شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 39

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 39

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الناس في أفضل العبادة عند المقريزي: المشقة والزهد

يذكر المقريزي أن أهل مقام "إياك نعبد" ينقسمون إلى أربعة أصناف، وأول صنفين يرون أن أفضل العبادة إما أشقها على النفس أو الزهد والتجرد عن الدنيا. وينقسم الزاهدون إلى عوام يجعلون الزهد غاية، وخواص يرون دوام الذكر والمحبة هو الغاية.

تقسيم أهل التصوف إلى عارفين ومنحرفين في تقديم الأمر والنهي

يقسم المتكلم أهل التصوف إلى عارفين يقدمون الأمر والنهي الشرعي على جمعيتهم القلبية، ومنهم محمد بن خفيف والجنيد وعبد القادر الجيلاني. والقسم الثاني منحرفون يقدمون أورادهم وجمعيتهم على الواجبات حتى يتركون الصلاة لإتمام الورد.

خطأ تقديم السماع الصوفي والجمعية القلبية على الفرائض

ينتقد المقطع تقديم بعض المتصوفة للسماع والحضرة على صلاة الفرض زاعمين أن قلبهم مجموع لله، ويرد العلماء ذلك بأنه وساوس شيطانية ومخالفة للكتاب والسنة. ويؤكدون أن حق الله في الفرائض مقدم على حق النفس في الأحوال القلبية مستدلين بحديث «أعط كل ذي حق حقه».

حقوق العباد وتوازن العبادة بين الواجبات والأحوال القلبية

يستعرض المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن إعطاء كل ذي حق حقه مبيناً حقوق الله، الزوجة، الضيف، النفس، والعين. ويشير إلى أن هذا يمثل الصنف الثاني ممن يختارون أنفع العبادة على أن يُذكر الصنف الثالث لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة المقريزي رحمه الله، بعدما ذكر أقسام الناس في العبادة والمتابعة: ثم أهل مقام "إياك نعبد" لهم في أفضل العبادة وأنفعها، وحقها بالإيثار والتخصيص، أربعة طرق. فأن الذين يعبدون الله لهم أربع طرق، وهم في ذلك أربع أصناف، أن كل واحد اختار طريقة يعبد الله بها. فالصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها. قالوا: إنه أبعد الأشياء من هواها، وهو حقيقة التعبد، والأجر على قدر المشقة. ورووا حديثاً ليس له أصل: "أفضل الأعمال أحمزها"، أحمزها: بمعنى أصعبها. لكن الحديث لا يصح. لكن استدلوا بحديث عائشة الذي في الصحيحين: أما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "على قدر نصبك" أو قال: "نفقتك"، "أجرك على قدر نصبك"، أي: على قدر تعبك. لكن ليس الصحيح كما سيأتي من كلام شيخ الإسلام أنه ليس هذا على إطلاقه، ليس كل ما كان صعباً وشاقاً يكون فيه الأجر أعظم. قال: وهؤلاء هم أرباب المجاهدات والجور على النفوس، معنى: ليس أنهم عندهم عدل، بل ظلموا أنفسهم. معنى هذا كلام مؤلف، وحملوها ما لا تحتمل. قالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك، اضطربت طباعها بالكسل والمهاونة والإخلاد إلى الراحة، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق. هؤلاء أخذوا هذه الطريقة، يقولون: أنفع العبادات للنفس أشق هذه العبادات، أنه يشق على نفسه ويجاهد نفسه ويكلفها أحياناً فوق طاقتها، وهذا يرونه أنه أنفع لها حتى لا يدخلها الكسل. والصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات وأنفعها التجرد والزهد في الدنيا والتقلل منها غاية الإمكان، وإطراح الاهتمام بها، وعدم الاكتراث لما هو منها. أنهم فضلوا الزهد في الدنيا، هو رأس العبادة، أن يرون الورع، أن الورع والزهد أفضل ما يكون مسلكاً للعبد. قال: ثم هؤلاء قسمان. فعوامهم ظنوا أن هذا غاية، فشمروا إليه وعملوا عليه، وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة، ورأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها. وهؤلاء غالباً هم من كان يتصوف قديماً. وقلت قديماً لأن المتصوفة المتأخرين، لأن أهل التصوف الذين تأخروا كانوا ليسوا أهل زهد غالباً، أو من المعاصرين غالباً أنهم ليسوا أهل زهد، بل غالبهم أكالون. وأن المقصود به عقوف القلب على الله تعالى والاستغراق في محبته والإنابة إليه والتوكل عليه والاشتغال بمرضاته. فرأوا أفضل العبادات دوام الذكر بالقلب. فرأوا أفضل العبادات دوام الذكر بالقلب واللسان. أنا هذا قسم أنهم رأوا أن غاية الغاية من هذا أنهم يشمروا عن أفضل، عن الزهد هذا الذي يكون في الدنيا، ولا ينشغلون بالدنيا بتاتاً، وينشغلون بالعبادة. وقد يكون هذا يجرهم إلى الاستغراق في محبة الله والغلو في ذلك. قال: وهؤلاء قسمان. فالعارفون: إذا جاء الأمر والنهي بادروا إليه، ولو فرقهم وأذهب جمعيتهم. أنا بعضهم من هؤلاء من أهل التصوف يعظمون الأمر والنهي، فإذا جاءهم أمر أو نهي عظموه، ولو كان ذلك بمفارقة أصحابهم. أنا مثل: السماع، بعض أهل التصوف من أهل الزهد ينكر هذا السماع، وبعضهم أيضاً عنده بعض العبادات التي مثلاً تكون لغير الله فيبتعد عن هؤلاء أيضاً. كذلك بعضهم يزهد في العلم ويزهد في أمور أخرى، فإذا رأى هذا العارف أن هذا خطأ ابتعد منه، مثل ما جاء عن الإمام محمد بن خفيف رحمه الله قال: كنت مع أهل التصوف فكانوا يمنعونني من العلم، وكنت أحب العلم. أنا كان متصوفاً لكن كان يحب العلم، فكانوا يمنعونه. قال: فكنت أذهب خفية منهم، فإذا رأيت أحداً منهم أخبأت محبرتي ودواتي. هذا لخوفه منهم لأنهم يزهدون في العلم، ما يحبون العلم، فلهذا كان رحمه الله يختبئ منهم، يخبئ المحبرة والدواة، الدواة الذي توضع فيها الحبر، الذي توضع فيها الحبر. قال: فهؤلاء العارفون منهم، وكذلك أيضاً منهم الجنيد، ومنهم كذلك عبد القادر الجيلاني، وغيرهم من هؤلاء الذين يقولون بالأمر والنهي. فكان الجنيد يقول: من لم يوقفه كتاب الله وسنة رسوله فليس منا، أنا ليس على طريقتنا. قال: ومن منحرفون منهم يقولون: المقصود من القلب جمعيتها، فإذا جاء ما يفرقه، إذا جاء ما يفرقه عن الله لم يلتفتوا إليه، ويقولون: يطالب بالأوراد من كان، فكيف بالقلب كل أوقاته ورد؟ أنهم يقدمون الأوراد حتى على ما كان مأموراً به من الصلاة وغيرها. وقول هنا: المقصود من القلب جمعيتها، هذا اصطلاح من اصطلاح الصوفية عن اجتماع الهمم والتوجه إلى الله والاشتغال به عما سواه، هكذا فسرها صاحب المنازل. قال: ثم هؤلاء أيضاً قسمان. منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيتهم، عندهم الورد أهم شيء، فإذا صادف مثلاً صلاة فإنه لا يقوم للصلاة بل يكمل ورده. وهؤلاء لعب على عقولهم الشيطان. كذلك إذا كان في سماع كما يسمونه السماع الصوفي، مثل الحضرة وغيرها، فإذا كانوا في ذلك المكان فإنهم لا يعبؤون بوقت الصلاة، حتى لو جاء وقت الصلاة لا يلتفتون إلى الصلاة، ما دام أن يظنون أن قلبهم الآن مجموع لله عز وجل وهممهم متوجهة إلى الله، فلا ينشغلون، فلا ينشغلون عنه ولو كان بعبادة جاء وقتها. وهذا من لعب الشيطان بعقولهم. قالوا: منهم من يقوم بها ويترك السنن والنوافل، ويعلم العلم النافع لجمعيتهم. والحق أن الجمعية حظ القلب، وإجابة داعي الله حق الرب. معناهم الآن قال: فمن آثر حق نفسه على حق ربه فليس من العبادة في شيء. هم الآن يقولون أن هذه الجمعية أهم شيء، والمراد بالجمعية كما قلنا: أن يكون في ورد، يرى نفسه أنه مع الله كما يقولون متوجهاً إلى الله، فلا يريد شيء أن يشغله، ويسمون هذا الخلوة. معنا: إذا جاء في خلوته فلا يلتفت إلى غير الخلوة، ويظنون أن هذا إصلاح للقلب، فإذا انقطع عن خلوته كأنه انقطع عن إصلاح قلبه. فلهذا فعندهم أهم شيء هو هذا. وهذه وساوس من وساوس الشيطان، لعب على عقوله، وإلا فلا يجوز أن يقدم أحد شيئاً على فرض الله جل وعلا. فإذا كان الصلاة لا تصلحه، فمن ذا الذي يصلح قلبه؟ وكما قال الإمام أبو جرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي رحمه الله: قال: هذه وساوس من وساوس الشيطان. هل قال هذا مالك والشافعي وأحمد وفلان وفلان؟ ذكر من الأئمة: هل قالوا مثل هذا؟ ثم قال رحمه الله: من لم يتعظ بموعظة الكتاب والسنة فلا وعظه الله. أن لو كان هذا يعظهم فقط ويصلح قلوبهم وليس الصلاة وليس كتاب الله، فهذا الوعظ باطل، هذا الوعظ باطل. فتجد كثيراً من هؤلاء المتصوفة قديماً وحديثاً عندهم السماع، هذا السماع الصوفي عندهم أهم شيء، يتركون كل شيء لأجله، حتى ولو كان من فرائض، من فرائض الله جل وعلا. ومنهم كما قال المؤلف: من يترك المستحبات ويأتي بالفرائض فقط. فقال رحمه الله: والحق أن الجمعية حفظ القلب، وإجابة داعي الله حق الرب، هذا حق عليك الله عز وجل طلب منك أنك تصلي. قال: فمن آثر حق نفسه على حق ربه فليس من العبادة في شيء. وكما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: "أعطِ كل ذي حق حقه"، كما جاء في حديث سلمان، وكذلك أيضاً جاء في حديث عبد الله بن عمر، وكلاهما في الصحيحين. النبي عليه الصلاة والسلام قال: "أعطِ كل ذي حق حقه، فإن لربك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً". وجاء في حديث، حديث أبي الدرداء: "وإن لنفسك عليك حقاً"، فأعطِ كل ذي حق حقه. فهذا الصنف الثاني من أقسام من يختار أنفع العبادة. ثم سيذكر الصنف الثالث، إن شاء الله نتركه إلى الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.