كتاب التفسير من صحيح البخاري 112

كتاب التفسير من صحيح البخاري 112

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 112، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث النبي أولى بالمؤمنين وبيان أسانيده

يتناول المقطع باب «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» في صحيح البخاري مستعرضاً حديث أبي هريرة مع تحليل مفصل لرجال الإسناد كإبراهيم بن المنذر ومحمد بن فليح وهلال بن علي وعبد الرحمن بن أبي عمرة مبيناً درجات توثيقهم وضعفهم. ويشير إلى أن الحديث خرج من طرق متعددة في البخاري ومسلم مما يعزز ثبوته.

أحقية النبي بالمؤمنين ووجوب محبته وتوليه أمورهم

يشرح المقطع حديث «فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته» مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم في الدنيا والآخرة من حيث المحبة والتقديم والطاعة والدفاع عنهم. ويستدل بأحاديث وآثار الصحابة على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم فوق كل أحد حتى النفس، مع ذكر استدلال الفقهاء بالحديث على جواز أخذ النبي من أموال المؤمنين لحاجته.

ولاية النبي على الديون والضياع وأحكام الميراث

بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً أو ضياعاً (عيالاً لا عائل لهم) فهو مولاه يتكفل بهم من بيت المال. وحذر من التساهل في الديون مستشهداً بقصة أبي قتادة مؤكداً أن من أخذ مالاً بنية الأداء أعانه الله ومن أخذه بنية الإتلاف أتلفه الله.

