تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 1

تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 1

الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

افتتاح دورة تفسير سورة الصف ومعنى التسبيح

يستهل الشيخ الدورة العلمية بتفسير سورة الصف من تفسير السعدي مبتدئًا بآية التسبيح الكونية. يشرح أن التسبيح تنزيه لله عن كل نقص وإثبات كماله جامعًا بين النفي والإثبات ككلمة التوحيد.

أهمية التسبيح ومعاني الأسماء الحسنى العزيز الحكيم

يبرز المقطع عظمة التسبيح في الإسلام خاصة عند اجتماعه مع التحميد ككمال للتوحيد. يستعرض معاني اسمي الله العزيز والحكيم الدالين على القهر والحكمة في الخلق والأمر.

تنزيه الله وسبب نزول سورة الصف وحديث السلسلة

يشرح المقطع أهمية معرفة تنزيه الله عن النقص مبينًا أن المشرك لم يقدس الله حق تقديسه. يفسر أول آية في سورة الصف مدنية النزول ويسوق حديث عبد الله بن سلام في سبب نزولها في الجهاد مع سلسلة الرواة.

ختام الجلسة والدعاء بالتوفيق في الحفظ

يختتم المتحدث الجلسة بالإشارة إلى أن الحفظ سيركز على سور محددة من يوسف إلى النحل. يدعو الله بالتوفيق والسداد والإعانة ويختم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، أحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا على ما منّ به علينا سبحانه وتعالى وأنعم، وأن يسر لنا مثل هذه اللقاءات الطيبة المباركة بإذن الله جل وعلا في هذه الدورة العلمية المكثفة في دار الحديث بالشحر، مسجد التقوى، التي إن شاء الله وتعالى ستبدأ من اليوم الخامس من ذي القعدة سنة 1446 هجرية. وهذا كما قلنا من نعمة الله عز وجل علينا أن وفقنا لهذا الخير العظيم. فكما قد علمتم، سيكون في هذا الوقت درس عام، وهو تفسير سورة الصف من تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله. وإن شاء الله هذا التفسير كما تعلمون تفسير مختصر، وفيه أيضًا يذكر معاني عظيمة للآيات قد لا تجد مثل هذه المعاني في شيء من كتب التفسير. نبدأ إن شاء الله وتعالى، فقال المؤلف وهو العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال رحمه الله: وهذا بيان لعظمته تعالى وقهره، وذل جميع الخلق له تبارك وتعالى، وأن جميع من في السماوات والأرض يسبحون بحمد الله، ويعبدونه، ويسألونه حوائجهم. فالله عز وجل أخبر في هذه الآية، وهي آية التسبيح أو من آيات التسبيح: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. فكل شيء يسبح الله جل وعلا. والتسبيح هو تقديس لله جل وعلا، وأيضًا تنزيه له سبحانه وتعالى عن النقص والعيب. فالتسبيح معناه في اللغة: ما أخوذ من "سبح" إذا ابتعد وذهب بسرعة، فلهذا فالتسبيح هو ابتعاد سريع عن كل نقص لله جل وعلا، ويسمى تنزيهًا؛ ينزه الرب جل وعلا عن كل نقص، ويثبت له كل كمال جل وعلا. ولهذا تجد أن لفظ التسبيح لله جل وعلا من الكلمات العظيمة التي هي توحيد لله سبحانه وتعالى؛ لأن التوحيد إثبات ونفي: إثبات العبودية لله جل وعلا والكمال له سبحانه وتعالى، ونفي كل نقص وعيب، ونفي أيضًا الإله. وهكذا في هذه الكلمة: فهي تنزيه الله عز وجل عن كل نقص وعيب، ومن ذلك الشريك، ومن ذلك الولد، ومن ذلك الصاحبة، وغير ذلك من النقص والعيب، فينزه الله عز وجل عنه، ويثبت كمال الضد، يثبت الكمال لله سبحانه وتعالى. فهي تنزيه وإثبات: تنزيه وإثبات. ولهذا بعض أهل العلم يسمي هذه أيضًا التسبيح يعتبر كلمة التوحيد، مثل "لا إله إلا الله"، إلا أن "لا إله إلا الله" صريحة في النفي والإثبات، وهذه أيضًا بالمفهوم: التسبيح "سبحان الله" بالمفهوم. ولهذا تجد أن الله عز وجل ينفي أو يأتي بالتسبيح في آيات كثيرة، يسبح وينزه ويقدس سبحانه وتعالى نفسه عن الشريك، وعن الولد، وعن غير ذلك من النقص والعيب. حتى ذكر بعض الباحثين أن الآيات التي فيها تسبيح الله عز وجل عن الشريك بلغت عشر آيات في القرآن، ينزه الله عز وجل نفسه عن الشريك، لما ذكر ربنا جل وعلا ما شرك اليهود والنصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، جعلوهم مثل الرب أربابًا من دونه، ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فالله عز وجل يسبح نفسه وينزهها سبحانه وتعالى عن الشرك. وكذلك في آيات كثيرة، قرابة الـ 11 آية في القرآن، ينزه الله عز وجل نفسه عن الصاحبة والولد. وهذا يدل على أهمية هذا الأمر، وأن التسبيح له أهمية عظيمة في دين الله جل وعلا. ولهذا كانت هذه الكلمة، كلمة التسبيح، من أعظم الكلمات وأفضل الكلمات التي يذكر بها الرب جل وعلا، كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «أربع كلمات، أو أفضل الكلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله، لا يضرك بأيهن ابتدأت، يعني: ابدأ بأي كلمة منهن لا يضرك. وهي كلمات عظيمة من أفضل الكلام، أن يأتي بمثل هذه الأذكار العظيمة. وأيضًا تجد أن أعظم ما يكون التسبيح إذا اجتمع مع التحميد؛ لأن التحميد ثناء، وثناء للمعبود سبحانه وتعالى، والتسبيح تنزيه للمعبود جل وعلا عن النقص والعيب. فلهذا إذا اجتمع التسبيح مع التحميد صار كمال التوحيد. لهذا تجد دائمًا من الأذكار العظيمة: "سبحان الله وبحمده"، حتى أنها شرعت في السجود، شرعت "سبحان الله وبحمده" في السجود. حتى كما ذكر الإمام ابن القيم وغيره: حتى ينزه العبد ربه جل وعلا عن كل عيب، ومن ذلك الانخفاض، وكذلك أيضًا يعترف لله عز وجل بالذل والانكسار، وأن الله عز وجل هو المستحق لهذا السجود والعبادة، فينزه الله عز وجل ويمجده ويثني عليه، فيقول: "سبحان الله وبحمده"، أو يقول: "سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى" هذا على ثبوت قوله "وبحمده". وجاءت أيضًا في الأذكار التي يذكر بها الرب جل وعلا في الصباح والمساء، وكذلك في الصلاة في الاستفتاح: "سبحانك اللهم وبحمدك"، جاءت في مواضع كثيرة هذه الكلمة العظيمة. كذلك حتى في السفر: كان النبي عليه الصلاة والسلام مع الصحابة إذا طلعوا شرفًا كبروا، وإذا نزلوا سبحوا. قال ابن القيم: وإنما كانوا يسبحون الله عز وجل لأن الانخفاض فيه ذل وفيه خضوع، ليس كالشرف الذي يكون فيه الرفعة، فلما ينزلوا يسبحون الله عز وجل وينزهونه عن السفل وعن الانخفاض. فهذا المعنى كما قلنا هو توحيد الله جل وعلا. ولهذا تجد أن ربنا جل وعلا قد افتتح كثير من السور بتسبيحه سبحانه وتعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. فهذا من تعظيمه سبحانه وتعالى أنه يسبح له كل شيء، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. فتسبح لله عز وجل حتى الجمادات والحيوانات وغير ذلك، تسبح لله سبحانه وتعالى وتعظمه. قال: وهذا بيان لعظمته تعالى وقهره، وذل جميع الخلق، خلقه سبحانه وتعالى، وهو القاهر فوق عباده سبحانه وتعالى. قال: وذل جميع الخلق له تبارك وتعالى، وأن جميع من في السماوات والأرض يسبحون بحمد الله ويعبدونه ويسألونه حوائجهم؛ لأنهم كلهم يحتاجون إلى الله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ما من شيء إلا وهو يفتقر إلى الله. ولهذا من أسمائه سبحانه وتعالى: الصمد. الصمد هو الذي يصمد الناس إليه في حوائجهم، يحتاج الناس إليه في حوائجهم سبحانه وتعالى. فربنا جل وعلا الغني الحميد، وهو سبحانه وتعالى أيضًا هو يقضي حوائج عباده، والناس يحتاجون إليه سبحانه وتعالى، بل كل الخلق يحتاجون إليه سبحانه وتعالى. ثم قال بعدما ذكر التسبيح وأن كل من في السماوات والأرض يسبح له جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال: العزيز الذي قهر الأشياء بعزته وسلطانه. لأن العزة إما أن تكون من القهر والغلبة، وإما أن تكون من القوة: معنى من باب "عز يعز" معنى إذا قوي، ومن باب "عز يعز" إذا قهر، وأيضًا ذل غيره. وهكذا أيضًا "عز يعز" من عظيم جنابه سبحانه وتعالى. فهو عزيز جل وعلا لجنابه العظيم، ولقوته سبحانه وتعالى وقهره لخلقه، وقهره سبحانه وتعالى لخلقه سبحانه جل وعلا. فكلهم تحته، وكلهم عبيده ومقهورون، ومقهورون إليه سبحانه وتعالى. وهو قاهرهم، وهو أيضًا وهم تحت أمره جل وعلا. قال: الحكيم، أي في خلقه وأمره، مع عزته فهو حكيم سبحانه وتعالى. والحكمة هي وضع الشيء موضعه. فهو سبحانه وتعالى يعلم ما يصلح الخلق وما يكون لهم صلاحًا، وما أيضًا يكون لهم أيضًا خير. فلهذا فمن عرف هذا الأمر العظيم، وهو أن الله عز وجل يستحق العبادة، وهو سبحانه وتعالى منزه عن كل عيب ونقص، فيعبد الله جل وعلا، وأيضًا يعظم الرب جل وعلا. فللهذا الذين أشركوا بالله جل وعلا ما قدسوا، وما أيضًا نزهوا سبحانه وتعالى عن العيب. ولهذا جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الله عز وجل يقول للعبد المشرك يوم القيامة: «قد خلقتك وقد تركتك ترأس وتربع»، ترأس بعض الناس وتربع، أي: جعلت لك راعيًا، أي من الرعاية، معنى ما يسمى الآن بعضهم يسمى "ربع". فقال: «وتركناك ترأس وتربع، فماذا فعلت؟» فيقول: يا رب فعلت كذا وكذا. قال: «فيقول الله عز وجل: قد أردت منك أهون من هذا، قد أردت منك أهون من هذا: أن تعبدني ولا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا شرك، فأبيت إلا شرك». فهذا لم يعرف تنزيه الله عز وجل وتسبيح وتقديسه وتقديسه سبحانه وتعالى. فللهذا فالعبد المؤمن الذي عرف الله فعبده ومجده وحمده، وأيضًا أقدسه ونزهه عن كل عيب وكل ما وكل نقص، فهو الكامل، ليس فيه نقص بوجه من الوجوه سبحانه وتعالى. فهذا تفسير هذه الآية العظيمة، وهي أول آية في سورة الصف. وبالمناسبة أن هذه سورة، سورة الصف، هي سورة مدنية، سورة مدنية نزلت في المدينة، وجاءت أحاديث في ما نزلت هذه السورة، ولكن فيها كلام. لكن صح ما ثبت في هذا، أو في سبب نزولها، أو ما يدل على سبب نزولها، وهو حديث عبد الله بن سلام الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي: أن عبد الله بن سلام قال: اجتمع جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالوا: نريد أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أحب الأعمال إلى الله جل وعلا حتى نعملها. اجتمعوا، انظر إلى هذا الاجتماع العظيم، اجتمعوا على خير، اجتمعوا على أن يتشاوروا فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله حتى نعمل هذه الأعمال؟ فأرسلوا من يسأل للنبي عليه الصلاة والسلام، فجاء في رواية أنه أرسل إليهم، فجاء فقرأ عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم سورة الصف، قرأ عليهم سورة الصف؛ لأن فيها أحب الأعمال إلى الله وهي الجهاد، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. ومن المناسبة أيضًا أن هذا الحديث توارد عليه الرواة، وصار من الحديث المسلسلة التي تسلسل العلماء فيها ما فيها. فلما هذا الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ، أو قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، قال أبو سلمة الذي روى عن عبد الله بن سلام: وقرأها علينا عبد الله بن سلام كلها حتى أتمها، حتى أكملها. قال يحيى بن أبي كثير: وقرأها علينا أبو سلمة كلها. وقال الأوزاعي: وقرأها علينا يحيى. وقال محمد بن كثير العبدي: وقرأها علينا الأوزاعي. ثم ذكر العلماء واهتموا بهذا الحديث، وكل واحد منهم يقرأ سورة الصف قبل أو في نهاية هذا الحديث، فصارت هذا الحديث مسلسلًا، يقال: مسلسل بقراءة سورة الصف، وهي من المسلسلات التي صحت عن السلف، وصحت عن محمد بن كثير العبدي، أن الأوزاعي، أن يحيى بن أبي كثير، أن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام. فهذا شيء يذكر في هذا المقام، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. الحمد لله رب العالمين. ننبه الإخوة إن شاء الله تعالى: معنا بعد قليل إن يذهبون إلى حلقاتهم، حلقات القرآن. والإخوة هنا يرتبون على حسب حفظ الشخص، وأيضًا قراءته. وأيضًا باب التنبيه أيضًا أن الحفظ سيكون كما ذكر الإخوة من سورة الرعد إلى سورة النحل، أو من سورة يوسف، أقصد: من يوسف، الرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، ومعنى على أربعة مستويات: أولاً يوسف، ثم الرعد، وأيضًا إبراهيم والحجر والنحل. فهذا الذي نبه عليه الإخوة ذكروه، على أن الحفظ سيكون في هذه السور. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة، والحمد لله رب العالمين.