الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ساندت خديجة رضي الله عنها النبي ﷺ حين عاد من غار حراء مرتجفًا خائفًا، فأمنته وذكرت خصاله الحميدة لتثبيته. واستنبط المتحدث قاعدة عملية بأن الخائف المرتجف يُدفأ ويُطمن أولًا قبل مخاطبته ليتمكن من استيعاب الكلام.
سكنت خديجة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي، فدفأته ثم طمأنته بالكلمات الثابتة. ويستدل بحديث أبي بكر رضي الله عنه على أن من عُرف بالإحسان والبذل يحفظه الله ولا يفضحه، ويؤخذ أن الخائف يُدفأ أولًا ثم يُطمن بالكلام الطيب بعد زوال الروع.
تناول المقطع فضل خديجة رضي الله عنها كونها من النساء الأربع الكمال عقلًا ودينًا، ودورها العظيم في تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم عند تلقيه الوحي لأول مرة. مبينًا أن هذا الاختيار من الله تعالى لنبيه، كما يثبت الله فؤاد الأنبياء بقصص من سبقهم.
يختتم المتحدث الحديث بالاكتفاء بما ذُكر في هذا المقام، مفوضاً العلم لله تعالى، حامداً له، وداعياً للسامعين بالخير.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد ذكرنا -حفظكم الله تعالى- قول خديجة رضي الله تعالى عنها لنبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق». انظروا إلى هذا المشهد العظيم الذي قامت به هذه المرأة الصالحة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام جاء من الغار وهو يغتجف فؤاده، وبوادرة أصابه رعب، أصابه خوف عليه الصلاة والسلام، حتى قال: «خشيت على نفسي» كما تقدم. وانظروا إلى هذه المرأة الصالحة كيف تعاملت مع النبي عليه الصلاة والسلام، وثبتته وآزرته وعانته على الخير، وهذا من أعظم ما يكون من هذه المرأة الصالحة أنها أعانت النبي عليه الصلاة والسلام وآزرته. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكرت عائشة خديجة بشيء: «إني رزقت حبها، وإنها واستني بنفسها ومالها لله»، أو قال: «وإنها واستني بنفسها ومالها»، واست النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه وماله. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام وهو خائف، أولًا قال: «زملوني، زملوني». ومعنى «زملوني»: أي غطوني بغطاء يلف به جسده، لأن الذي يرجف فؤاده، وترجف بوادره، ويرجف جسمه، يحتاج إلى التدفئة حتى يحر جسمه، ويدفأ جسمه، فبعد ذلك يكلم. فالذي يكون خائفًا، قال العلماء: أخذ من هذا الحديث أن الرجل الخائف أولًا يُطمن ويُدفأ، إذا كان يرتجف من الخوف، فإنه لا يكلم في تلك الحالة، غالبًا لا يستوعب الكلام. لكن أولًا يُدفأ. الآن إذا جاء مثلًا ولد أو رجل أو امرأة جاءت إلى البيت وهي خائفة، مثلًا امرأة، أولًا جاء ودخل البيت وهو خائف يرتجف، تجد في ذلك الوقت لا يستطيع أن يتكلم، لا يستطيع أن يبوح بما خوفه، فلذلك أولًا يحتاج إلى التدفئة، أنه يُدفأ ويُطمن، ثم بعد ذلك يكلم. وأخذ أيضًا من هذا الحديث، وأخذ من هذا الحديث، وهذا يدل على رجاحة عقل خديجة رضي الله تعالى عنها، وقد تكلمنا في درس مضى عن صفاتها وعن فضلها رضي الله تعالى عنها. فلذلك أولًا دفعت النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قالت -أو قال في الحديث-: حتى ذهب عني الروع. وجاء في الروع: حتى ذهب عنه الروع، أي الفزع. دفعته حتى ذهب الروع، فقال: «يا خديجة لقد خشيت على نفسي»، ثم قص لها القصة التي حصلت في غار حراء، ثم قص لها القصة التي حصلت في غار حراء. فثبتت بهذه الكلمات العظيمة. قد تكلمنا في الدرس الذي سبق أن من عرف عنه الإحسان للناس، وعرف عنه البذل، فإن الله عز وجل لا يضعه في موقف يفضح فيه، ويدل فيه، أو موقف عار وفضيحة وخزي وندامة، فلا يضعه الله عز وجل في هذا ما دام أنه من أهل الإحسان. وهذا كما قلنا حصل لأبي بكر رضي الله عنه لما خرج، والحديث أيضًا في البخاري، حكته عائشة رضي الله عنها، فلما خرج قال له ابن الدغنة: أين تريد يا أبا بكر؟ قال: قد أخرجني قومي، فأردت مكانًا أعبد الله عز وجل فيه. فقال: «مثلك يا أبا بكر لا يخرج، ولا يخرج مثلك يا أبا بكر، لا يخرج، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق». ثم جعله في جواره وفي ذمته أن يكون في مكة، الحديث. فتبين من هذا أن من يحسن إلى الناس كما تقدم معنا، فإن الله عز وجل يحفظه. فذكرت خديجة رضي الله عنها هذه الصفات العظيمة، وهذا أيضًا يؤخذ منه أن الخائف أو الفزع، سواء كان فزعًا لأمر مثل هذه الأمور، أو أفزعه أحد، مثلًا هدده وأراد قتله، أو أراد كذا، فإذا خاف أولًا يُدفأ، ثم يُطمن بالكلمات الطيبة، بعد أن يذهب منه الروع، ويذهب منه هذا الخوف، يُطمن بالكلمات الطيبة التي يكون فيها ثباته، يكون فيها ثباته. وأيضًا هذه المرأة الصالحة رضي الله تعالى عنها ثبتت النبي عليه الصلاة والسلام في موقف عظيم، وهذا يدل على رجاحة عقلها رضي الله عنها. ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «قد كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يكمل من النساء إلا هؤلاء الأربع»، معنى كمل: عقلهن. وإلا الأصل في النساء أنهن عندهن نقص، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». فلذلك ثبتت النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا أيضًا من اختيار الله عز وجل لنبيه، أنه اختار له هذه المرأة تكون معه في أصعب الحالات، أصعب الحالات التي كانت معه خديجة رضي الله عنها في ذلك الوقت العصيب الذي حصل للنبي عليه الصلاة والسلام، هو تلقي الوحي، حتى حصل له ما حصل، فقامت معه وثبتته على الحق. وذكر بعد ذلك -أو ذكرت- الصفات العظيمة التي كانت في النبي عليه الصلاة والسلام، وإن شاء الله تعالى في الدرس اللاحق نذكر هذه الصفات العظيمة، أو نذكر هذه الصفات التي وصفت خديجة رضي الله تعالى عنها نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأيضًا الثبات الذي حصل للنبي عليه الصلاة والسلام هو من الله، هيأ له الأمور ويسر له الأسباب حتى يثبته على ذلك الحق. ولهذا ربنا جل وعلا دائمًا يسل نبيه ويثبته بقصص ما يحصل للأنبياء من قبله حتى يثبت على الحق، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120]. أي يثبت الله عز وجل فؤاد نبيه بقصص الأنبياء، كيف لاقوا، وكيف حوربوا، وكيف أيضًا وقفوا ضدهم، فخرجوا من هذه الأمور بالالتجاء إلى الله جل وعلا والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا الشيء مما يذكر في هذا المقام، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وإياكم الله خيرًا.