الدرس في كتاب الوصايا 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور مفهوم الوصية بأنها تبرع مُلحق بما بعد الموت، مميزاً إياها عن العطية والصدقة، ومستدلاً على مشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع. كما يبين شروط صحتها من أهلية الموصي وانتفاء الغرغرة، مع عرض خلاف العلماء في وصية الصبي المميز والسفيه البالغ.
يتناول هذا المحور جواز وصية الصبي في وجوه البر، ونقل قول عمر رضي الله عنه في تقديم القريب غير الوارث، واشتراط الإشهاد أو معرفة الخط. كما يستعرض المستحبات في صيغة الوصية كافتتاحها بالبسملة والشهادتين، وخلاف العلماء في وجوب الوصية لمن ترك خيراً.
يبيّن العلماء أن آية الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بآية الموارث، وأن الوصية مستحبة في الأصل وتجب فقط إذا كان على الميت حق للغير. ويذكر شرط الاستحباب بترك مال زائد عن غنى الورثة، مع الترغيب في الوصية بالخمس أو الربع والكراهة للثلث.
يحدد هذا المحور سقف الوصية لغير الورثة (الأجانب) بألا تتجاوز الثلث، مشيراً إلى اختلاف حكم الوصية للورثة الذي سيُفصل في درس لاحق. ويختتم بدعوة للاشتراك في القناة التعليمية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الوصايا. والوصايا جمع وصية، وهي التبرع بعد الموت، كما ذكرنا قبل. إذا كانت قبل الموت في مرض، في المرض المخوف، تسمى عطية. إذا كانت في حال الحياة، إذا كانت في حال الحياة تبرع، إذا كانت هدية، إذا كانت للفقير تكون صدقة. إنما تختلف النية فقط. وغالب أحكام الوصية والعطية كما ذكرنا قبل واحدة، إلا أن بينهما فروقاً ذكرها المؤلف رحمه الله. انتهينا من الفروق، وقد دل على الوصية الكتاب، قوله جل وعلا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وأيضاً السنة: حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا وصيته عند رأسه»، وجاءت في رواية في مسلم: «يبيت ثلاثاً إلا وصيته مكتوبة عنده». وقد أجمع أهل العلم على ثبوت الوصية، وأيضاً على شروطها: أنها تصح من جائز التصرف. هذه المعاملة لا تكثرها، إنما تصح من جائز التصرف. أما من لم يجز تصرفه كالسفيه الذي حجز ماله، أو صبي الذي أيضاً ماله قد حجر، كذلك المجنون وغيره، أو لا... ليس لهم تصرف، أيضاً لا يجوز له أن يتصرف في حق غيره. فجائز التصرف تصح وصيته ما لم يغرغر. إذا كانت الروح قد غرغرت، فهنا وصيته لا تقبل باتفاق العلماء؛ لأنه عند الغرغرة العمل لا يقبل أصلاً، ولهذا توبته لا تقبل لو تاب وهو في الغرغرة لا تقبل توبته، كما جاء في الحديث: «ما لم يغرغر». فإذا غرغر، فعمله الذي يذكره بأقواله أو كذا، أو ما أشار إليه إشارة مفهمة لا يقبل. واختلفوا، كما قلنا، أن الصبي والمجنون وهؤلاء لا تقبل منهم الوصية، وكذلك غير المميز: الصبي غير المميز هذا باتفاق. لكن اختلفوا في الصبي المميز، وكذلك السفيه البالغ: هل تقبل وصيتهما؟ فالجمهور على أنها تقبل، مثل العبادة، مثل الصلاة والصيام، فإنها مقبولة منهما وصحيحة. كذلك قالوا: الوصية أيضاً... ماذا؟ مع أنها قد قبلت صلاته، فمن باب أولى وصيته. والوصية تكون فيما يكون مما يستحب ويشرع، وتكون أيضاً في الأمور المباحة. مثلاً: يوصل أقاربه غير الوارثين، هذه وصية مستحبة. أو يوصي مثلاً للأبعدين، هذه وصية مما مباحة، مباحة. ولهذا ذكر شيخ الإسلام أن وصية الصبي تصح إذا كانت من الأمور المستحبة على وجه الاستحباب، على مثلاً... على مثلاً يوصل لأقاربه، أو كذلك... معنا لأقاربه غير الوارثين. أما إذا أوصل البعيد والقريب موجود، فهذا... هذا يدل على شيء من السفه، لهذا لا يقبلون، كما قال شيخ الإسلام: لا تقبل وصية هنا. وقد ذكر مالك رحمه الله عن عمر أنه سئل عن غلام من غسان لم يحتلم بعد، ورثته في الشام، ولم يكن أحد له في