شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 43

شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 43

الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب

تقرر هذه القاعدة الأصولية أن الأحكام الشرعية العامة تُعمل بعموم ألفاظها ولا تُخصص بأسباب نزولها الخاصة، لأن الشريعة عامة لكل زمان ومكان ما لم يرد نص يخصصها. ويستثنى من ذلك الحالة التي يكون فيها السبب متصفاً بوصف يفيد علة، فيُقيد العموم بحدود ذلك الوصف كما ورد في حديث النهي عن صوم المسافر عند المشقة.

أنواع المخصصات والفرق بين العام والمطلق

يشرح هذا المحور مفهوم التخصيص في أصول الفقه بأنه قصر العام على بعض أفراده بدليل، ويقسم المخصصات إلى منفصلة متصلة بالعقل والشرع والإجماع ومتصلة بالاستثناء والصفة والشرط. كما يضرب أمثلة للتخصيص بالحس والشرع والسنة، ويختم بالتمييز الدقيق بين اللفظ العام الشمولي واللفظ المطلق.

المطلق والمقيد وأقسام ورودهما

يبين المقطع الفرق بين المطلق والمقيد مقرراً أن المطلق يعمل به حتى يرد المقيد فيقيده، ثم يستعرض الأقسام الأربعة لورود المطلق والمقيد من حيث اتفاق الحكم والسبب أو اختلافهما. ويمثل لكل قسم بآيات الكفارات لتوضيح التطبيق العملي لهذه القاعدة الأصولية.

قاعدة ذكر بعض أفراد العام لا يخصص

يقرر هذا المقطع قاعدة أصولية تنص على أن ذكر بعض أفراد اللفظ العام لا يستلزم تخصيص العام به، بل يبقى العام على عمومه ما لم يقم دليل مخصص منفصل. وتعد هذه القاعدة ضابطة مهمة لمنع التوسع في التخصيص بغير دليل شرعي معتبر.

التفريغ النصي الكامل

قال المؤلف رحمه الله تعالى: «واعتبر العموم في نص أثر / أما خصوص سبب فما اعتبر». هذه قاعدة أصولية وهي من قواعد العموم: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. معنى هذه القاعدة: المراد بها أنه يجب العمل بالعام إلى أن يرد المخصص، وأيضا معنى هذا التقديم: معنى أن أقصد العمل يكون بالعموم ما لم يرد التخصيص. وكذلك إذا كان اللفظ عاما والسبب خاصا، سبب هذا الشيء خاص، وهذا السبب -أي سبب نزوله- يكون في قضية خاصة، فهذه القضية لا تدل على أن هذا اللفظ العام يرجع إليها ويخصص. لا، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن الشريعة عامة لكل زمان ومكان وكل أحد، فلذلك لا ترد خاصة لأحد بعينه إلا إذا حددها الشرع أنها خاصة بفلان، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة، قال له: «هي خاصة لك، ولن تجزئ عن أحد بعدك» في الأضحية؛ لأنه قد ذبح أضحيته ثم لم يجد إلا جذعا من المعز، والجذع من المعز لا يجزئ في الأضحية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اذبحها، ولن تجزئ عن أحد بعدك». فهذا دل على أنه ليس هذا الأمر عام وإنما خاص. فإذا جاء سبب في أي من الآيات لا يدل على أنه خاص بهذا الشخص، بل هو حكم عام. مثلا آية اللعان -نزلت في بعض الأنصار، اشتكى عويمر العجلاني مثلا، أو في هلال بن أمية، أو في غير ممن جاء ذلك في الصحيح في الأحاديث الصحيحة أنها نزلت فيهم، وسبب نزولهم مثلا، أو أنها نزلت بسببهم أو بسبب هذه الحادثة- لا يدل على أن هذه الآية خاصة بهذه الحادثة، بل هي عامة وهو حكم العام، وهذا متفق عليه. أيضا آيات الظهار نزلت في امرأة ظاهر منها زوجها، لكنها عامة في كل من ظاهر: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالأصل أن العام هو عام ما لم يرد تخصيصه، وتعيين تخصيصه. مثل قضية سالم، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسَهْلَة بنت سهيل: «أرضعيه تحرمي عليك»، وهو رجل كبير، فهذا قال الجمهور: إنه خاص بسالم، خاص بسالم. وقال شيخ الإسلام: إنه خاص بسالم ومن كان مثله. فهذه بعض الأشياء التي تبين أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال: «ما لم يكن متصفا بوصف / يفيد علة فخذ بالوصف». معناه: كأنه هنا استثناء، استثنى الشيخ رحمه الله من القاعدة الأولى، معناه يقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سبب، ما لم يكن متصفا بوصف، يعني أن العام إذا ورد على سبب متصف بصفة فإننا نعممه في حدود تلك الصفة، إذا كان جاء مقيدا بصفة معينة فإنه يقيد. ذكروا من الأمثلة الحديث: «ليس من البر الصوم في السفر». فهل هذا عام؟ ليس من البر الصوم في السفر؟ لا، إنما في حالة من الحالات. وقد جاء في الصحيحين أن رجلا -أو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يظلل عليه في السفر، فقال: «ما بال هذا؟» قالوا: صائم. فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» أو «الصوم في السفر»؛ لأن أصابته مشقة شديدة وهو صائم. فهذا يعتبر أمرا خاصا، خاص بمن كانت عليه مشقة في السفر، فإنه ليس من البر أن يصوم. وأما الآخرون الذين ليس عليهم مشقة فله أن يصوم، وقد صام النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا تخصيص من القاعدة الأولى: فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سبب، لكن إذا جاء اللفظ متصفا بصفة معينة أو مخصصا بشيء معين فهذا يخصص، فهذا يخصص. قال: «وخصص العام بخاص ورد / كقيد مطلق بما قد قيد». فكما تقدم أن العمل يكون بالعموم ما لم يرد التخصيص، فإذا ورد التخصيص هو المخصص فانه يصار إلى التخصيص. ويعرف العلماء التخصيص بأنه: قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك. قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك. ويقسم العلماء المخصصات إلى قسمين: مخصصات منفصلة، مثل العقل والحس والشرع والإجماع والقياس، ومخصصات متصلة، مثل الاستثناء والصفة والشرط والبدل والغاية وغير ذلك من هذه الأمور. معنى الحس يخصص: مثل قول الله عز وجل: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾. معنى هذا اللفظ: لكن هناك الواقع يحكم، هل أنها ستدمر كل شيء؟ فلذلك قال الله عز وجل: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾، معنى أنها ما دمرت المساكن. وأيضا خص الحس أشياء: «تدمر كل شيء» لم تدمر السماوات، لم تدمر الأرض، معنى المراد أنها دمرت كل شيء عندهم، عندهم. فهكذا التخصيص بالإجماع: مثل قول الله عز وجل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، فخصص بعض أهل العلم بالإجماع أن الزاني العبد إذا كان عبدا يجلد خمسين جلدة، وهذا ليس فيه إجماع على الصحيح، لكن هم يذكرونه مثالا، إلا أن قد خالف الظاهرية؛ لأن هذا قياس ليس فيه دليل، قياس على الأمة: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، هذا من الأمة ينصف لها العذاب، وأما العبد فلم يأتِ لكن بالقياس. وقد يأتي التخصيص في الشرع: مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر». هكذا جاء عام: «فيما سقت السماء العشر»، هو عام، معنى ظاهره أنه عام في كل ما سقت السماء، أي زراعة تسقيها السماء فيها العشر. لكن جاء التخصيص في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، دل على أن ما كان دون خمسة أوسق ليس فيه صدقة، ولو سقيا بالماء، ولو سقيا بماء المطر مثلا. أيضا المخصصات المتصلة: الصفة من المخصصات المتصلة، الصفة مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع نخلا مؤبرا». فنخل هنا نكرة تفيد العموم، «من باع نخلا» جاءت نكرة في سياق الشرط، «من» شرطية، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، لكن هنا خصصت، وهذا من التخصيص المتصل، إنما خصصت بصفة: وهو أنها تكون مؤبرة، أنها تكون مؤبرة. ومن أمثلة المخصصات المتصلة: قول العباس للنبي عليه الصلاة والسلام، لما قال: «إن هذا البلد حرمه الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَبُ شَوْكُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر». وهذا استثناء متصل، استثناء متصل. وقوله: «كقيد مطلق بما قد قيد» -وعن هذا في المطلق والمقيد، وهناك في العموم والخصوص- ما الفرق بين العام والمطلق من الدروس السابقة؟ ما الفرق بين العام والمطلق؟ عام: معناه عم كل شيء، لكن يسمونه: عمومه شمولي، شامل كل شيء. والمطلق: عمومه بدلي، معناه قد يكون هناك بدل، لكن مثلا: «تحرير رقبة»، رقبة أي رقبة، إذا جاءت رقبة خلاص حلت، فعمومه بدلي. لكن عموم العام يكون شمولي، يشمل كل شيء يدخل بهذا اللقب. فهنا الآن تكلم بعدما تكلم عن العموم، تكلم على المطلق والمقيد: «كقيد مطلق بما قد قيد». والمقيد يقولون: هو اللفظ المتناول لمعين أو غير معين، موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه. فالأصل العمل بالمطلق حتى يرد المقيد، حتى يرد المقيد، فإذا ورد المقيد فإن المطلق يقيد. فقوله: «فتحرير رقبة» جاء في كفارة القتل: «فتحرير رقبة مؤمنة»، قيد بالإيمان، فكفارة القتل ما يكون العتق إلا برقبة مؤمنة. والمطلق والمقيد له أربعة أقسام في ورود المطلق والمقيد. إذا ورد مطلق ومقيد له أربعة أقسام: القسم الأول: أن يتفق الحكم والسبب، يتفق الحكم والسبب. فجمهور الأصوليين يقولون: فجمهور الأصوليين على أن المطلق يحمل على المقيد، على أن المطلق يحمل على المقيد. هذا إذا اتفق الحكم والسبب، مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾، وقوله: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾، فقيد الدم هنا بكونه مسفوحا، فالحكم واحد وهو تحريم الدم، والسبب واحد وهو المضر والأذى، فهنا يحمل الدم المطلق على الدم المسفوح المقيد. هذا إذا اتفق الحكم والسبب، فإنه يكون شيئا واحدا إذا اتفق الحكم أو اتفق الحكم بينهما، أي بين آية وآية وحديث وحديث، لكن اختلف السبب، اختلف السبب، فجمهور أيضا الأصوليين على أنه يحمل المطلق على المقيد، مثل قول جل وعلا: «فتحرير رقبة مؤمنة»، قيدها بالإيمان في كفارة القتل، وكفارة الظهار لم يذكر الإيمان: «فتحرير رقبة»، فحمل الجمهور لأن الحكم واحد وهو الكفارة، الكفارة بالعتق، الحكم واحد لكن السبب مختلف، فهنا ظهار وهنا قتال، فقالوا: إنه تقيد هذه الرقبة بالمؤمنة، فلا تعتق إلا رقبة مؤمنة في الكفارات. ومنهم من لم يقل بهذا القول. القسم الثالث: أن يتفق السبب ويختلف الحكم، السبب هذا الشيء سبب الحكم يختلف، أو متفق لكن الحكم مختلف. مثل قول عز وجل: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ في كفارة الظهار، ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾، وقال في الإطعام في كفارة الظهار: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، في إطعام ستين مسكينة. ففي كفارة الظهار منهم من قال مثلا: الله عز وجل ذكر في الصيام التتابع، فهل معنى ذلك أنه في الإطعام أيضا يكون التتابع؟ إذا كان مثلا ما يكفر بالصيام سيكفر بالإطعام، هل يتابع الإطعام؟ لا، لا يشترط، لأن السبب -السبب هنا مختلف- فالسبب متفق لكن الحكم يختلف، فالظاهر أنه لا تقيد. قال: القسم الرابع أيضا أن يختلف الحكم والسبب، قسم الرابع أن يختلف الحكم والسبب، فهذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد، لا يحمل المطلق على المقيد. فلهذا تجد مثلا فرق بين بعض الكفارات وكذا في حكمها، فإذا أنا الآن عندنا في الظهار ستون مسكينا، وفي اليمين ثلاثة أيام أو عشرة مساكين، عشرة مساكين، لأن الحكم يختلف والسبب أيضا يختلف، هذا ظهار وهذا يمين، فلهذا لا يحمل المطلق على المقيد. فهذه أربع أقسام يذكرها العلماء: أن يتفق الحكم والسبب، أن يتفق الحكم ويختلف السبب، أن يتفق السبب ويختلف الحكم، والرابع أن يختلف السبب ويختلف الحكم. قال رحمه الله في آخر بيت: «وما لم يكن تخصيص / ذكر البعض من العموم فالعموم يمضي». هذه أيضا قاعدة من قواعد العموم والتخصيص، وهي أن ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص. ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي تخصيصا. فلو قال الإنسان: أكرم الط