الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 119، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أسباب فتح مكة نتيجة لنقض قريش للعهد المبرم في صلح الحديبية عندما ساعدت بكر على خزاعة. كان الفتح في رمضان السنة الثامنة للهجرة.
جهز النبي جيشا قوامه عشرة آلاف مقاتل لفتح مكة بسرية تامة لمنع قريش من الاستعداد، واستخدم أسلوب المباغة لإدخال مكة بأقل الخسائر.
دخل النبي مكة بجيش كبير مؤلف من عشرة آلاف مقاتل، وقسمهم إلى كتائب، وأمرهم بعدم القتال إلا إذا لقيهم المشركون، ثم أعطى الأمان لأهل مكة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وأهديت مارية القبطية فيه، وفي الثامنة السرية لمؤتة سارت، وفي الصيام قد كان فتح البلد الحرام. أشرنا إلى ما أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى من حوادث السنة الثامنة، ما كان من سرية وغزوة مؤتة، ثم أشار رحمه الله تعالى إلى هذا الحدث بقوله: وفي الصيام قد كان فتح البلد الحرام. وهذا من الناظم رحمه الله تعالى إشارة إلى هذا الحدث العظيم، وهي من أعظم حوادث سيرته عليه الصلاة والسلام، بل قل هي من أعظم حوادث الإسلام، وهو ما كان من فتح بيت الله الحرام، فتح مكة، وهو الفتح المعظم، والذي غير مجريات الإسلام كثيرا في أرض الجزيرة، ومن ثم انطلقت إلى باقي المعمورة. يقول علامة الملقيم رحمه الله تعالى، واصفا هذا الفتح، وهو فتح مكة: "قال الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين". وهذا الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وقد دخل الناس في دين الله أفواجا، إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى، إطنابا في هذا الفتح الأعظم. فقال الناظم رحمه الله تعالى: وفي الصيام قد كان فتح البلد الحرام، أي في رمضان، في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، فتحت مكة. وهذه المسألة التي أشار إليها الناظم رحمه الله تعالى، ومن أوائل هذه المعطيات التي بها نفهم خلفية فتح مكة، ما هو السبب الذي لأجله وقعت هذه الغزوة، وبه تم هذا الفتح. يعود السبب، إخواني في الله، أولا أن نستذكر ما وقع في صلح الحديبية من الاتفاق والعقد الذي أبرم بين أهل الإسلام وبين معسكر الكفران، ومن ضمن بنود الصلح، فتح باب التعاهدات والتحالفات، من شاء من القبائل العربية أن تدخل في حلف الإسلام دخلت، ومن شاء أن يدخل في حلف الكفار وقريش يدخل. وكان من ضمن هذه التحالفات أن كل قبيلة حكمها من حكم الدولة التي تحالفت معها. من هنا وقعت الخيرة عند بعض القبائل، فقبيلة خزاعة مثلا قالت: نحن نريد أن نكون تحت مضلة الإسلام، فتحالفوا، فأصبحوا حلفاء لأهل المدينة، بينما قبيلة بكر قالوا: نحن نريد أن نكون تحت راية قريش، فأصبح حلفاء لأهل مكة. تأتي القصة الآن إلى هاتين القبيلتين، بكر وخزاعة، أشرنا إليهما لأن هنا الشرارة التي بها وقعت الغزوة. بكر وخزاعة قبائل قديمة عريقة في الجزيرة العربية، كانت بينهم ثارات، هذا يقتل هذا، وهذا يستولي على هذا. من آخر ما ذكر من هذه الثارات أن خزاعة استطاعت يوما ما أن تظفر ببكر، بأن تقتل منهم الأعيان والأشراف في أحد المعارك، ثم بعد ذلك لما جاء الإسلام وانتشر الإسلام، وضع حدا لهذه الدماء، وحجز وحجر بين بكر وبين خزاعة، وأن لا هناك قتال بعد هذا، انتهت القتال، وخزاعة أصبحت من أهل الإسلام، وتركت هذه الثارات، ونسيت العداوات. في يوم من الأيام، كانت جماعة من قبيلة خزاعة تجمعت إلى ماء يسمى هذا الماء بماء الوتير، وكان هذا الماء محله أسفل مكة، تجمع العرب دائما ينزحون يذهبون إلى مجامع المياه والقطر والعيون. فتجمعت خزاعة في هذا المكان إلى أن دخل عليهم الليل، وهم في خير وحال، وفي مأمن وأمان، وهم على هذه المعاقدات والمعاهدات، وقد وضعت الحرب أوزارها في ظل صلح الحديبية. لكن كان من أمر بكر أمر آخر، من أمر بني بكر أنهم لا زالوا في قلوبهم تلكم المواجع، ولا زالت تلكم الدماء التي سفكت من كبارهم لا زالت في صدورهم، وأرادوا أن يشفوا ما في قلوبهم من الغل. فكانوا يراقبون تحركات خزاعة حتى ضفروا بهذه الليلة، عندما هدأت خزاعة عند هذا الماء قريبا من مكة، في أسفل مكة، هجمت بنو بكر على خزاعة في حين أن خزاعة ما استعدت بهذا، ما استعدت أبدا، لا بعتاد ولا بعد ولا بفرسان. فأصبحت الصورة عليهم قتل منهم من قتل، ليس هذا فحسب، بل استطاع من نجى منهم أن يحتمي ويهرب من محل المعركة إلى داخل مكة، مكة هي الملجأ، ودخلوا إلى حدود مكة، لأن مكة معلومة ومعروفة عند القاصي والداني أنها المكان الذي تصان به الدماء وتصان فيه الأرواح، لا يسفك فيه دم، مكان معظم عند الكل في أيام الجاهلية، فضلا عن أيام الإسلام. فلما دخلت خزاعة إلى حدود الحرم، ظنوا أنفسهم أنهم في مأمن، بل حتى قبيلة بني بكر لما روا أن من بقي من خزاعة دخل إلى الحرم، قاموا ويذكروا زعيمهم وهو نوفل الديلي، قالوا له مذكرين الزعيم: إلهك إلهك، يعني خلاص وصلنا إلى هذا الحج، ما نستطيع أننا نمضي، لماذا؟ لأن هذا هو حدود الإله، وهو أن الله أمر بوضع الدماء وعدم الطعن والقتل داخل الحرم. فقالوا بني بكر لزعيمهم نوفل: إلهك إلهك، إلا أن هذا الشقي أتى بكلمة عظيمة، قال: لا إله له اليوم، أنتم تريدون أن تذكروني بإلهي؟ لا، لا إله لي اليوم، ما عندي إله اليوم. فقال: يا بني بكر أصيبوا ثأركم، ليش من إله؟ ادخلوا، فأثار حمية قومه، فدخلوا إلى داخل مكة، واستمر القتل في بني خزاعة. كان ينبغي على قريش، وهم في هذا الموقف العظيم الرهيب أن تسفك الدماء داخل حرم الله، أن تقوم أقل ما يقابل بالاستنكار، وأن يقوموا بالردع. فماذا فعلوا؟ التغافل، لما علموا أن الكرة على هؤلاء من حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم، تركوا الأمر لبكر يفعلوا ما شاءوا بخزاعة. ليس هذا بل إن الأمر أدهى وأمر، حين جاءت الأخبار أن قريشا أعطت السلاح وأعطت القوى لبكر لكي تستكمل استئصال من بقي من خزاعة. بل جاءت الأخبار عن وجود من شارك، ليس الأمر فقط أنهم تغافلوا عن هذه المقتلة، بل شاركوا بسلاحهم، أعطوا السلاح لبكر، خذوا، بل وشاركوا ببعض أشخاصهم، ذكروا فلانا وفلانا شارك في القتال ضد خزاعة. قريش علمت أنه بهذا الفعل قد نقضت العهد، لكن سوى لهم الشيطان هذه الفعلة بقولهم: نحن في ليل، ومحمد لا يعلم بنا، ما أحد يعلم، خلاص، هؤلاء من خزاعة، شهود عيان يقتلون، ونحن بني بكر، سوى كل يستر على الآخر، جنح إلى موضوع ما أحد يعلم بهم. ولن يكشف أمرهم إلا أن الله أراد أن يظهر هذا الأمر، فاستطاع أحد من بني خزاعة أن ينجو من هذه المقتلة، وأن يلحق إلى المدينة، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما صار في هذا اليوم، حينها علم رسول الله أن قريشا قد نقضت العهد، وأنه لا صلح، وأن ما بين وبين قريش قد انتقض بهذه الفعلة. هذا، إخوانا في الله، كان هو السبب الذي به لأجله غزى نبينا صلى الله عليه وسلم قريشا، لما كان من نقضها للعهد بهذه الفعلة القبيحة، أن ساندت بني بكر على قتل خزاعة، وهم من الحلفاء. المسألة الأولى التي ينبغي أن تفهم، المسألة الثانية التي ينبغي أن تعلم: كيف كانت مجريات التحضير؟ نبينا صلى الله عليه وسلم جهز جيشا كبيرا عظيما، قوامه عشرة آلاف مقاتل، عشرة آلاف مقاتل، استنهضهم نبينا لكي يمشوا معه في فتح مكة. لكن هذا التحضير، وهذا التجهيز، أراد منه نبينا أن يكون في سرية تامة، في سرية تامة، لا أحد يعلم به. لماذا السرية هنا؟ نبينا صلى الله عليه وسلم يحاول أنه يدخل مكة بأقل الخسائر، بأقل الخسائر، فيستخدم أسلوب المباغة، يفاجئهم بأنه قد حضر على أعتاب بلادهم، فما يستطيعون أن يأتوا بمدد من هنا أو مدد من هنا، أو يستعدوا بتجهيز الجيوش، لأنه سيفاجئهم نبينا بالدخول مباشرة. فأراد نبينا بهذه الفعلة، بالسرية، أنهم يعلنوا راية الاستسلام، وكفى الله المؤمنين القتال، هذا الذي ابتغاه نبينا من السرية، أنه يصل إلى أقل الخسائر، ما يريد الذي كان أن يعلن الحرب فيستعدهم، وهو قد استعد، فتكون ملاحم وقتال، ودماء تسفك في حرم الله، وما أراد نبينا أن يحصل هذا. هذا الذي تجهيزات الجيش، طبعا هذه الأمور كانت مبيتة. قريش في اليوم الآخر من صباح المجزرة، لا زالت التوجسات: هل الأمر سار على ما نريد؟ ما أحد يدري، ما وصل خبر إلى المدينة، فأرسلوا أحد زعمائهم، وهو أبو السفيان: اذهب وتحقق، ذهب أبو السفيان في قصة طويلة، ووصل إلى المدينة، وأحاول يتحسس، يسأل: هل في شيء؟ هل صار شيء؟ هل سمعتم بشيء؟ هل جاءكم أحد وفد من هنا من هنا؟ هل أحد من خزاعة حاول يلتمس؟ فما شعر، لكن علم أن في الأمر شيء، شعر أن في الأمر شيء. دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ يذكر شيء من الحادثة، وأنه قد صار شيء، وها قد يصل، كشيء من أخبارها، ونحن نأسف في دصار، خروقات من بعض أصحابنا، ونحن لا نتحمل هذه التبعات، ونحن على العهد يا محمد، ونريد أن نجدد الهدنة، بل تمد. فإذا بنبينا صلى الله عليه وسلم لاقى هذا العرض بالصمت والسكوت، ما عندي شيء. فخرج أبو سفيان، وعلم أن في الأمر شيء، ثم ذهب إلى أبي بكر، دخل إلى عمر، يحاول مع هؤلاء أنهم حاملوا، إذا كان هناك شيء، حاول لكونوا عقلا حكما. فكلهم سكتوا كما سكت نبينا، بل عمر قال: لو أني عندي فرصة لقتلتكم، لو أنا عندي لقتلتكم، زمان ليس الآن. ذهب أبو سفيان، وهم متوجز كفار قريش، علموا أن الأمر أصبح يصعد على السطح، لكن ما توقعوا مسألة غزو، مسألة غزو جيش على مكة، هذا سبعدوا، لما يعلم من حرمة الله، حرمة مكة، وأن نبينا من أعظم الناس صيانة للحرومات. فدخلوا في أشياء كثيرة: أنه ليس يفعلها ضدهم، لكن الغزو استبعدوا. قلنا أن النبي عزم على الغزو، لكن بسرية، بل جاء في الأحاديث أن النبي سأل الله عز وجل أن الله يعمي عنه عنهم أخباره، سأل الله هذا من الدعاء: أن ما يعرفون شيء عن فعلي، يكون هذا الفعل بكامل السرية، تجهيز مباغة. مما يذكر في هذا المقام، مقام به بعض الصحابة، وهو الصحابة الجليل حاطب بن أبي بلتعا رضي الله تعالى عنه، كتب كتابا فيه التحذير لقريش، وبيان لمقصد رسول الله إلى غزوهم، وأرسل هذا الكتاب سرا، إلا أن الله عز وجل أوحى لرسوله بهذا الكتاب المرسل. فأرسل النبي من أرسل من أصحابه، علي بن أبي طالب مع غيره، في أنهم يرصدوا الكتاب، حتى قالوا للمرأة: إما الكتاب أو الثياب، فأخرجوا الكتاب من عند المرأة التي كادت أن تذهبه إلى أهل مكة، فجئ بالكتاب إلى رسول الله، فقرأه، وعلم بعظيم هذا الخطاب. فاستدعى حاطب بن أبي بلتعا: لما فعلت هذا؟ ما الذي دعاك؟ ما الذي ألجأك؟ فأخبر حاطب أن مبتغاه إنما كان أمر دنيوي، لا ديني، دنيوي، وما فعل ذلك كراهة في الإسلام أو طعنا في الإسلام، حاشا وكلا. فنبي قال: قد صدقكم حاطب، نعم، دعواه صحيحة، ليس في قلبه شيء على الإسلام والمسلمين. مع أن عمر أراد: قادعني يا رسول، أضرب عنقه، إلا أن النبي منع من ذلك، واعتذر لحاطب: أنه من أهل بدر، قال: يا عمر، ما يدريك؟ لعل الله طلع على أهل بدر، وقال: اعملوا ما شئتم، إني قد غفرت لكم. فالحاصل أن نبي حاول أن يتكتم بالأخبار قدر الإمكان، وهذا الذي صار. تحرك نبينا صلى الله عليه وسلم متى؟ كان هذا في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، تحديدا في اليوم العاشر من رمضان، خرج نبينا ومن معه، وكان صائما، صائما، وقد صام من معه. وكانت تلكم الأيام في جو حار، حتى أن النبي أحيانا كان يضع الماء على رأسه، ويغسل به وجهه، حتى وصل إلى منتصف الطريق، أفطر عليه الصلاة والسلام، وأفطر من معه، أمر النبي بالفطر، استعدادا للغزوة، وقال العلماء: وقد استمر نبينا على هذا الشهر بأسره مفطرا، استكمالا لفطر، فما صام عليه الصلاة والسلام في هذا العام. هذا الذي صار من رسول الله عليه الصلاة والسلام، توجه نبينا حتى وصل إلى قريبا من مكة، ولا زال أهل مكة في غفلة، وصل نبينا ليلا إلى قريب من مكة، بعيدا عنها نوعا ما، وتعسكر هنالك، وأشعلت النيران. تخيل عشرة آلاف، وكل جماعة تجلس عند نار، نار، نار، كم عدد النيران الذي ستتفرق على مجموعات بهذا العدد؟ فهي نيران لا تعد ولا تحصى، هذه النيران وصلت أخبارها إلى داخل مكة: ايش عندكم يا أهل مكة؟ هناك نيران بالقرب منكم. خرج جماعة من أعيان قريش، منهم أبو سفيان، يتحقق من أمر هذه النار، من؟ قيل أنه احتمال خزاعة، خزاعة أرادوا أن يأخذوا بالثار، قالوا: خزاعة أقل وأذل، هذه ما هي نار خزاعة، ايش من خزاعة تفعل هذه النيران؟ هذا عدد مهول. فقام أبو سفيان، وأخذ يدن ويدن في قصة طويلة، وكان من لطف الله وتقدير الله بأبي سفيان أن لقي بالعباس، بالعبد المطلب، توافقات، التقي. وكان لهم منزلة، طبعا العباس مسلم، وأبو سفيان لا زال على شركه. فأبو سفيان قال: إيش هذا؟ ما هذا؟ فقال: أما تعلم؟ هذا رسول الله بعشرة آلاف، سيدخل مكة، علم أبو سفيان أن قد انتهى الأمر، قال: وما الحيلة؟ قال: تريد الحيلة؟ اركب معي، وادخلك على رسول الله، يعطيك الأمان، انقذ نفسك الآن، وأنت في القائمة. فأخذه وادخله في قصة طويلة، وانجرت طويلة جدا في أمر فتح مكة، ثم أدخل أبو سفيان على رسول الله، وأسلم، أسلم أبو سفيان عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، وطلب نبينا من أصحابه أن أبا سفيان لا يغادر معسكر المسلمين حتى ينظر إلى الجيش. ولماذا؟ لأن أبو سفيان سيرسل الآن إلى مكة، يرسل، وسيرسل بماذا؟ بما رأاه، وما الذي رأاه؟ أمر نبينا أن أبا سفيان يقف في مكان مثل المضيق، ويدخل الجيش، ويمشى الجيش أمام ناظريه، وكانت أعداد عظيمة عجيبة، بعددها وعدتها، شيء ما كان يتخيل أبو سفيان أن ينظر إلى هذه الأنظار، إلى هذه المشاهد، والقوة والحزم. حتى قال تلكم المقالة: أن قال للعباس الذي بجنبه: لقد بلغ ملك ابن أخيك مبلغا عظيما يا عباس. فقال عباس حينها: إنها النبوة، إنها النبوة. فقال أبو سفيان: نعم، صحيح، هذه النبوة، انظر كيف نبينا كان خرج من مكة، تذكر في قصة خروج مكة، خرج من مكة مع الصديق فقط، والآن رجع خلال سنوات قلائل بجيوش جرارة. من أين ناجه؟ وحي الله، تأيد الله عز وجل، وهكذا النبوة، وهكذا من كان على مشارف السنة، ومن كان متبعا لهذا المنهاج النبوي، فالله سينصر، ولو بعد حين، يصاب ذلة، يصاب قلة، يصاب هوان في بداية أمره، لكن مع صدق الاعتماد على الله، يأتي الله عز وجل بنصره وظفره لمن شاء من عباده. فرأى أبو سفيان ما رأى، ثم دخل إلى مكة، وأخبرهم: أصبح نبينا على مشارف مكة، وأخبرهم بأن رسول الله قد قدم إليكم معه جيوش جرارة، ولا قوى لكم عليها. ندخل الآن إلى قضية ثانية: دخل نبينا إلى مكة، قسم نبينا الجيش إلى أقسام، إلى كتائب، كتيبة جعلها مع الزبير، وهؤلاء دخلهم إلى جهة الحجون، وكتيبة جعلها مع خالد بن الوليد، وهؤلاء دخلهم بما يسمى الآن إلى كدي، جهة كدي، وهكذا قسم الجيش كتائب، وأدخلهم مداخل، مداخل حاصروا مكة، ودخلوا. طبعا لم يأمر نبينا بقتال، لأن كما قلنا القصد من المباغة حصد أقل الخسائر، لكن مع ذلك ثبت في صحيح مسلم أن النبي استدعى أبا هريرة، قال: يا أبا هريرة، ادعو لي الأنصار، ادعو لي الأنصار، فدعا بالأنصار جميعا، فجاءوا يهرولون إلى رسول الله. فقالهم نبينا صلى الله عليه وسلم: إنكم ستلقون أناسا من أوباش قريش، من أوباش قريش، هؤلاء ضعاف العقول، لأن من سيفعل هذا؟ من سيهاجم جيش بهذا؟ ومن الذي عسى أن يفعل؟ قتل خمسة أو ستة، وأمام جيش سيدخل بلده، هؤلاء أوباش، ما يفكرون. قال: ستجدون قوما من أوباش قريش، فإذا لقيتموهم فاحصدوهم، لا تجعلوا هؤلاء، اقتلوهم. فاستعد الأنصار، وأخذوا بوصية رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجد نعم، قام بعضهم، كان صفوان لما كان على كفره، وهكذا بعضهم، سهيل كان على كفره، جهز بعض الكتائب الصغيرة، أراد أن يصد جيش المسلمين مع دخوله، فوقعت بعض المناوشات قليلة. ومن ذلك أن هؤلاء الذين وصاهم نبينا: أن من لقيتموهم أي بالقتال اقتلوهم، قتلوا ما يقال 24 كافرا، فبدأ سفك الدماء في مكة، حينها أتى أبو سفيان إلى رسول الله، قال: يا رسول، هلكت قريش، إذا ستعطي الأوامر على هذا، بأن من سيقتل سيفتح الباب بالدماء، وستهذهب قريش بهذه الأفعالات. حينها قال عليه الصلاة والسلام، إعلانا، وأعطى الأمان لأهل مكة في الممتلكات وفي الأرواح، قال: من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل وأغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، هل بعد هذا الأمن من أمان؟ ما هناك آمن بعد هذا. أعطى نبي الصلاحية التامة لأهل مكة، وهذا قمة في العفو والصفح مع من؟ مع أعدائه، أمن الجميع، أمن الجميع، ما عدا جماعات، أفراد، أعيان، خصهم بالذكر، هؤلاء يقتلون، ولابد منهم من قتل، ومنهم من هرب، وأسلم بعد ذلك. دخل نبينا صلى الله بعد هذا الأمن، التزم الناس بيوتهم، فما خرج أحد إلا من سفيه نفسه، وما استطاع أحد، ومنهم من خرج ورجع، رجع إلى بيته، ما استطاع، وضع سلاحه، فبقيوا في أمان. وصل نبينا إلى قعر مكة، حتى وصل إلى بيت الله الحرام، إلى الكعبة، ووجد الأصنام حولها، ثلاثمائة صنم، ونحوا من ذلك، فأتى بعود، وأخذ يضرب بعوده على الأصنام، ويسقطها، صنما، وأصبح تقع على وجوهها، صنما صنما، وهو يقول: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. ثم أراد أن يدخل إلى داخل الكعبة، في بطنها، فوجد فيها الصور، صور إبراهيم وإسماعيل، وأمر أن تمسح هذه الصور المعبرة عن الجاهلية، فمحيت، ثم دخل نبينا، وبقي نهارا، كما قال العلماء، بقي نهارا داخل جوف الكعبة. وفي خلال جلوسه صلى صلى عليه الصلاة والسلام، قيل أنه صلى ركعتين، وقيل غير ذلك، صلى، وجعل باب الكعبة خلف ظهره، خلف باب الكعبة، خلف ظهره، صلى ركعتين، وجلس، ثم خرج، وغطاف بالبيت، وأمر بلال أن يؤذن الظهر على سطح مكة. هنا جاءت الرواية الشهيرة التي فيها أن نبي لما جمع الناس، فتجمع الناس، أهل مكة خرجوا من بيوتهم، ومن ساحاتهم، وتجمعت الأمة العظيمة، كلهم ينظرون إلى هذا اليوم، يوم الفتح الأكبر، قد خرج عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم. نعم، تأتي الرواية التي مشهورة في كتب السيرة والسنة: أن النبي قال: «ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء». نعم، هذه الرواية مشهورة، لكن اختلف العلماء بصحة هذه اللفظة، على خلاب بين أهل علم من أهل علم، أضعفها بهذه الصورة، وأن فيها إعضالا، وفيها إرسالا. وأكثر العلماء على تستحسينها، لأن لها شواهد، مع اتفاق الكل على أن هؤلاء سموا بالطلقاء، سموا بالطلقاء، هذا بالإجماع. فجاء في البخاري، وفي مسلم، من حديث أنس: سيأتي معنا أن يوم حنين، خرج نبينا بعشرة آلاف، ومعه الطلقاء، الطلقاء، كما قال حافظ بن حجر: هو الذي أطلقهم نبينا، أطلقهم، وأطلق سراحهم من أهل مكة. فكون نبي أطلق سراحهم، هذا بالإجماع ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا، إخواني في الله، ما يذكر اختصارا لهذه الغزوة. وبعد ذلك جلس نبينا في مكة، يمهد ويجهز أوضاع في مكة، في من حيث الولاية، ومن حيث وضع الأنظمة التي تسير عليها البلاد، إلى غير ذلك. ومما تجده يا عبد الله في المطولات، هذا ما أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى بقوله: وفي الصيام قد كان فتح، قد كان فتح البلد الحرام، أي في رمضان، وذلك في السنة الثامنة من الهجرة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.