كتاب الاعتصام من صحيح البخاري 6

كتاب الاعتصام من صحيح البخاري 6

الدرس في كتاب الاعتصام من صحيح البخاري 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب الاقتداء بأفعال النبي واستجابة الصحابة

يشرح الشيخ باب الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم مستنداً إلى آية الأسوة الحسنة، ويذكر أمثلة عملية كترك الصحابة خواتيم الذهب وخلع نعالهم فور فعل النبي ذلك. ثم ينتقل إلى التحذير من الغلو والتنازع في الدين.

أحاديث النهي عن الوصال وحرمة المدينة وذمة المسلمين

يسرد المقطع عدة أحاديث نبوية منها النهي عن الوصال في الصيام وبيان أن من واصل فقد طعن ربه، وحديث علي بن أبي طالب عن صحيفة فيها أسنان الإبل وحرمة المدينة وذمة المسلمين واحدة. كما يذكر حديث عائشة عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتنزه بعض الصحابة عنه.

أدب الصحابة مع النبي وتوقيرهم لأمره

يستعرض المقطع مواقف تبرز أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، كقصة الثلاثة الذين أرادوا التشدد فبين النبي الاعتدال، ورفع أبي بكر وعمر صوتيهما فنزلت آية النهي عن رفع الصوت فوق صوت النبي. ويذكر تعيين أبي بكر للصلاة في مرض النبي رغم بكائه الشديد، مما يعكس حرصهم على طاعته وتوقيره.

ختام الدرس والدعاء بالتوفيق

يعلن المتحدث انتهاء الجزء الحالي من الباب ويشير إلى تكملته في درس قادم. ثم يختم بالدعاء بالتوفيق للجميع والصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين: قال رحمه الله تعالى في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه: قال رحمه الله تعالى: «باب الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم». باب الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل في هذا هو قول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قال الإمام الحافظ: قال: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله. ثم قال رحمه الله تعالى: قال: ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: قال: «باب الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم». والأصل في الاقتداء بأفعاله أنه مستحب، الاستحباب أفعاله الأصل فيها الدلالة على الاستحباب إلا إذا جاءت القرينة التي تدل على الوجوب فيجب. قال: حدثنا أبو نعيم، مر معنا أنه الفضل بن دكين رحمه الله تعالى، قال: حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب. وهذا في أول الأمر قبل أن يحرم لبس الذهب على الرجال. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني اتخذت خاتمًا من ذهب». إني اتخذت خاتمًا من ذهب، قال: فنبذه، وقال: «إني لن ألبسه أبدًا». فنبذ الناس خواتيمهم. والصحابة رضي الله تعالى عنهم ضربوا أعظم النماذج وأروع الأمثلة في سرعة الاستجابة لأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فسرعان ما يبادرون إلى ما يفعله. في حديث أبي سعيد عند أبي داود وغيره: صلى النبي صلى الله عليه وسلم فينا، فصلى الصحابة في نعالهم، فبينما هو يصلي إذ خلع نعليه، فخلع الصحابة نعالهم. فلما انتهى من صلاته قال: «ما لكم خلعتم نعالكم؟» قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. قال: «أما إنه أتاني جبريل فأخبرني أن بهما أذى أو قذرًا، إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه، فإن رأى فيهما أذى أو قذرًا فليمسحهما». الحديث. وشاهدوا منه سرعة الاستجابة وعظيم التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال: «باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع». لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. إلا الحق. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عبد الله بن محمد، وعبد الله بن محمد شيخ البخاري هاهنا هو المسندي الجعفي، المسندي الجعفي أبو جعفر. وللبخاري أربعة مشايخ يقال لهم عبد الله بن محمد، هذا أحدهم: عبد الله بن محمد المسندي الجعفي. قال فيه الإمام أبو يعلى الخليلي رحمه الله تعالى: قال: ثقة متفق عليه، متفق عليه. وذكر فيه الحاكم رحمه الله: قال: هو إمام الحديث في عصره فيما وراء النهر، فيما وراء النهر. وذكر: قال بلا مدافعة، وهو أستاذ البخاري. إذن المسندي الجعفي هذا أحد أربعة مشايخ للبخاري يقال لهم عبد الله بن محمد. الثاني: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة. والثالث: عبد الله بن محمد بن أسماء. والرابع: عبد الله بن محمد بن أبي الأسود. قال: حدثنا هشام، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن الأبناوي. والأبناوي نسبة إلى الأبناء، وهم أبناء الفرس، الفرس استعمروا اليمن سنين، سنين، وكان أو جاء الإسلام، وكان آخر حكامهم على اليمن هو باذان، فأسلم وأسلم معه أهل اليمن. قال: أخبرنا معمر، معمر بن راشد أبو عروة البصري. أين تقع البصرة؟ أين تقع البصرة يا أبا شيم؟ في العراق، لكنه نزيل اليمن، نزل إلى اليمن وأخذ عن علمائها. فلما أراد أن يرحل عن اليمن ويسافر، شق ذلك على أهل اليمن أن يفارقوا مثل معمر، فقال بعضهم: قيدوه. كيف قيدوه؟ عالم يقيد؟ قالوا: قيدوه. بماذا قيدوه يا أبا عبد الله؟ بماذا قيد؟ نعم يا أبا أحمد: بالزواج. قالوا: قيدوه. قالوا: كيف نقيده؟ قال: زوجوه. فزوجوه امرأة منهم، فبقي عندهم ما بقي. قال: عن الزهري عن أبي سلمة، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف. الزهري قال: عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تواصلوا» أي في الصيام. قال: «لا تواصلوا». قالوا: إنك تواصل. قال: «إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». قال: فلم ينتهوا عن الوصال. لماذا لم ينتهوا عن الوصال؟ هل هو عصيان لأمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا، وإنما هو من باب التأسي ومن باب الاقتداء والمتابعة له عليه الصلاة والسلام. قال: فلم ينتهوا عن الوصال، قال: فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين أو ليلتين، ثم رأوا الهلال، أي هلال الفطر، هلال شوال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تأخر الهلال لزدتكم». قال: كالمنكل عليهم، كالمنكل عليهم. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم التيمي، قال: حدثني أبي، قال: خطبنا علي، أي ابن أبي طالب رضي الله عنه، على منبر من آجر، وعليه سيف فيه صحيفة معلقة. فقال: والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل، أي أعمارها التي تؤدى في الصدقة. قال: أسنان الإبل. وإذا فيها: المدينة حرم من عير إلى كذا، في بعضها إلى ثور، من عير إلى ثور، جبلان معروفان بمكة. بماذا؟ بالمدينة. قال: «فمن أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا». قيل: فرضًا ولا نفلًا، وقيل غير ذلك. قال: وإذا فيه، أي في الكتاب: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم». يسعى بها أدناهم. قال: «فمن أخفر مسلمًا، قال: فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا». والذمة يعني أن يضمن المسلم شخصًا ويدخل في عهده وحمايته، فذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم. لو ضمنا أضعفهم فالمسلمون يقومون معه. فمن أتى وأخفره، أي قتل من قد أمنه، قال: فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا. قال: وإذا فيها: «من والى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا». والولاء لمن أعتق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا مسلم عن مسروق، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ترخص فيه وتنزه، وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية». وهذا نحو ما جاء في حديث أنس في قصة الثلاثة الذين أتوا إلى أبيات النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فأخبر أنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم ويفطر، ويقوم من الليل وينام، ويتزوج النساء. قال: فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، يعني كل يوم سيصوم. وقال الآخر: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام. وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. وفي رواية قال: لا آكل اللحم. الحديث. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا محمد بن مقاتل، قال: أخبرنا وكيع، قال: أخبرنا نافع، قال: أخبرنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلك أبو بكر وعمر. طيب، ما سبب ذلك؟ كاد الخيران أن يهلك، أن يقع في سبب الهلاك. قال: أبو بكر وعمر. قال: مبينًا السبب. قال: لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم، ووفد بني تميم من أعراب نجد، من أعراب نجد، ولهم مناسبة مع وفد أهل اليمن تذكر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقبل البشرى يا بني تميم، اقبل البشرى يا بني تميم». قال: قد بشرتنا فأعطنا. قال: قال: قال: «اقبل البشرى». مبينًا مباشرة استجابة عظيمة لدى أهل اليمن، قالوا: قد قبلناها. فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم، طلبوا منه أن يعلمه. قال: لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم، أشار أبو بكر لعمر، أو ماذا أشار؟ أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التميمي الحمضلي، أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، يعني كل واحد اختار له زعيمًا لبني تميم لوفدهم. قال: فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك. قال: فارتفعت أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾. قال ابن أبي مليكة: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد، فكان عمر بعد، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر. إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم بحديث حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه، يقول: ما قلت؟ أو ماذا تقول؟ انظر إلى استجابة الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه، أي الذي مات فيه: قال في مرضه: «مروا أبا بكر يصلي بالناس». ومتى أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ لما عجز عليه الصلاة والسلام أن يقوم فيخرج إلى الناس كي يصلي بهم. قال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس». قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصلي للناس. فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصلي بالناس». فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصلي بالناس. قال: ففعلت حفصة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكن لأنتن صواحب يوسف»، أي فعلنا كفعل صواحب يوسف، أي من النساء التي فعلنا ما فعلنا مع نبي الله يوسف. قال: «مر أبا بكر فليصلي بالناس». فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا، يعني ورطيني لما أمرتيني بأن أقول للنبي صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة، وقد كان عليه الصلاة والسلام سمعها من عائشة ولم يقبلها، فأمرت حفصة أن تقولها للنبي صلى الله عليه وسلم لعلّه أن يقبلها. فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا. الباب له تتمة، يسر الله إتمامها في درس لاحق. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.