المدينة إلا ابنة عم له، فقال له: أراد أن يوصل، فقال: «يوصل، يوصل ابنة العم، لا يوصل الأبعد». وفي الوصية: استحب العلماء الإشهاد عليها، لأجل أن لا يكون هناك نزاع. وكذلك إذا وجد له خط، عرف أنه خطه، معنا بالتأكيد، وهو متضمن لوصية، فهذه... ضد... اعتبرنا... أنا أشهد هناك اثنان مثلاً على أن هذا خطه، أو بإقرار الورثة أن هذا خط مورثهم، فالوصية هنا تصح وتمضي. واستحب العلماء أن الوصية تكون فيها شيء مما يذكر بالله جل وعلا، مثل ما ذكر عن أنس بن مالك وغيره، أنه... معنا... ذكره جماعة منهم: سعيد بن منصور وغيره، أن أنساً كان يقول: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان، أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسول»، ويذكر أشياء: «إن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور». ثم يوصي أهله بأشياء: أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، وأن يطيعوا الله ورسوله، وغيرها من الوصائل التي ذكرها أنس رضي الله عنه: يوصيهم بالتوحيد، يوصيهم بالسنة، أنهم يتمسكون بالسنة. قال المؤلف رحمه الله: يسن لمن ترك خيراً، وهو المال كثيراً، يوصي بالخمس. فالذي عنده خير، أي عنده مال، يستحب له الوصية والإحسان إلى الناس. وقال بعض العلماء: إنها واجبة أن يوصي. استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. هنا قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فُرض. لكن رد العلماء، أو جمهور العلماء، على هذه الآية أنها منسوخة، كما ذكر ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول: رضي الله عنه: كان المال للولد، يعني للإرث، وللوالدين الوصية، فنسخ الله ذلك، يعني نسخها بآية الموارث. لهذا قالوا: إنها منسوخة. وقوله هنا: قول المؤلف: «وأما حديث عبد الله بن عمر، فحمله جماعة من العلماء على ما كان واجباً عليه، ما كان واجباً عليه، فيوصي به، ما كان شيء واجب عليه، أما مال له أو عليه، يكون هناك مال له أو عليه». لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيء يريد أن يوصي به، أو أن يوصي فيه»، فدل على أن هناك حقاً عليه. لهذا الذي مشى عليه أكثر العلماء: أن الوصية مستحبة، إلا من كان عليه حق، فيجب عليه أن يوصي ورثته بإعطاء هذا الحق لصاحبه. وقوله هنا: «ترك مالاً كثيراً». إذا معنا المراد ليس أن يكون يفضل هذا المال عن غناء الورثة، كما قال ابن قدامة وغيره: هذا المال يكون زائداً على غناء ورثته. فان كان زائداً على غناء ورثتهم، فهنا يستحب، وإلا فلا يستحب. واختار ذلك أيضاً جماعة من الحنابلة. وهذا يوافق قول النبي عليه الصلاة والسلام لسعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». فقد يكون المال كثيراً، لكن الورثة كثير، فإذا كانوا هؤلاء الورثة كثير، وهذا المال لا يغنيهم، فهنا لا يستحب له الوصية. وهنا ذكر أنه يوصي بالخمس. إن استحب الوصية بالخمس: خمس المال. أقل من الربع. وقد جاء عند البيهقي عن ابن عباس أنه قال: «الذي يوصي بالخمس أفضل من الذي يوصي بالربع، والذي يوصي بالربع أفضل من الذي يوصي بالثلث». وكان يقول: «لو غضى الناس عن الثلث إلى الربع». لأنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الثلث، والثلث كثير». وجاء عن الصديق أيضاً، ذكره البيهقي: أن أبا بكر أوصى بالخمس، وقال: «رضيت لنفسي ما رضيه الله لي نفسي في الغنيمة». لكن لو أوصى بالربع أيضاً كذلك، وهو لا زال... لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير». فالوصية بالثلث خلاف الأولى، لكن الوصية بالربع تدخل في الاستحباب. ولا تجوز بأكثر من الثلث لأجنبي، بأكثر من الثلث لأجنبي. أما لغير الأجنبي... وقته... طيب، طيب، إن شاء الله في درس... لحظ... اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.