تتمة أحكام الضياع والديون وخلاصة الحديث

يوضح المقطع أن من وجد شيئاً ضائعاً يتولى الإنفاق عليه، ومن ترك ديناً يُعطى له حتى يُسدَّد. ويختتم بالتأكيد على أن هذا خلاصة ما ورد في الحديث من أحكام تتعلق بالولاية المالية والنسبية للنبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «سورة الأحزاب». وقال مجاهد: ﴿ سَيَصِيهِمْ قُصُورُهُمْ مَعْرُوفًا فِي الْكِتَابِ ﴾، «سيصيهم» أي: قال: قصورهم. وقوله: ﴿ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ﴾، قال: هو أعطى المسلم الكافر بينهما قرابة صلة له. ثم قال رحمه الله في بعض النسخ: «باب: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم». قال: حدثني إبراهيم بن المنذر. إبراهيم بن المنذر هو الحزامي، حزامي نسبة إلى خالد بن حزام، أخي حكيم بن حزام. يعتبر أيضًا خويلد بن حزام، والد خديجة رضي الله عنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم. فخويلد بن حزام الأسدي، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، نسبته إلى خالد بن حزام، وهو أبو إسحاق المدني، ثقة وحافظ، إلا أنه أجاب في القرآن، فتكلم عليه الإمام أحمد رحمه الله. وجاء إلى بغداد وأراد أن يدخل عند أحمد فلم يأذن له. ومعلوم أن الإمام أحمد اتخذ موقفًا ممن أجاب في القرآن، خاصة الذين لم يعذبوا أو لم يعرضوا على السوط، لأن بعضهم أجاب دون أن يعرض على السوط، مثل إبراهيم بن المنذر. قال: حدثنا محمد بن فليح، وهو ابن سليمان المدني. ومحمد بن فليح ضعفه ابن معين، وتكلم فيه، وقال الإمام أحمد: «ليس به بأس» أو «ليس بذاك»، ففيه كلام. لكن البخاري رحمه الله الظاهر أنه انتخب من أحاديثهم واختار من أحاديثهم. هو ممن... محمد بن فليح أيضًا كذلك، وأبوه محمد بن فليح فيه ضعف، وكذلك أبوه أيضًا فيه ضعف، وتكلم عليهم العلماء كما قلنا. لكن البخاري أخرج لهما ما توبع فيه، أخرج لهما ما توبع فيه، ومنه هذا الحديث. وقد جاء هذا الحديث من عدة طرق عن أبي هريرة كما سنذكره. قال: حدثنا أبي، عن هلال بن علي. هلال بن علي هو هلال ابن أبي أسامة، أو هلال ابن أبي هلال، أو هلال بن علي بن أبي أسامة، وهو مدني، قال: وهو ثقة كذلك. عن عبد الرحمن بن أبي عمرة. عبد الرحمن بن أبي عمرة هو أنصاري مازن، مازني أنصاري، أو أنصاري مازني، من الأنصار من بني مازن، وهم من بني النجار، وهو مازني نجاري أنصاري. وقد ولد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه ليس صحابيًا لأنه لم يرَ النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يرَ النبي عليه الصلاة والسلام. عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهذا الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة من عدة طرق: أخرجه من طريق همام، وأخرجه أيضًا من طريق أبي صالح، وأخرجه أيضًا من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وأيضًا أخرجه من طريق أبي سعيد أو سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، وغيرها من الطرق التي أخرجه عن أبي هريرة. فهذا الحديث اشتهر عن أبي هريرة كثيرًا، وجاء أيضًا عن أبي قتادة وعن غيره. فقال: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال. وهذا الحديث أيضًا أخرجه الإمام مسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة بإسناد آخر. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾. فأيما مؤمن ترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني وأنا مولاه». فهذا الحديث فيه عدة فوائد عظيمة، فمن ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فسره العلماء بأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أي: أولى بالمحبة والتقديم والطاعة من أنفسهم. فقال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة». «أولى الناس به في الدنيا والآخرة». وهنا قال: «ما من مؤمن»، وليس «ما من إنسان»، لأن ولي الناس هو ربنا سبحانه وتعالى، لكن المؤمن في الدنيا والآخرة يتولاه النبي عليه الصلاة والسلام. وفسر أيضًا أن «أولى الناس» أي: أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي يتولاهم ويحميهم، وأيضًا كذلك يدافع عنهم. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام حريصًا على أمته، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي. وقال في حديث أنس: قام من النوم عليه الصلاة والسلام فزعًا، ويقول: «يا رب أمتي، أمتي»، ويبكي عليه الصلاة والسلام. فأنزل الله عز وجل جبريل، وقال له: «قل لمحمد: ما يبكيك؟» وهو أعلم به جل وعز. فقال: «يا رب، أمتي، أمتي». فقال الله عز وجل: «يا جبريل، قل لمحمد: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك». فكان عليه الصلاة والسلام مدافعًا عن أمته. فكل مؤمن هو أولى به عليه الصلاة والسلام، وليه عليه الصلاة والسلام. وفسر كما قلنا: «أولى الناس به في الدنيا والآخرة»، أي: أنه يكون أحب الناس إليه. فالمؤمن أحب الناس إليه، ومقدمهم في الطاعة هو نبي الله عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أنس، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» - أو: «حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وأيضًا كذلك كما قال عمر أيضًا في البخاري: قال: «يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، حتى من نفسك». فقال: «يا رسول الله، فأنت والله أحب إليَّ من نفسي». فقال: «الآن يا عمر». والظاهر أن عمر في بداية الأمر أراد أن لا يكون في كلامه شيء من الإشكال، فيقول: «إلا من نفسي»، أي: استثنى نفسه، ليس لأجل أنه يحب نفسه أكثر من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما حتى لا يشك في نفسه. فلذا لما رأى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حتى من نفسي»، قال: «فأنت والله أحب إليَّ حتى من نفسي»، فجزم بعد ذلك. وقيل أيضًا تفسيرها آخر، والمهم أن المؤمن يجب عليه أن يكون أحب الناس إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الناس تقديمًا له، أي: في طاعته، فلا يقدم طاعة غيره عليه، لا يقدم طاعة غير النبي عليه الصلاة والسلام على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في الصحيحين، وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». أيضًا كذلك في هذا الحديث، ذكر الإمام العراقي في «طرح التثريب» أن بعض الشافعية استدل بهذا الحديث على أن النبي عليه الصلاة والسلام له أن يأخذ من أهل الإيمان ما يشاء من حاجته. له أن يأخذ من أهل الإيمان ما يشاء من حاجته. وهذه مسألة ذكروها لأجل أن كثيرًا من الأنصار كانوا يهدون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا حق له عليه الصلاة والسلام. والمهم أن هذه المسألة لم تحصل، أو لم تفترض، أو أنها مسألة مفروضة فقط، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يأخذ مال أحد بغير إذنه، ولم يأت ويأخذ طعام أحد بغير إذنه، وإنما كان يستأذن. وأما الأنصار فكانوا يمنحونه المنيحة من اللبن وغيره، إنما من تلقاء أنفسهم محبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلِيرِثْهُ عَصَبَتُهُ، مَنْ كَانُوا، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي وَأَنَا مَوْلَاهُ». وهذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح الله عز وجل عليه بخيبر. لما فتح خيبر، وأيضًا جاءت الفتوح بعد خيبر، جاء فتح مكة، وجاء أيضًا غيره من الفتوحات بعد ذلك. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال هذا. وإلا قد كان يقول كما جاء في حديث أبي قتادة، وفي حديث أبي هريرة أيضًا وجماعة: كان إذا أراد أن يصلي على رجل، يقول: «هل عليه دين؟» فإن قالوا: نعم، عليه كذا وكذا، فيقول: «صلوا على صاحبكم». جاء بجنازة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل عليه دين؟» قالوا: نعم، عليه ديناران. فقال عليه الصلاة والسلام: «صلوا على صاحبكم». فقال أبو قتادة: «صَلِّ عليه يا رسول الله، وعليَّ دينه». قال: «صَلِّ عليه يا رسول الله، وعليَّ دينه». فصل النبي عليه الصلاة والسلام. ثم لقي أبا قتادة في اليوم الأول، فقال: «يا أبا قتادة، هل سددت دين الرجل؟» قال: «لم أسدده يا رسول الله». ثم لقيه مرة أخرى، فقال: «هل سددت دينه يا أبا قتادة؟» فقال: «نعم». فقال: «الآن بردت عليه جلده». فهذا الحديث يدل على أن من ترك... أو أن الرجل لا يتساهل في الدين، فإنه سيعاقب به في قبره، وكذلك يوم القيامة، فإنه لا درهم ولا دينار، وإنما الحسنات والسيئات. فلذا يحرص المسلم على أن يؤدي أموال الناس. وقد جاء في البخاري عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أداها الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها، أتلفه الله». أن بعض الناس يأخذ دينًا وهو يعرف أنه لا يسدده، فهذا خطأ، وإنما يحرص على أن يسدد أمواله وديونه. إن كان أخذ دينًا فليحرص على تسديده، والله عز وجل يعينه على ذلك إذا كانت نيته السداد. وأما إن كانت نيته إضاعة أموال الناس، فهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتلفه الله». وأيضًا سيحاسب عليها يوم القيامة، وتؤخذ من حسناته كما جاء في حديث المفلس. قال: «فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي وَأَنَا مَوْلَاهُ». فمن ترك مالًا فيأخذه الورثة. ومن ترك دينًا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أنا مولاه». فإن ترك دينًا أو ضياعًا، والضياع: معنى العيال، أو ما يضيع بتركه، ما يضيع بتركه، مثل الأولاد مثلًا إذا مات أبوهم وليس لهم عائل يعولهم، فهؤلاء يسمون ضياعًا. وقيل: إن الضياع هنا المراد به العرض أو العقار. فالمهم أن من ترك دينًا... أقصد هنا معنى الضياع هنا: العيال والأولاد، أو ما يكون فيه أحد من أرحامه الذين كانوا ينفق عليهم، فإذا مات لم يكن هناك عائل يعوله. فقال: «فليأتني وأنا مولاه»، أي: أن النبي عليه الصلاة والسلام سيعطيه من بيت المال. إن كان من الضياع، فإنه سينفق عليه، وإن كان من ترك دين، فإنه سيعطيه هذا الدين حتى يسدده. فهذا خلاصة ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة.