الدرس في شرح كتاب صفات النبي صلى الله عليه وسلم للعثيمين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استعرض الدرس ثمرات دراسة الشمائل النبوية كالتأسي به ومعرفة كماله وتوقيره والشوق للقائه، ثم فصّل في أوصافه الخلقية من القامة واللون والعينين والحواجب والأنف والأسنان والشعر. واختتم بوصف شعره بأنه رجل بين الجعد والسبط مع عنايته بترجيله ودهنه ونظافته.
يوضح المقطع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العناية بالشعر دون إفراف، ويجمع بين أحاديث الترجل غبًا وإكرام الشعر، كما يبين طيب رائحته ولين ملمسه مع التوفيق بين وصف يديه بالغلظ واللين. ويذكر تبرك أم سليم بعرقه الشريف.
يشرح المقطع حديث أنس بن مالك عن نوم النبي صلى الله عليه وسلم القيلولة في بيت خالته من الرضاع أم سليم، وجمعها لعرقه الشريف لتجعله في طيبها لكونه من أطيب الطيب. ويستعرض فوائد الحديث منها اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بطيب عرقه وجواز التبرك بآثاره.
يتناول المقطع تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في فراشه، وحرص أم سليم رضي الله عنها على جمع عرقه للتبرك به والتطيب، مع بيان جواز الجمع بين القصدين. كما يوضح هديه في التبسم دون الإفراط في الضحك، مستدلاً بحديث عائشة، ويبين فضيلة التبسم في وجه المسلم وكونه صدقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فأخذنا في الدرس الماضي أولاً: الفوائد والثمار التي يستفيدها دارس الشمائل أو الصفات، صفات النبي صلى الله عليه وسلم. فمن يذكر لنا شيئًا من هذه الفوائد؟ لماذا أنت تدرس الآن صفات النبي صلى الله عليه وسلم وشمائل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ما هي الفائدة؟ ما هي الثمرة؟ نعم، ذكرنا عدة ثمرات وفوائد من باب المذاكرة وتثبيت المعلومات. نعم: الاقتداء به عليه الصلاة والسلام. اطرحها هنا: الاقتداء به عليه الصلاة والسلام، فمن عرف صفاته عرف عمله وكذلك أخلاقه، فاقتدى به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم آه، من يزيد؟ نعم: معرفة كماله البشري. نعم، معرفة كماله البشري وكذلك الخلق، فهو عليه الصلاة والسلام بعثه الله عز وجل على أكمل خلق، وخلق على أكمل خلق. ومنها كذلك: نعم، توقيره، ومعنى توقيره يعني تعظيمه واحترامه وإجلاله عليه الصلاة والسلام، فكلما عرف المسلم تلك الصفات العظيمة عظم هذا الرسول في قلبه. وكذلك آه، من يزيد؟ من يزيد؟ نعم: أن من رآه في المنام على نفس الصفات التي جاءت... نعم، نعم. أيضًا إذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فإنك تعرفه بصفاته الصحيحة، فتكون ممن رآه حقًا كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومنها كذلك: نعم، الشوق إلى رؤيته. هذا الرسول بهذه الصفات الكريمة العظيمة هذا يشوقنا إلى أن نراه وأن نلتقي به، وهذا يدعونا إلى العمل الذي يوصلنا إلى ذلك، كما قال ربيعة للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له: «سل يا ربيعة»، فقال: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «وغير ذلك». قال: لا، ما في الله هذا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أعني على نفسك بكثرة ماذا؟ السجود». يعني بكثرة الصلاة. فأنت إذا تحب أن تلتقي به عليه الصلاة والسلام وأن تكون مرافقًا له في الجنة، فاعمل الأعمال التي تبلغك هذه المنزلة وهذه المكانة. وغير ذلك مما ذكرنا. ثم ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم من أوصافه الخلقية أنه ربعة. إيش معنى ربعة؟ نعم، آه، نعم: ليس بالطويل البائن ولا القصير، يعني وسط. وهذا قلنا من حسن وجمال الرجال، من حسن وجمال الرجال. وما معنى قوله: ضخم الأعضاء؟ إيش معنى ضخم الأعضاء؟ لأنه ورد في حديث آخر ذكره المعلق أيضًا: «فخما مفخما». ثم ذكر أيضًا وصفًا آخر أنه في حديث آخر: «ضخم الكراديس». فما معنى ضخم الأعضاء أو ضخم الكراديس؟ إيش الكراديس هذه؟ نعم، نعم: هي مجتمع المفاصل، هذا يسمى الكراديس. فكان عليه الصلاة والسلام ليس ضعيف الأعضاء، بل هو ضخم الأعضاء عليه الصلاة والسلام. أسود، جزاك الله نعم. وما معنى كذلك: أزهر اللون؟ إيش معنى أزهر اللون؟ نعم، نعم: بياض مع حمرة، بياض مع حمرة، مشرب بحمرة، أي فيه شيء من الحمرة وهو بياض العرب، بخلاف بياض العجم فإنه بياض خالص، وهذا ليس بمرغوب عند العرب. نعم، وما معنى: أكحل العينين، أدعجهما؟ ما معنى أدعجهما؟ أدعجهما، ما معنى... ويش معنى دعج العينين؟ أي، نعم، نعم: فيهما سواد. وهذا أيضًا من الجمال، من الجمال أن يكون هناك سواد مع بياض العين، مع بياض العين، فهذا أيضًا مما يعده العرب من الجمال. بخلاف من تكست فطرته، يرى الآن بعض النساء أن الجمال أن تكون عينها زرقاء، النون هذا بدل من أن يكون أسود يكون أزرق، هذا ليس بجمال، هذا تشبه، ويرون أن هذا هو الجمال. هذا في الحقيقة هو تشبه بالكافرات لأن كثيرًا منهن على هذه الصفة. وما معنى: أصبغ الحواجب من غير قرن؟ ما معنى أصبغ؟ نعم، من غير قرن يعني ما هناك اتصال بينهما، هناك فرجة. وما معنى أصبغ الحواجب؟ أصبغ... نعم، أكمل، أكمل الحواجب، يعني حواجبه كاملة ما فيها شيء من النقص أو من قلة الشعر أو نحو ذلك. نعم، وما معنى: دقيق الأنف؟ هذا كله أوصاف نبينا عليه الصلاة والسلام. دقيق الأنف، إيش معنى دقيق الأنف؟ آه، نعم، آه، آه: يعني دقيق الأنف أن أنفه كما ذكرنا فيه ارتفاع، هذه القصبة فيها ارتفاع مع استواء، ما فيه عجاج ولا شيء، وحدب في وسطه يعني نحف في وسطه، وسط الأنف، ومع كذلك دقة في أرنبته، هذه الأرنبة تكون دقيقة، وهذا من الجمال أيضًا الذي كان يتفاخر وكذلك يتمادح به العرب، يتمادح به العرب. ما معنى: مفلج الأسنان؟ نعم، نعم: بين أسنانه فتحة، وهذا أيضًا من الجمال، فرجة بين الثنايا والرباعيات. نعم، هذه بعض الصفات التي أخذناها في درس أمس. طيب، نكمل إن شاء الله ما ذكره المحقق. زاد المحقق بعض الصفات التي لم يذكرها، الصفات الخلقية. نحن الآن لا زلنا في الصفات الخلقية لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام. قال: «قلت» أي المحقق: «ومن صفاته صلى الله عليه وسلم: أولاً: صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم». قال قتادة: «قلت لأنس بن مالك: كيف كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان شعرًا رجلًا، ليس بالجعد ولا السبط، بين أذنيه وعاتقه». رواه مسلم في صحيحه. قال: «رجلًا» هو الذي بين الجعود والسبوطة. الجعد: هو تقبض في الشيء، يقال: شعر جعد، وهو خلاف السبط. والسبط: من الشعر المنبسط المسترسل، وهو نقيض الجعد. طيب، هذا فيه الحديث فيه صفة شعر النبي عليه الصلاة والسلام. فذكر أنس رضي الله تعالى عنه أن شعره كان رجلًا، ثم فسر ما معنى رجلًا، فسره بقوله: «ليس بالجعد ولا السبط». والجعد كما فسره هو الشعر الذي يكون فيه الالتواء، فيه ماذا؟ الالتواء، مثل شعر الزنوج، نحن نقول لهم: العبيد، ها تجد شعره ملتفًا، ليس يعني مسترسلًا، وإنما هو شعره يكون ملتفًا. فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس في شعره تجعد، يعني التواء، ليس في شعره التواء. وكذلك في قوله هنا: «ولا السبط»، والسبط هنا الشعر المنبسط المسترسل، مثل شعر الروم، يعني أنه أملس زيادة أملس، يعني لا يحتاج إلى ترجيل ولا إلى تمشيط، إنما يستوي لوحده لكثرة ملوسته، لكثرة ملوسته. فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس شعره بالجعد ولا بالأملس الزيادة، إنما هو وسط بحيث أنه يمشط، بحيث أنه يمشط. هذا معنى قوله، قول أنس بن مالك: «ليس بالجعد ولا السبط». وهذا أيضًا من الجمال، هذا أيضًا من الجمال، فليس هو كشعر النساء أو شعر الأعاجم كالروم، وليس هو كشعر الزنوج الذين شعرهم متجعدًا، إنما هو وسط. فكان عليه الصلاة والسلام يرجله، أي يمشطه. وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان عليه الصلاة والسلام يتعهد شعره بالترجيل، وبالترجيل عن التمشيط، وبالدهن والغسل والنظافة، وحث على ذلك، وحث على ذلك. فقد جاء في سنن أبي داود وصححه العلامة الألباني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من كان له شعر فليكرمه». من كان له شعر فليكرمه، بمعنى يعتني به، لا يجعله يعني مهملًا قد يعني علقت به الهوام وكذلك الأوساخ والروائح الكريهة، وهكذا أصبح شعثًا من غير تمترجيل، وإنما كان يعتني به عليه الصلاة والسلام. وأما حديث: «عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتجل غبًا»، وهو حديث صحيح رواه الترمذي، فهذا لا تعارض بينه وبين الحديث المتقدم في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له شعر فليكرمه». وقد جمع بين الحديثين العلامة ابن القيم عليه رحمة الله، فقال رحمه الله تعالى: «لا تعارض بينهما»، يعني بين حديث: «من كان له شعر فليكرمه»، وبين حديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترجل غبًا»، ما في تعارض بين الحديثين. كيف جمع ابن القيم بينهما؟ قال: «لا تعارض بينهما بحال، فإن العبد مأمور بإكرام شعره ومنهي عن المبالغة والزيادة في الرفاهية والتنعم». بمعنى أنه كل لحظة وهو يعتني بشعره وبدهنه وبترجيله ونحو ذلك، لا، وإنما أحيانًا وأحيانًا، لأن هذا ينافي ماذا؟ ينافي الخشونة التي ينبغي أن يكون عليها الرجل، وعدم يعني التنعم الرفاهية. فيكرم شعره لكن من غير مبالغة، من غير مبالغة، كل يوم وهو يعني يدهن شعره أو وهو كذلك يرجل شعره، هذا هو الذي جاء النهي عنه. ومعنى «غبًا» يعني أحيانًا وأحيانًا، يوم أو بعد يوم، وهكذا. هذا معنى غبًا. فهكذا حمل ابن القيم أو جمع ابن القيم بين الحديثين، بين الحديثين، والله تعالى أعلم. قال: «ثانيًا: كان صلى الله عليه وسلم طيب الرائحة، لين الملمس». قال: عن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ما شممت عنبرًا قط، ولا مسكًا، ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مسست شيئًا قط ديباجًا ولا حريرًا ألين مسًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم». رواه مسلم في صحيحه. قوله هنا: «ما شممت عنبرًا قط»، العنبر هو معروف، نوع من أفخر أنواع الطيب، ذو رائحة طيبة، وهو ما تخرجه تلك الدابة التي تعيش في البحر وهي العنبرة. قال: «ولا مسكًا»، والمسك هو كذلك نوع من أنواع الطيب. قال: «ولا شيئًا»، وهنا ذكر الخصوص ثم العموم، فهذا من باب ذكر العام بعد الخاص. فـ «شيئًا» هنا يطلق على كل ما له رائحة طيبة من غير العنبر أو المسك، ويدخل فيه العنبر والمسك. نعم: «أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم مما أكرمه الله عز وجل به أنه لا يشم منه الرائحة الكريهة، لا تشم منه الرائحة الكريهة، بل إذا جاء ولو لم يتطيب يشم منه الصحابة رضي الله تعالى عنهم الرائحة الطيبة التي هي أطيب من أفضل وأفخم وأفخر أنواع الطيب، أنواع الطيب. قال: «ولا مسست شيئًا قط ديباجًا ولا حريرًا ألين مسًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم». الديباج هو نوع من الحرير، نوع من الحرير، وهنا ذكره من باب ذكر العام أو العام بعد الخاص، العام: الحرير، والخاص: الديباج. نعم، وهذا يعني يكون غاية في يعني لين الملمس، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن لبسه الحرير، نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن لبسه لما فيه من الليونة. فالنبي صلى الله عليه وعلا عليه وسلم من مسه كان في ليونة أعضائه، ألين من الديباج والحرير، ألين من الديباج والحرير. طيب، قد يشكل أمر في هذا أيضًا في قوله: «ولا مسست حريرًا»، وهذا قد استشكل على بعض العلماء. فقد مر معنا من صفات النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري أنه كان ضخم اليدين، وفي رواية: والقدمين، وفي رواية: «شثن القدمين والكفين»، وفسرت بغلظهما في خشونة. فكيف الجمع؟ كيف الجمع بين حديث أنس هذا وبين ما جاء في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ضخم اليدين، وكان كذلك شثن القدمين والكفين، أي غليظهما؟ فكيف الجمع؟ جمع بين الحديثين الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، فقال: «المراد باللين... أو أن المراد باللين في الجلد، والغلظ في العظام». اللين في الجلد والغلظ في العظام، وهنا فرق: أن يكون إنسان عظمه خشن وغليظ لكن جلده لين وغير خشن، هذا لا تعارض بينهما. هذا جمع، فقال: «المراد أن اللين في الجلد والغلظ في العظام»، قال: «فيجتمع له نعومة البدن وقوته»، أو «نعومة البدن وقوته»، نعومة البدن بالظاهر وقوته بالباطن وهي العظام. نعم، وجمع جمعًا آخر أيضًا، فقال: «وصف باللين واللطافة، وأريد حيث لا يعمل بهما شيئًا»، يعني إذا لم يعمل بيديه شيئًا من الأعمال التي تخشن اليدين. وهذا أمر معلوم: الإنسان إذا عمل بيده في البناء مثلًا، أو في البحر في الاصطياد، أو في حمل الأشياء أو نحو ذلك، تكون يداه فيهما شيئًا من الخشونة، صح؟ فيهما شيئًا من الخشونة. وإذا لم يعمل شيئًا، لا يعمل بهما شيئًا، وإنما يعمل بغير يديه كتعليمه وتدريسه ونحو ذلك من الأعمال التي لا تحتاج إلى العمل باليد، فهنا تكون اليد ماذا؟ لينة، تكون اليد لينة. فهكذا جمع. نعم، هذا بالنسبة إذا لم يعمل بهما شيئًا فهو يرجع إلى أصل الخلقة، وحيث وصف بالغلظ والخشونة فهو بالنسبة إلى امتهانهما بالعمل، يعني ما جاء في أنها خشنة هذا حيث يعمل بهما في وقت ما يعمل بهما. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطعاط كثيرًا من أموره بيده وبنفسه، كان يعمل عليه الصلاة والسلام، فلربما احتطب، ولربما حمل الأشياء التي يحتاجها عليه الصلاة والسلام. فإذا وصف اللين في وقت عدم عمله بيديه فتكون ملمسه لين، ووصف يديه بالخشونة هذا في حال العمل بهما. هكذا جمع الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى أو حفظه الله: «ثالثًا: طيب عرق النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك به». قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال... فقال عندنا، فعرق، وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها، قال: فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أم سليم، ماذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك، نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب». رواه مسلم في صحيحه. هذا الحديث تقول فيه أو يقول فيه أنس بن مالك: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، وأنس بن مالك هو ابن أم سليم رضي الله تعالى عنها، وأم سليم من محارم النبي عليه الصلاة والسلام، فقد ذكروا أنها خالته من الرضاعة، أن أم سليم وأختها أم حرام خالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الرضاعة، فلا فلا إشكال في ذلك. لأن بعض العلم استشكل: قال: كيف ينام في بيت أم سليم وهي تأخذ من عرقه؟ بل جاء في أم حرام أنها كانت تمشط شعور النبي عليه الصلاة والسلام. فحمل العلم، فحمل العلماء ذلك على أن أم حرام وأم سليم أختان، وهما خالتا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيقول أنس: جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «عندنا»، قال: أن جاء وقت القيلولة، وهو نصف النهار، نصف النهار، لينام. وهذا مما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. أما حديث: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل»، فهذا حديث ضعيف، لكن جاءت كثير من الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيل. وهذا ذكر العلماء فيه فوائد القيلولة، فيها فوائد: فمن فوائدها أنها تنشط الإنسان على قيام الليل، فلربما يكون نشيطًا في قيام الليل، أو كذلك في العمل الصالح بقية النهار إلى وقت نومه أو نحو ذلك، فيأخذ النائم فيها قصته من الراحة، من الراحة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «عندها فعرق»، يعني تساقط منه العرق، فجاءت أمي يعني أم سليم بقارورة، والقارورة هي وعاء من زجاج يحفظ فيه الشراب والطيب، إلى الآن هذه الكلمة متداولة بيننا: القارورة، قارورة المانجو، قارورة الفيمتو، قارورة كذا، العسل ونحو ذلك. فجعلت تسلت العرق فيها، ومعنى تسلت: أي تمسحه وتتبعه بالمسح، وكما جاء في الحديث الذي سيأتي معنا أنها كانت تعصره في قواريرها، فهو بمعنى العصر. تسلته يعني تعصره من الوطاء أو من البساط التي نام عليها النبي صلى الله عليه وسلم حتى تجمعه في القارورة، حتى تجمعه في القارورة. فجعلت تسلت العرق فيها، قال: «فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم»، أي قام من نومه، فقال: «يا أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟» ايش تفعلين هذا؟ وقد رأى معها القارورة وتفعل ذلك. فقالت: «هذا عرقك، نجعله في طيبنا». لماذا تجعله في طيبها؟ لأنه من أطيب الطيب، ولذلك قالت: «وهو من أطيب الطيب»، وهو من أطيب الطيب. نعم، هذا الحديث ذكروا فيه فوائد، نذكرها على سبيل الإجاز. فمن فوائد هذا الحديث: أن عرق النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الطيب حقيقة، ليس مبالغة من الصحابة، وليس خيالًا من الصحابة، وإنما هو حقيقة كما وصف الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، أن جعل الله عرقه طيبًا، بل طيبًا، بخلاف عرق غيره فإنه يستقذر وذو رائحة كريهة. والفائدة الثانية فيه: التبرك بكل ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فضل وانفصل من جسده الشريف عليه الصلاة والسلام، فيجوز التبرك به، وهذا أيضًا من خصائصه عليه الصلاة والسلام. فلذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتبركون بعرقه، وكما سيأتي في الحديث الآخر، ويتبركون ببزاقه، ويتبركون بما فضل من جسده كشعره ونحو ذلك. فهذا مما اختص به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يجوز أن نفعل ذلك مع غيره. فمن هنا تعلم ضلال الصوفية الذين توسعوا في هذا الباب، فتبركوا ببزاق وبآثار مشايخهم أو من يعتقدون فيهم، وهذا من أبطل الباطل. فإن هذا التبرك لو كان جائزًا لفعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أفضل الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلم ينقل إلينا أن أحدًا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم تبرك بأبي بكر، أو تبرك بعمر، أو بأحد من هؤلاء الأولياء ومن هؤلاء الصالحين. فدل ذلك على أن هذا الأمر مما اختص به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن فوائد هذا الحديث: فيه جواز الخلوة مع المحارم والنوم عندهم، والنوم عندهم. وهذا من حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فهو يتودد إلى أرحامه، فلربما يأكل عندهم، ولربما ينام عندهم، ولربما يزورهم. فهذه من الزيارة، هذه أيضًا من الزيارة. من من له خالة يذهب ويمسيها أو يصبحها أو يجلس عندها أو ينام عندها أو يأكل عندها أو يتحدث معها، هذه من أخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام. مع أن أم سليم ليست خالته من النسب، إنما هي خالته من الرضاع، وليست أصل أرحام النسب كأرحام الرضاع. ومع هذا كان النبي صلى الله عليه وعلي وسلم يزور محارمه ولو كانوا من الرضاع، كما كان كذلك يزور أم حرام فيضع رأسه على رجليها وهي تمشط شعره رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وهذا من حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وروي أيضًا عن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم، ينام على فراشها، وليست فيه». يعني لم تكن موجودة عند دخوله. وهذا فيه أيضًا يجوز أن يدخل الإنسان عند محارمه إذا لم تكن هناك فتنة، أو لم يكن هناك مفسدة من وجود غير المحارم في البيت أو نحو ذلك. قال: «وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتيت» يعني جاءت بعدما نام عليه الصلاة والسلام، «فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم نام في بيتك على فراشك». قال: «فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، عليه الصلاة والسلام». ومعنى استنقع: يعني كثر عرقه حتى صار مثل المستنقع، يعني مثل الرقعة من الماء، مثل الرقعة من الماء على الأديم. والأديم هي القطعة من الجلد، القطعة من الجلد. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام على أي حال، على جلد، على فرش، على الأرض، ونحو ذلك. وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام، فلم يكن عليه الصلاة والسلام يتحرى النوم على الفراش الناعم، الفراش الطيب، وإنما كان ينام على ما يتيسر له، على ما يتيسر له. كما جاء أيضًا في حديث عمر: حتى أثر الحصير، كان ينام على الحصير، الحصير من الخوص، نعم، كان ينام عليه حتى أثر على جنبه عليه الصلاة والسلام، فيبكي عمر، فيقول له: ما يبكيك يا عمر؟ قال: الفرس والروم، وهم ما هم عليه من الكفر، يتمتعون بكذا وكذا من الدنيا، وأنت رسول الله تنام على هذا الحصير. فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» هذا من تواضعه ومن صبره عليه الصلاة والسلام. فقد جاء أنه ينام على حصير، وجاء أنه ينام على أدم، وجاء أنه ينام على الأرض عليه الصلاة والسلام. الآن نحن اليوم ربما ألفنا أن لا ننام إلا على الفرش الإسفنج الناعم الرطب، فلو جاء أحدنا مركز المراكز السنة وقيل له: نم على الفرش هذا، ربما ما يأتيه النوم، يستعظم هذا، يقول: أنا سأتعب، وهذا سيؤثر، مع أنه فرش طيب ما شاء الله، يعني أحسن بكثير من الحصير ومن الجلد ومن الأرض. ومع هذا لربما لا يستصيغ أحدنا أن ينام على ذلك. فانظر إلى ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. وفي هذا أيضًا أن أم سليم كانت حريصة رضي الله تعالى عنها على أخذ ما فضل من النبي صلى الله عليه وسلم، فاستغلت هذا الأمر، فماذا فعلت؟ قالت: «فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش»، يعني على قطعة جلد على الفراش. قالت: «ففتحت عتيدتها»، والعتيدة هي كالصندوق الصغير تجعل المرأة فيه ما يعز من متاعها، يعني مثل الآن المرأة معها كبت أو معها دولاب تجعل فيه ما تتزين به أو ما تستخدمه مع زوجها أو نحو ذلك. وهكذا كانت أمهاتنا وجداتنا، معهن صناديق صغيرة تضع فيها مثلًا الورس والأشياء التي تتزين بها ونحو ذلك، فهذه تسمى عتيدة. ففتحت عتيدتها، أي هذا الصندوق، فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، معها قوارير فارغة تأتي بها وتعصر هذا العرق في هذه القوارير. قالت: «ففزع»، أي استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه لما حس بذلك، استيقظ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نومه. ففزع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما تصنعين يا أم سليم؟» فقالت: «يا رسول الله، نرجو بركته لصبياننا». قال: «أصبتي»، يعني لا بأس بذلك، أصبتي، بمعنى لا بأس بذلك. وهنا ربما أيضًا يستشكل أمر، وهو: في الحديث الأول أن أم سليم جمعت هذا العرق من أجل ماذا؟ من أجل أن تجعله طيبًا، قالت: «ماذا؟ نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب». وفي هذا الحديث أنها جمعت هذا العرق من أجل ماذا؟ من أجل البركة، من أجل البركة: «يا رسول، نرجو بركته لصبياننا». فكيف الجمع بين الحديثين؟ جمع بين الحديثين الحافظ كذلك ابن حجر، فقال رحمه الله تعالى: «لا معارضة بين قولها إنها كانت تجمعه لأجل طيبه، وبين قولها للبركة، بل يحمل على أنها كانت تفعل ذلك للأمرين معًا، للأمرين معًا». فكانت تجمعه من أجل أن تجعله طيبًا، ومن أجل كذلك أن تتبرك به لصبيانها وأولادها، فلا يمنع من أن يكون الغرض من ذلك الأمرين. نعم، فهذا فيه ما عنون له المعلق: طيب عرق النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك به، فجمع بين الأمرين. ثم قال المؤلف ورحمه الله وحفظه الله تعالى: «رابعًا: تبسمه صلى الله عليه وسلم». قال: «الظاهر من مجموع الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك، لكن الضحك ليس شديدًا بحيث أنه يفتح فمه انفتاحًا مبالغًا فيه كما يفعل ذلك بعض من يقهقه، كما سيأتي في الأحاديث، كما سيأتي في الأحاديث». قال: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعًا قد تضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم». ومعنى