التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 154

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 154

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 154، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى الشرك في آية جعل الشركاء وأنواعه عند ابن عثيمين

يشرح المقطع مناسبة باب شكر غير الله على نعمة الله مبيناً أن الآية تتحدث عن جعل الأبوين شركاء لله في نعمة الولد. ويستعرض تعليق ابن عثيمين على أنواع الشرك الواردة: شرك أكبر باعتقاد أن غير الله مانح للولد، وشرك أصغر بإضافة السلامة للأسباب، وشرك أصغر في العبودية بتقديم محبة الولد على محبة الله، مع النهي عن التسمية بعبادة غير الله.

أدلة ابن عثيمين على تحريم التسمية بعبد المطلب

يذكر النص إجماع العلماء على تحريم كل اسم معبود لغير الله ويثير الخلاف حول جواز التسمية بعبد المطلب لورود حديث أنا ابن عبد المطلب. ثم يستعرض الأربعة الأولى من ستة أوجه استدل بها الشيخ ابن عثيمين على عدم الجواز: رد المتشابه إلى المحكم، كون الحديث إخباراً لا إنشاءً، عدم تسمية النبي أحداً بهذا الاسم ولا إقراره له، وكون الاسم مجرد شهرة للنبي لا إقراراً للتسمية به.

توضيح قول النبي أنا ابن عبد المطلب وحكم التسمية بعبد غير الله

يشرح المقطع أن قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا ابن عبد المطلب جاء على سبيل التعريف واللقب لا التسمية والتعبيد لغير الله، لأن عبد المطلب لقب لشيبة الحمد ظن أنه عبد لعمه المطلب. ويؤكد الشيخ العثيمين تحريم التسمية بعبد لغير الله ووجوب تغييره، وأن أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن.

النهي عن التسمية بأسماء الله الحسنى المفردة

يحذر المقطع من التسمية بأسماء الله الحسنى مفردة مثل عبد الله وعبد الرحمن وغيرها مشيراً إلى أن الأدلة التفصيلية ستُذكر في الدرس القادم. ويأتي هذا التحذير في سياق بيان أحكام التسمية وآدابها الشرعية.

  • 15 جمادى الآخرة 1446هـ - 16/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية. ومناسبة هذا الباب في ذكره للمناهي اللفظية، وكذلك مناسبة هذا الباب للذي قبله: أن الذي قبله في عدم نسبة النعمة لغير الله، وهذا الباب في شكر غير الله على نعمة الله. فهذا الباب أشد من الذي قبله. وخلاصة هذا الباب: أن من أنعم الله عليه بنعمة الولد، فعليه أن يشكر الله، وأن يعلم أن هذه النعمة هبة من الله. وأن من كفر هذه النعمة بتعبيد اسم الولد لغير الله تعالى، فهذا من كفر النعمة. كان يقال: عبد حسين، أو عبد أحمد، أو عبد محمد، أو نحو ذلك. فهذا فيه نسبة الولد لغير الله، أو تعبيد الولد لغير الله. فهذا هو محتوى وملخص هذا الباب الذي ذكره شيخ الإسلام في هذا الموطن. والشيخ ابن العثيمين رحمه الله تعالى علق على هذه الآية بذكر أنواع الشرك المقصود فيها في قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾. إيش معنى "جعلا له شركاء"؟ لأن الآية في سياق ذكر الولد: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ أي: ولداً صالحاً، ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ أي: الأب والأم. وقد اختلف المفسرون -كما سيأتي معنا- ما المراد بالضمير ها هنا؟ هل هو يعود على الأبوين آدم وحواء، أو على ذريتهما ممن أتى بعدهما؟ على قولين قويين لأهل العلم في ذلك. على كل حال، في قوله هنا: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾، أيش المراد بالشرك ها هنا؟ وما المقصود بالشرك ها هنا؟ ذكر الشيخ ابن عثيمين أن المراد بالشرك ها هنا ثلاثة أمور: الأمر الأول: شرك أكبر، وما صورته؟ قال: أن يعتقد أن الذي أتى بهذا الولد هو غير الله، كالولي الفلاني ونحوه. وهذا شرك أكبر؛ لأنهما أضافا الخلق إلى غير الله. فمن اعتقد أن الولي هو الذي يرزق الولد، وليس الله عز وجل الذي يرزق الولد، فهذا من الشرك الأكبر. النوع الثاني: شرك أصغر، يضيف سلامة المولود ووقايته إلى الأطباء ونحوهم؛ لأنه أضاف النعمة إلى السبب ونسي المسبب. فرُزق بولد، فيقول مثلاً: "لولا الطبيب الفلاني لمات هذا الولد"، أو "لولا الطبيب الفلاني لما رزقنا بهذا الولد". هذا شرك في اللفظ، وهو شرك أصغر، كما مر معنا في غير الولد في قول بعضهم: "لولا الملاح كان حاذقاً لغرقنا"، و"لولا كذا وكذا لهلكنا". هذا من هذا القبيل، فهو شرك أصغر. وقد يكون أيضاً شركاً أصغر في العبودية، ليس في اللفظ بل في العبودية، وذلك بأن يقدم محبته -أي محبة هذا الولد- على محبة الله، ويلهيه عن طاعة الله. فهذا جعل هذا الولد نداً لله عز وجل في المحبة، فيكون من باب الشرك الأصغر في العبودية. هذا ملخص ما ذكره الشيخ ابن عثيمين في المراد بالشرك في هذه الآية. ويدخل في ذلك تسميته بتعبيده لغير الله كما تقدم، كأن يقال: عبد أحمد، أو عبد حسين، أو عبد فلان من المخلوقين. فالتعبيد لا يكون إلا لله. ثم ذكر أثراً عن ابن حزم رحمه الله تعالى، أن ابن حزم قال: "اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب". يعني: لم يجمعوا على ذلك. فنقل ابن حزم في كتابه "الإجماع" أن العلماء اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، ومثل بعبد عمر، وعبد الكعبة، وقس على ذلك كل ما عُبِّد لغير الله كما تقدم في ذكر بعض الأمثلة. وقوله: "حاشا عبد المطلب"، هذه مسألة خلافية بين أهل العلم: هل يقال ويسمى بعبد المطلب؟ لأنه قد ورد في بعض الأحاديث كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". فبسبب مثل هذه الأحاديث وقع خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من منع مطلقاً، ولو التسمي بعبد المطلب. والشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى ذكر ستة أوجه استدل بها على عدم الجواز، ورد على من استدل بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "أنا ابن عبد المطلب". ما هي هذه الستة الأوجه؟ قال: لا يجوز التعبد لغير الله. ومن استدل بقول صلى الله عليه وسلم: "أنا ابن عبد المطلب"، نرد عليه. أولاً: هذا من كلام ابن عثيمين، قال: "هذا من الأحاديث المتشابهة، وعندنا نصوص بين محكمة ترد -أو ترد هذا- وهو من باب المتشابهة. أولاً: فالمتشابه نرده إلى المحكم. فالمحكم من ديننا قاعدة عامة، وهو: لا يجوز التسمي أو التعبيد لغير الله. لا يجوز التعبيد لغير الله لغير الله. فيكون هذه القاعدة وما جاءت فيها من النصوص محكمة، وما جاء عن نبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من المتشابه. والقاعدة عند أهل العلم: إذا ورد المحكم والمتشابه، أن المتشابه يرد إلى المحكم". هذا الوجه الأول. الوجه الثاني: قال: "هذا الحديث من باب الإخبار، وليس من باب الإنشاء والإقرار". إيش معنى "من باب الإخبار"؟ يعني أن عبد المطلب اسم قديم، وهو من أجداد النبي عليه الصلاة والسلام الذين قد توفوا، وقد انقرضت أفعالهم وأعمالهم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. فهو يخبر فقط، مثل ما تقول الآن مثلاً: "فلان عبد حسين" لأن مشهور بهذا، فأنت لم تقل ذلك مقراً لهذه التسمية، ولا منشئاً لها. إيش معنى الإنشاء؟ الإنشاء بمعنى: أنك أنت الذي أنشأت هذه التسمية، أي ابتدأتها. فهل النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سمى جده بهذه التسمية؟ لا، لم ينشئ ذلك. وهل أقر النبي صلى الله عليه وسلم هذه التسمية؟ لا. وإنما نطق بها على سبيل الإخبار أن جده يسمى بعبد المطلب، وليس فيه جواز التسمية بهذا الاسم. هذا معنى كلام الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله. هذا الوجه الثاني. الوجه الثالث: قال: "النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمِ به أحداً، ولم يأذن لأحد من صحابته بذلك، أو يقر به". يعني: النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: "هذا جدي، أنا سأسمي باسم جدي"، فسمى أحد أبنائه أو أحد أحفاده لهذا الاسم. وهذا دليل على أنه لم ينشئه، ولم يرتضه عليه الصلاة والسلام. ولم يُرد كذلك أن أحداً من أصحابه، أو من أولاد الصحابة، من سمى ولده بعبد المطلب. فإذا كان هذا فعل الصحابة، فكيف نجيزه لمن بعدهم؟ هذا معنى كلام الشيخ العثيمين عليه رحمة الله. قال رابعاً: "هذا الاسم عرف به النبي صلى الله عليه وسلم". يعني: اشتهر به، هو محمد بن عبد الله، أبوه اسمه عبد المطلب، لكن اشتهر بذلك، فيقال له: محمد بن عبد المطلب. فلذلك قال ذلك نظراً لما اشتهر به، لا مقراً له. هذا معنى كلام الشيخ العثيمين. قال: "هذا الاسم عرف به النبي صلى الله عليه وسلم، ولو قال: ابن عبد الله، ما عرفه الناس، فرأى في ذلك مصلحة". رأى في ذلك مصلحة، مثل ما تقول الآن لو قلت لإنسان مثلاً: "فلان اسمه مثلاً محمد عبد حسين العامري مثلاً"، على سبيل المثال. فلو قلت: "هذا محمد العامري"، الناس سيقولون لك: "من هذا محمد العامري؟" لأن هذا اشتهر محمد عبد حسين. فأنت لما تقول: "هذا محمد عبد حسين"، الناس كلهم يعرفونه. فأنت تقول ذلك من باب ماذا؟ من باب أنه اشتهر بذلك. حتى أن أهل العلم أجازوا ذكر اللقب الذي لا يرتضيه صاحبه إذا كان ذكره ليس على سبيل السخرية والتنابز به، وإنما على سبيل التعريف. الأعمش، الأعرج، هذه ألقاب لا شك أنها ألقاب فيها أوصاف سيئة، فيها أوصاف سيئة. لكن لماذا المحدثون يذكرونها؟ لأن هؤلاء الأئمة اشتهروا بها، فهم يذكرونها من باب التعريف، لا من باب الاستهزاء والسخرية. وهكذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: "أنا ابن عبد المطلب"، ذكر ذلك ليس على سبيل تجويز التعبيد لغير الله، وإنما على سبيل التعريف لأنه اشتهر بذلك. هذا معنى كلام الشيخ العثيمين. قال خامساً: "الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم عن شيء وقع وانتهى ومضى، وقد مات عبد المطلب". فلم يتحدث عن شيء وقع حديثاً، أو كذلك يعني أقره النبي عليه الصلاة والسلام في حياته، وإنما شيء قد انتهى ومضى. قال سادساً: "عبد المطلب ليس اسماً، بل هو لقب". يعني: ليس هو من باب تعبيد الاسم، وإنما من باب اللقب، من باب اللقب. قال: "وإنما اسمه شيبة الحمد". عبد المطلب اسمه شيبة الحمد، وأبوه هاشم: محمد بن عبد الله، عبد المطلب بن هاشم. قال: "أرسله صغيراً إلى المدينة عند أخواله بني النجار ليتعلم ويترعرع، فلما قدم عمه المطلب المدينة أخذ معه شيبة الحمد، فلما وصل به مكة تغير لونه من طول السفر، يعني الشمس والمسافة الطويلة ونحو ذلك، تغير يعني لونه، فقال الناس: من هذا العبد؟ يعني صار مثل الأسود، وكان من قبل أبيض، لكن بسبب طول السفر والشمس والغبار ونحو ذلك تغير فصار أسمر، فقال الناس: من هذا العبد؟ فقالوا: عبد المطلب. وعبودية الرق لا إشكال فيها". ما معنى عبودية الرق؟ يعني تقول مثلاً: "فلان عبد زيد"، لا من باب التسمية، وإنما من باب أنه رق لزيد. ومعنى "رق": يعني عبد، ليس بحر، ما يقابل الحر. فالتعبيد المقيد في الوصف واللقب، فهذا لا إشكال فيه، ولم يمنعه العلماء؛ لأنه ليس من باب التسمية، وإنما من باب اللقب والوصف. هذا معنى قوله: "من هذا العبد؟ فقالوا: عبد المطلب". يعني: رق للمطلب، وهو ليس عبداً له في الحقيقة، بل هو من أبنائه، من أبنائه. لكن لما رأوه يختلف لونه عنه ظنوا أنه عبد له، فقالوا: عبد المطلب. وعبودية الرق لا إشكال فيها، فألصق به اللقب. وبهذا يزول الإشكال، وهي أوجه واضحة وقوية. خلاصتها: أنه لا يجوز في التسمية التعبيد لغير الله، لا بعبد المطلب ولا بغيره. ومن سُمِّيَ بذلك، فالواجب أن يغير هذا الاسم، أو أن يتحاشى هذا الاسم ولا يذكره؛ لأنه فيه كما تقدم سوء أدب مع الله عز وجل في اللفظ، إذ نسب العبودية لغير الله سبحانه وتعالى. ولكن الواجب أن يتسمى الإنسان بالتعبيد لله. ولذلك كان من أحب الأسماء إلى الله عز وجل: عبد الله، وعبد الرحمن، لما فيها من التعبيد لله سبحانه وتعالى. لا تسمي: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الصبور، عبد الغفور، عبد الرحيم، عبد الرحمن، وغيرها من أسماء الله عز وجل الحسنى. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما جاء من أدلة في هذا الباب في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً.