وقد اشتهر عند الأئمة، ورواه غير واحد من أهل الحديث، فقبله العلماء وأخذوا به. وذهب ذوو الظاهر، وبعض المالكية، ومن المعاصرين بعض الأئمة، كالشيخ مقبل رحمه الله تعالى، إلى جواز مس المصحف للمحدث. بل الشيخ مقبل سيأتي معنا، يرى: سواء كان للحدث الأكبر أو للحدث الأصغر. واستدلوا بالبراءة الأصلية، وأن الأصل الجواز، إلا إذا أتى ما يمنع ذلك، ولم يأت عندهم دليل صريح في تحريم ذلك. أما الآية، فقد فسرها الإمام مالك بالملائكة، أنهم المطهرون. ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، يقول الإمام مالك: يعني الملائكة. والمراد به القرآن في اللوح المحفوظ، في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾، أي: في اللوح المحفوظ. ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، أي: لا يمسه إلا الملائكة. لكن الجمهور يقولون: وإن كانت هذه الآية في الملائكة، فهو وصف، بمعنى: أنه لطهارتهم مسوا هذا القرآن، فكذلك غيرهم من المتطهرين من بني آدم، لا يحل لهم أن يمسوا هذا القرآن إلا إذا كانوا على طهارة. يعني: لهم تأويل في ذلك، لهم تأويل في ذلك. وأما حديث عمر بن حزم، فإن سمعنا من شيخنا الوادعي رحمه الله يقول: إن المراد: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، يعني: إلا مؤمن. لأن الكتاب أرسل لعمر بن حزم في ذهابه عند الكفار، عند الكفار. فمعنى: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، يعني: إلا مؤمن. وهذا الحديث في معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر بالقرآن في أرض العدو. يعني: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ القرآن إلى أرض العدو. لماذا؟ لأنه سيهان عند الكفار، سيهان عند الكفار. لكن الله أعلم، أن ما استدل به الجمهور هو الأقرب، هو الأقرب. فقوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، هذا وصف، وإن كان في الملائكة، فهو كذلك في من يهتدي به من بني الإنسان. فينبغي أن يعظموه، ومن تعظيمهم للقرآن أن يمسوا هذا القرآن وهم على طهارة، وهم على طهارة. وهو الأحوط، وهو الأحوط، خروجًا من خلاف أهل العلم، خروجًا من خلاف أهل العلم. ولا سيما قد قال به أئمة أجلاء، بل الأئمة الأربعة، الأئمة الأربعة. والله تعالى أعلم. ومن رأى غير ذلك، فله... المسألة من المسائل الاجتهادية القوية بين أهل العلم، بين أهل العلم. تصور: علماء الدعوة النجدية كلهم يرون هذا القول، كلهم يرون هذا القول. والله تعالى أعلم. قال: «ويزيد من عليه حدث أكبر أنه لا يقرأ شيئًا من القرآن». والمراد: لا يقرأ شيئًا من القرآن عن ظهر قلب، يعني: من غير القراءة في المصحف. أما من حدثه حدث أصغر، فله أن يقرأ عن ظهر قلب، يعني: غيب، كما يقال: قراءة غيب، بدون أن يمسك المصحف. وقوله: «أنه لا يقرأ شيئًا من القرآن، لا يقرأ شيئًا من القرآن»، هذا مذهب جمهور أهل العلم من الشافعية والحنابلة، وكذلك الحنفية. وذهب المالكية: أنه يجوز للحائض والنفساء قراءة القرآن. أما الجنب، فلا يفصلون بين الحائض والنفساء وبين الجنب. لماذا؟ ما هو تعليلهم؟ قالوا: لأن الجنب يملك رفع الحدث. أنت جنب الآن، تريد تقرأ القرآن، تستطيع تدخل الحمام تغتسل وتأتي وتقرأ؛ لأن الغسل بيدك. لكن الحائض والنفساء، الغسل ليس بيدها. فكيف تحرم مثلاً امرأة يأتيها الحيض عشرة أيام، تجلس بدون أن تقرأ عشرة أيام؟ هذا عند المالكية. طيب، فلها أن تقرأ عن ظهر قلب، لها أن تقرأ عن ظهر قلب. وذهب بعض أهل العلم إلى الجواز، ولو كان محدثًا. ولا يوجد دليل كمس المصحف، لا يوجد دليل كمس المصحف، أنه لا يقرأ شيئًا؛ لأنه لا يمس قرآنًا، إنما يمرر القرآن على قلبه، ويقرأ بلسانه، ويقرأ بلسانه. فالأقرب -والله أعلم- في مسألة القراءة: الأمر فيها واسع، بدون مصحف، الأمر فيها واسع. طيب، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «افعلي ما يفعله الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت». والحاج يقرأ القرآن ويذكر الله. صح. والله أعلم. مسألة قراءة القرآن للحائض والنفساء خصوصًا، فلا بأس به للحاجة، وكذلك التعليم. التعليم: تريد تتعلم، لا بأس. وكذلك حتى مس المصحف، إذا كان بحائل للحائض والنفساء والجنب، فقد رخص العلماء في ذلك. ومنهم العلامة ابن باز رحمه الله، يفتي: إذا كان فيها قفازان، أو تحت خرقة، أو تحت ساتر، أو شيء، فلا بأس؛ لأنه لا يصدق عليها أنها مست القرآن، أنها مست القرآن. والله تعالى أعلم. لكن على القول أنها لا يقرأ شيئًا من القرآن، يقولون أيضًا: لا تقرأ، ولو كان من وراء حائل. لكن على من قال أنها يمكن أن تقرأ القرآن دون مس، فيصدق عليها أن تمسك القرآن بحائل. والله تعالى أعلم. طيب، اليوم إن شاء الله نكتفي، لأننا كثرنا عليكم في المسائل الخلافية. فمسألة: لبت المحدث حدث أكبر في المسجد بلا وضوء، نأتي إليه إن شاء الله، لأن فيه مسألة دخول الحائض إلى المسجد، وهذا فيه مسألة خلافية. إن شاء الله في الأسبوع القادم نحررها بإذن الله، مع بقية المسائل. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.