هذا الحديث: أن عائشة وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن عاشرت النبي صلى الله عليه وسلم وقضى جل وقته معها عليه الصلاة والسلام، تصف لنا صفة تبسم النبي عليه الصلاة والسلام. فقالت: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعًا قد تضاحكًا»، أي ما رأيته ضاحكًا كل الضحك بجميع الفم، جامعًا، يعني يجمع الضحك بجميع فمه، وهو المبالغ في الضحك، المبالغ في الضحك. ومعنى ذلك، ومعنى كلامها ذلك: أنها لم ترى النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في الضحك حتى يقهقه، وحتى ينفتح فمه فتاحًا شديدًا، وإنما إن ضحك ضحك بدون مبالغة في فتح الفم، في فتح فمه عليه الصلاة والسلام. ولذلك قالت: «حتى أرى منه لهواته». لهواته: جمع لهاة، واللهاة هي اللحمة المشرفة على أقصى الفم من سقفه، يعني من أعلى الفم. لما تفتح فمك في لحمة هنا فوق اللسان، هذه تسمى... فمن ضحك وفتح فمه ترى هذه اللحمة، ومن لم يبالغ في فتح فمه لا ترى هذه اللحمة. صح؟ نعم. فتقول هنا عائشة: يعني لما كان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم ما يفتح فمه ويبالغ في فتحه حتى ترى منه هذه القطعة، هذه القطعة وهي اللهاة، ما رأت ذلك منهم عليه الصلاة والسلام. «إنما كان يتبسم»، والتبسم يكون بفتح شيء يسير من الشفتين فقط، يكون بفتح شيء يسير من الشفتين، دون المبالغة في فتحه، دون المبالغة في فتحه. فهذا معنى قول: «إنما كان يتبسم»، أي غالبًا الغالب فيما يسر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتبسم ولا يضحك. ولكن كما ذكر المؤلف أنه أحيانًا ربما ضحك عليه الصلاة والسلام، ومع هذا فإذا ضحك لا يبالغ في فتح فمه، لا يبالغ في فتح فمه حتى يصل إلى درجة أن ترى لهاته، أن ترى لهاته عليه الصلاة والسلام. هذا معنى قولها رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وفي هذا الحديث من الفوائد: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كان يرى عبوسًا أمام الناس، وإنما كان يتبسم لأصحابه، وهذا من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام، من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. حتى يقول جرير: «ما رآني النبي صلى الله عليه وسلم إلا وتبسم في وجهه». ما يرى النبي صلى الله عليه وسلم جريرًا إلا ويتبسم في وجهه. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، خصوصًا الداعية إلى الله عز وجل، فإن الناس... فإن الناس يحبون من ينبسط إليهم، ومن الإنبساط التبسم. ولذلك جعله النبي صلى الله عليه وسلم صدقة. انظر: مع أنك تكسب قلوب الناس، إلا أنك تنال بهذا التبسم الأجر والحسنات، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تبسمك في وجه أخيك صدقة». تبسمك في وجه أخيك صدقة. واضح هذا الآن؟ فإذن ينبغي أن نقتدي بنبينا عليه الصلاة والسلام في هذه الخصلة، وأن نكثر من التبسم، خصوصًا لعامة الناس ممن نرجو أن يستجيبوا لدعوة الله عز وجل، وأن يستقيم حالهم، وأن يحبوا دعوة أهل السنة والجماعة، ويحبوا السنة وأهلها، والعلم والمساجد والخير ونحو ذلك. ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أن الضحك ينبغي للمسلم أن يقلل منه، ولذلك جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب». ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب. فما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تضحك». هنا لفتة، قال العلماء: لأن المنهي عنه ليس مجرد الضحك، فأحيانا لا بأس أن يضحك الإنسان، ليس بمحرم، وليس بممنوع، وليس بمنهي عنه. لكن المنهي عنه هو ماذا؟ هو كثرة الضحك، دائمًا وهو يضحك، دائمًا وهو ينكت، دائمًا وهو يمزح، هذا الذي نهي عنه، هذا الذي نهي عنه. وأما قلة الضحك والتبسم فهذا مما يدخل السرور على الناس، ومما يرغب فيه، وهو من حسن الخلق، ومما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، لعلنا اليوم نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر